توقع النادي الجزائري للتفكير والبحث أن يكون عام 2010 عاما حاسما بالنسبة للاقتصاد الجزائري واختبارا حقيقيا لمدى نجاح الإجراءات الحكومية الرامية إلى تحقيق الانطلاق الحقيقي للاقتصاد الوطني أو انتكاسة تعيده إلى نقطة البداية.
وحسب تقرير للنادي نشر مؤخرا فإن كل برامج السلطات العمومية أصبحت على المحك، ولن يكون بالمقدور تبرير أخطاء محتملة الوقوع في المستقبل، الذي يظل مرهونا بعدة عوامل منها سعر النفط، وعمر الأزمة المالية، واحتمالات تغيير القوانين، وردود أفعال المتعاملين الاقتصاديين الوطنيين والأجانب.
البرامج التنموية
وفي الوقت الذي اهتز فيه العالم بسبب تداعيات الأزمة المالية العالمية، قرّرت الجزائر الاستمرار في تنفيذ برامجها التنموية الضخمة استكمالا للبرامج التي أطلقتها منذ العام 2001 لإعادة بعث اقتصادها المتعثر لأكثر من عقد بسبب أزمتها السياسية والأمنية.
وأعلن رئيس الحكومة الجزائرية أحمد أويحيى أن كل المعطيات المالية التي بحوزة الحكومة تسمح بمواصلة تنفيذ برامجها الإقتصادية والاستثمارية دون عناء كبير معتمدة في ذلك على البحبوحة المالية التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة بفضل عوائد النفط والغاز وارتفاع احتياطاتها من النقد الأجنبي إلى أكثر من 145 مليار دولار و انخفاض ديونها الخارجية من 30 مليار دولار في 1999 إلى أقل من 5 مليارات .وقال أويحيى في عرضه للسياسة الاقتصادية الحكومية المستقبلية إن الجزائر ستطلق مطلع العام المقبل .
وعلى مدى السنوات الخمس المقبلة برنامجا للتنمية الاقتصادية خصصت له أكثر من 150 مليار دولار . واصفا إياه بالمرحلة التاريخية الجديدة في مسار التنمية الوطنية. وأشار الى أن الجزائر عاكفة على خوض سياسة مكثفة لإعادة البناء الوطني إثر حقبة سنوات الإرهاب كانت أليمة في الجانبين الاجتماعي والاقتصادي.
تدابير احتزازية
ويبدو أن الأزمة الاقتصادية العالمية لم تكبح انطلاقة التنمية في الجزائر، بعد التدابير الاحترازية التي اتخذتها الحكومة من أجل تحرير البلاد من التبعية المالية الخارجية والحفاظ على الموارد المدخرة خلال سنوات الازدهار المالي. وفرضت الحكومة الجزائرية إجراءات اقتصادية حمائية، منها الاحتفاظ ب51 % لمصلحتها في أي مشروع استثماري مع الأجانب ،ومنح شركات الاستيراد والتصدير الأجنبية 30 % من حصصها لمستثمر جزائري، وإلغاء القروض الاستهلاكية الممنوحة للمواطنين باعتبار أنها كانت تخدم الشركات الأجنبية أكثر من الاقتصاد الوطني، كما فرضت على الشركات الأجنبية إعادة استثمار جزء كبير من أرباحها في البلاد.
وأشار أويحيى إلى أن بلاده حققت العام 2009 نموا قويا بلغ 5, 2% وتراجعا جديدا للبطالة بمقدار 3, 11% لكنه لفت إلى أن الأزمة الاقتصادية أثرت بصفة محسوسة على موارد البلاد بسبب انخفاض أسعار النفط وهو ما دفع بالحكومة إلى التحرك لكبح الإفراط في تصدير رؤوس الأموال.
نمو قياسي
وتوقع وزير المالية الجزائري، كريم جودي، تحقيق نمو اقتصادي قياسي يتراوح ما بين 9 و10 % خارج المحروقات بنهاية العام الجاري، لافتا إلى أن هذه التوقعات تتوافق مع توقعات صندوق النقد الدولي حول النمو الاقتصادي في الجزائر لهذا العام، فيما سيشهد النمو الكلي انخفاضاً ليصل إلى 5, 3 % بدلاً من 9, 3 % التي أعلن عنها خلال العام الحالي.
وفي ما يبدو إظهارا للراحة المالية التي تعيشها الجزائر، كشف جودي أن بلاده لا تزال تدرس شراء قروض سندات يعتزم صندوق النقد الدولي إصدارها لملء خزائنه، مشيرا إلى أن المدير العام لصندوق النقد الدولي دومينيك ستروتسكان، كان قد دعا الجزائر إلى شراء هذه القروض بسبب وضعها المالي الجيد، وفي سياق وضع دولي تميزه نقص السيولة بسبب الأزمة المالية.
معدلات الاستثمار
ووفقا لتقرير اقتصادي حكومي فإن نسبة الاستثمارات في الجزائر ارتفعت بنسبة 40 % في الشهور التسعة الأخيرة لتصل إلى 15715 مشروعا استثماريا مقابل 11177 مشروعا العام 2008. وبلغت قيمة الاستثمارات الإجمالية قرابة 16 مليار دولار خلال النصف الأول من العام الجاري، بينما بلغ عدد المشاريع الإجمالية 51456 مشروعا في الفترة الممتدة ما بين 2002 و2008 بقيمة حوالي 82 مليار دولار. وكشف التقرير أن عدد الوظائف الجديدة التي تمّ توفيرها خلال النصف الأول من العام الحالي بلغ 758291 ألف وظيفة، فيما تسعى الحكومة إلى توفير 3 ملايين فرصة عمل جديدة حتى العام 2014 ضمن برنامج التنمية الاقتصادية الشاملة.كما انخفضت نسبة الفقر خلال العام 2009 إلى 9, 4 %.
تجاوز التداعيات
ولتجاوز تداعيات الأزمة وإنجاح مشاريعها المستقبلية نصح تقرير الحكومة بتعميق الإصلاحات وتعزيز الوفاق الوطني بما يخدم مصالح البلاد وبذل مزيد من الجهود لكسب معركة الجودة والتنافسية على نحو يضمن تنويع الموارد الخارجية للبلاد.
وأشار التقرير إلى أن نفقات الاستثمارات العمومية التي تتزايد سنويا سترتفع أيضا بنسبة 23% العام 2010 لتبلغ ما يعادل 45 مليار دولار كحصة أولى من البرنامج الخماسي العمومي للاستثمار 2010-2014. وتوقع تحقيق نسبة نمو سنوي للناتج الداخلي الخام تصل 5% خلال الفترة الممتدة من 2010 إلى 2014، بالإضافة إلى استمرار تراجع نسبة البطالة التي انتقلت من 18% العام 2004 إلى 3, 11 % العام 2008، وانخفاضها إلى أقل من 10% العام 2014 بعد توفير 3 ملايين وظيفة جديدة.
كما أعلنت الحكومة الجزائرية التزامها بإنشاء 200 ألف شركة صغيرة ومتوسطة حتى العام 2014، وذلك بعد نجاحها في إنشاء 15 ألف شركة جديدة العام 2006 و22 ألف شركة العام 2007،و27 ألف شركة العام 2008 ،وتوقعها أن يتجاوز العدد هذا العام 40 ألفا.
البرنامج الاقتصادي
وقال بشير مصيطفى، الخبير الاقتصادي الدولي، أستاذ الاقتصاد بجامعة الجزائر إن بوتفليقة التزم ببرنامج اقتصادي ضخم مرتبط بوعوده قبل فوزه بولاية رئاسية ثالثة هذا العام. وأضاف أن بوتفليقة التزم بضخ 30 مليار دولار سنويا في الاقتصاد الجزائري لدفع التنمية، إلا أن هناك قيودا فنية طرأت بسبب الأزمة المالية العالمية وانخفاض أسعار النفط.
وأشار إلى أن الحكومة لجأت لتغطية العجز في موازنة العام 2010 إلى صندوق ضبط الإيرادات، وهو الصندوق الذي تذهب إليه فوائض عوائد النفط فوق سعر 37 دولارا (السعر المرجعي للموازنة في الجزائر).
ويبلغ رصيد هذا الصندوق نحو 60 مليار دولار في الوقت الحالي. وحذر مصيطفى الحكومة من إفراغ هذا الصندوق الذي تلجأ إليه عند الحاجة خاصة في ظل تداعيات الأزمة العالمية، وقال: أتصور أنه إذا بقيت أسعار النفط على ما هي عليه في السوق العالمية فإن صندوق ضبط الإيرادات قد يستنزف كليا في موازنة العام 2011 مع عزم الحكومة تنفيذ هذه المشاريع الاقتصادية الضخمة.
ولفت إلى أن رهان الحكومة على إنجاح مشاريعها ستظهر مدى صلابته خلال السنوات الثلاث المقبلة، معتبرا أن الاقتصاد الجزائري لا يزال هشا في الوقت الراهن ولا يمكن أن يبقى مرتكزا على إيرادات النفط كما أنه من الصعب جدا أن تستغني الجزائر عن تمويل اقتصادها من عوائد النفط. وأشار مصيطفي إلى أن الجزائر تعول لتجاوز أي عجز مالي على رفع صادرات الغاز وهو رهان صعب أيضا بسبب شح السيولة في السوق المالية العالمية كما أن الارتكاز على سوق النفط صعب أيضا خاصة مع احتمال أن تعمد الدول الغربية إلى فرض ضريبة على الكاربون، فالرهان على الاقتصاد التقليدي المبني على عوائد النفط خطير.
وكالات
