لم تمض سوى أيام قليلة على اختتام أعمال قمة كوبنهاغن للتغير المناخي، حتى جاء الإعلان عن صدور قانون بإنشاء مؤسسة الإمارات للطاقة النووية، مدشناً بذلك البرنامج النووي السلمي الهادف لإنتاج الكهرباء ودعم التنمية الاقتصادية وتوفير فرص العمل لمواطني.

ويتوج هذا القانون سلسلة من المبادرات الرائدة التي تبنتها الدولة خلال السنوات الأخيرة في مجال تعزيز مكانتها كدولة قائد في المنطقة لصناعات الطاقة النظيفة والتي تجلت أبرز تعبيراتها في تطور مبادرة «مصدر» خلال فترة وجيزة من الزمن لتصبح علامة فارقة في صناعة الطاقة المتجددة على مستوى العالم، وهو ما تأكد بفوز الإمارات بمقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة. ويعد هذا الزخم الذي شهده قطاع الطاقة المتجددة في دولة الإمارات، أحد مكونات استراتيجية كبرى ترمي إلى جعل سياسات التنمية المستدامة حقيقة موجودة على أرض الواقع، يستطيع الداني والقاصي تلمس أبعادها بسهولة ويسر، حيث تتضافر جهود مختلف الهيئات والشركات والمؤسسات بالدولة في ابتكار نموذج للتنمية المستدامة يعبر من جانب عن خصوصية الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والبيئية في دولة الإمارات، ومن جانب آخر، يدشن خطوطاً إرشادية لما سوف يكون الوضع في المستقبل.

سياسات خضراء

وتتجلى أبرز التعبيرات عن هذا النموذج في خلق ارتباطات قوية ووثيقة بين مصادر وموارد الطاقة من جانب والأوضاع البيئة من جانب آخر، وأهداف الخطط الاجتماعية والاقتصادية من جانب ثالث، بحيث أضحى هناك مزيجا مترابطا ومتكاملا لمتغيرات ومعطيات في مجالات مختلفة ومتنوعة، تشكل التنمية المستدامة حلقة الوصل فيما بين بعضها البعض، بحيث تكون «السياسات الخضراء» بمثابة تعبيرا عن واقع عملي تنطق به ممارسات الأفراد والشركات والهيئات العامة.

وليس فقط مجرد تجسيد لأهداف وأولويات على مستوى الخطاب النظري. ويلفت أنظار المراقبين هنا، أن قطاع الطاقة والنفط يعطي أولوية فائقة للتنمية المستدامة، فعندما أكد معالي محمد بن ظاعن الهاملي وزير الطاقة على أنه لا يوجد أي مجال للمهادنة مع أي خطط للتوسع في مجال النفط والغاز على حساب البيئة، كان ذلك بمثابة تأكيد على الثوابت التي تنتهجها الدولة في الارتقاء بالعمل البيئي على مدار تاريخها.

وكان ذلك بمثابة دليل على أن حماية البيئة وتحقيق التنمية المستدامة في الدولة ليست ترفاً فكرياً أو اهتماماً سطحياً، وإنما هي واجب وطني، له جذوره العميقة الضاربة في وجدان هذا الشعب وله أطره المؤسسية وتشريعاته المتكاملة وآلياته المتطورة التي أثبتت كفاءتها وفاعليتها ومقدرتها على العطاء والتجدد.

وقد عملت الدولة منذ إنشائها على تحقيق التوازن بين ما تنشده من نهضة اقتصادية واجتماعية، وبين الحفاظ على موروثاتها الثقافية والاجتماعية والبيئية، في تجربة فريدة تؤكد نجاح نموذج التنمية المستدامة، الذي أرسى دعائمه المغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، والذي عمل منذ وقت مبكر على وضع أسس راسخة لحماية البيئة.

وانتهجت الدولة نهجاً قوياً بالانفتاح على العالم ووصلت في وقت وجيز إلى أن تكون محط الأنظار كدولة تحظى بالاحترام والتقدير، وتجسد هذا النهج في تنظيم العديد من المؤتمرات العالمية والمبادرات الطموحة .

ومن بينها مبادرة أبوظبي للبيانات البيئية العالمية التي أطلقتها الدولة في قمة التنمية المستدامة بجوهانسبرغ، وذلك أيمانا بأهمية البيانات البيئية في دعم آليات اتخاذ القرارات ووضع الاستراتيجيات والخطط الفعالة للتنمية المستدامة في الدول النامية.

البحث عن حلول مستدامة

كما حرصت الدولة على المشاركة بفاعلية للبحث عن حلول مستدامة للقضايا البيئية ذات الأولوية، واتخذت عدداً من الخطوات تجاه استدامة قطاع النقل في التنمية الاجتماعية والاقتصادية وقامت بتعميم استخدام الوقود الخالي من الرصاص وتقليل نسبة الكبريت في وقود الديزل، علاوة على العناية بشبكات الطرق وبمواصفات قياسية للمركبات تضمن وفائها بالمعايير والمقاييس الدولية، وتحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاعتبارات البيئية.

وعملت الدولة أيضا على تطوير الأطر المؤسسية والتشريعية ووضع البرامج والخطط والاستراتيجيات البيئية وتنمية القدرات البشرية وخلق فرص شراكة بين القطاعين العام والخاص مع الاستفادة من الخبرات الدولية والتقنيات الحديثة.

وقد حققت دولة الإمارات من خلال اهتمامها الراسخ والأصيل بالمحافظة على البيئة، من الآثار السلبية من إنتاج واستخدام الطاقة، مجموعة كبيرة من الإنجازات، شملت وضع التشريعات والنظم والاستراتيجيات وخطط العمل البيئية. إضافة إلى مجموعة أخرى من الإنجازات.

خريطة طريق

ويبرز في هذا السياق، تبني شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) نهجا في معالجة القضايا البيئية المتشعبة والمتعددة، يمكن تسميته مجازا ب«خريطة طريق» من ناحية وجود جملة من الأهداف الإستراتيجية تكاد تغطي كافة عمليات وأنشطة الشركة، وتوظيف الموارد الضرورية التي تكلف تنفيذ هذه الأهداف، وبالتالي، فإن نشاط الشركة في مجال الحفاظ على البيئة ليس محصورا في إطار زمني محدد، بل تعد هذه الجهود بمثابة عملية متواصلة ومستمرة، وجزءا أصيلا من عمل الشركة في رحلتها الطويلة.

وتنوعت جهود الشركة في هذا المجال ما بين إطلاق البرامج لإدارة ومراقبة نوعية الهواء، ويتمثل الهدف من المشروع في الحصول بشكل منتظم على بيانات تتعلق بنوعية الهواء من محطات المراقبة ومن مصادر الانبعاثات الملوثة للهواء في إمارة أبوظبي.

ومقارنه هذه البيانات مع الأهداف الموضوعة لنوعية الهواء، وتطوير خطة عمل للصحة والسلامة الإليكتروني، جري فيها ترجمة رؤية أدنوك الخاصة بمجالات الصحة والسلامة الإليكتروني إلى أهداف إستراتيجية للصحة والسلامة الاليكتروني، ويجري تنفيذها من خلال تطبيق نظام الشركة لإدارة الصحة والسلامة والبيئة.

وتجسد التعبير الحي عن ارتقاء القضايا البيئة سلم الأولويات في الخطة الإستراتيجية لإمارة دبي حتى عام 2015 والتي تم إطلاقها تحت عنوان «دبي.. حيث يبدأ المستقبل»، وشرح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي المجالات الأساسية التي تتمتع بإمكانيات نمو كبيرة.

وأكد سموه أن برامح البنية التحتية والأراضي والبيئة ستعمل ضمن خطة دبي الإستراتيجية وفق 4 محاور رئيسية تتضمن التخطيط الحضري والطاقة والكهرباء والمياه، الطرق والنقل، والبيئة. وتستهدف الخطة في هذا المجال تحقيق التنمية المستدامة في دبي في ضوء نموها الاقتصادي المتسارع، من خلال تأسيس بنية تحتية فعالة ومتوازنة وصديقة للبيئة.

خطط استراتيجية

وهكذا، تسعى خطة دبي الاستراتيجية إلى جعل دبي تتمتع ببيئة آمنة وجذابة ومستدامة من خلال تحديث وتوحيد المعايير البيئية بما يتوافق مع المعايير العالمية وتبني منهاج التنمية المستدامة عن طريق وضع خطط بيئية فعالة وكفئة، ودمج القضايا البيئية ضمن سياسات وبرامج التنمية.

وعلى نفس المنوال، تمتع هيئة البيئة بأبوظبي بالكثير من عناصر القوة التي تجعل منها لاعبا رئيسيا في مجال تحقيق هدف حفظ التوازن بين زيادة استخدامات الطاقة وحماية البيئة، وتبرز في صدارتها الدعم السياسي الذي تحظي به، بحكم تولى رئاسة الهيئة الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة.

وتتسع مواطن القوة لتشمل اتباع سياسة طاقة تضع في صدارة أولوياتها الحفاظ على الموارد الطبيعية، والالتزام بالتوفيق بين الاستخدام المتوقع المتزايد للمواد الهيدركربونية وبين بيئة أكثر نظافة وأمنا، إلى جانب انخراط الهيئة النشط في العديد من المشروعات الهادفة إلى مكافحة التلوث، وذلك في إطار استراتيجيتها الرامية إلى إدارة الموارد الطبيعية لإمارة أبوظبي وحمايته للأجيال القادمة.

ويعتبر الدور الذي تقوم به إدارة البيئة في بلدية دبي من أجل توفير خدمات فعالة لمجتمع الإمارة دوراً متميزاً ورائدا لضمان مدينة نظيفة وصحية، وذلك في ظل ما تشهده الإمارة من تطور ونمو متسارع، مما يحتم توفير استجابة عاجلة ومؤثرة لكافة قضايا البيئة. لذا فقد أخذت إدارة البيئة بالبلدية على عاتقها مسؤولية القيام بتطوير استراتيجيات وأهداف لتنفيذ برامج فعاله تهدف إلى حماية قطاعات البيئة من ماء وهواء وتربة إضافة إلى حماية صحة وسلامة المجتمع، وتتألف إدارة البيئة من ثلاثة أقسام هي: قسم خدمات النفايات، قسم حماية البيئة والسلامة، وقسم معالجة النفايات.

بيد أنه من غير الممكن تغيير الأنماط السلوكية بين ليلة وضحها، بل يحتاج الأمر إلى بذل جهود متواصلة وإطلاق حملات توعية مستمرة، وهنا يبرز دور مجموعة الإمارات للبيئة التي عملت على وضع برنامج طموح للتعاون مع المؤسسات الخاصة والعامة الرائدة لحل المشاكل البيئية، وترويج مفهوم التنمية المستدامة من خلال تأسيس شبكة المسؤولية الاجتماعية التي تتركز أهدافها في إبراز الالتزام بقضايا التنمية المستدامة العالمية.

والمساهمة في المبادرة الوطنية لتحقيق التنمية المستدامة. وتندرج هذه الجهود المتنوعة تحت مظلة أكثر اتساعاً وهي الاستراتيجية الوطنية البيئية وخطة العمل البيئي، وتعد هذه الاستراتيجية بمثابة تأكيداً لالتزام الدولة بالمشاركة في الجهود الدولية الرامية إلى المحافظة على البيئة ومنع تدهورها.

وتمثلت الأهداف التنموية الرئيسية للاستراتيجية الوطنية البيئية وخطة العمل البيئي الوطنية تعزيز التزام الدولة بحماية البيئة، وتبني مبادئ التنمية المستدامة عن طريق إدخال الاعتبارات البيئية في عمليات التخطيط الوطنية للتنمية، وتنمية القدرات العاملة في المجال البيئي، وذلك عن طريق التعرف على أولويات العمل البيئي (أجندة القرن 21 الوطنية البيئية).

وعلى القدرات البيئية، ثم الانطلاق نحو إعداد استراتيجية بيئية وطنية تمثل الأهداف والسياسات لتلك الأولويات وإعداد خطة عمل بيئية وطنية مبنية على الاستراتيجية البيئية الوطنية لتكون بمثابة أداة رئيسية لتطوير التنمية المستدامة.

مشروع البنزين الخالي من الرصاص

وقد لعبت أدنوك دوراً هاماً في تحويل الإمارات العربية المتحدة وانضمامها إلى حملة الاستغناء التدريجي عن الوقود المحتوى على الرصاص في جميع أرجاء الإمارات.

وتطلب ذلك تحويل 500 محطة وقود في مختلف أنحاء الإمارات إلى الوقود الخالي من الرصاص وتدريب موظفي النقل ومحطات الخدمة، بالإضافة إلى تنظيم حملة توعية للسائقين في دولة الإمارات الذين يبلغ عددهم 000,750 سائق. وقد تمت عملية التحول بصورة سلسلة في 1 يناير 2003 م.

بعد قيام أدنوك بطرح مشروعها في العام 2002 م لإدخال الغاز الطبيعي كوقود للسيارات، تم تنفيذ مشروع تجريبي على سيارات الأجرة والشاحنات خلال العام 2003 م. واشتمل ذلك على تحويل السيارات وإعداد محطات وقود خاصة وإنشاء خط أنابيب تحت الأرض لتسليم الغاز الطبيعي. ويتمثل الهدف على المدى البعيد في استخدام الغاز الطبيعي كوقود لجميع سيارات الأجرة في أبوظبي، ومن ثم توسعته ليشمل وسائل النقل الأخرى.

حماية الهواء من التلوث

اهتمت السلطات المختصة في الدولة والجهات المعنية الأخرى بقضية حماية الهواء باعتبارها واحدة من الأولويات الخمس التي تم تحديدها في المرحلة الأولى من الاستراتيجية الوطنية البيئية وخطة العمل البيئي. وبذلت هذه السلطات جهوداً مكثفة في محاولة المحافظة على نوعية وجودة الهواء.

وقد لعبت العوامل المختلفة التي شهدتها الدولة خلال العقود الثلاثة الماضية مثل مستوى التحضر، خاصة في المدن الكبرى، وزيادة عدد السكان ووسائل النقل والتنمية الصناعية دوراً هاماً في بروز بعض القضايا البيئية، ومن بينها قضية المحافظة على الهواء من التلوث.

فمن جانب، تم وضع التشريعات الرامية إلى إلزام كافة المنشآت التي يمكن أن ينتج عن ممارستها لأنشطتها انبعاثات تؤدي إلى تلويث البيئة الهواء بالضوابط والمعايير والمقاييس التي تحددها تلك السلطات، وكان القانون الاتحادي رقم (24) لسنة 1999 في شأن حماية البيئة وتنميتها ولائحته التنفيذية أهم هذه التشريعات على المستوى الاتحادي.

بيئة أبوظبي تركز على التنمية المستدامة في عملها

توفر سياسة الطاقة التي تتبعها الدولة دعماً قوياً لهيئة البيئة في أبوظبي إلى جانب الهيئات البيئية الأخرى، وتمثل التنمية المستدامة محوراً رئيسياً في استراتيجية عمل الهيئة، وذلك على اعتبار أن إمارة أبوظبي قد أطلقت على مدى الأعوام الماضية استراتيجية التنويع الاقتصادي عبر الاهتمام بتحويل قطاعات كالعقارات والسياحة والصناعة والنقل إلى مصادر رئيسية للدخل أسوة بقطاع النفط والغاز.

وبالتالي، صارت مهمة هيئة البيئة في أبوظبي بمثابة صمام أمان أن لا يؤدي هذا التطور إلى تأثيرات ضارة وبالبيئة، وذلك في ظل تسارع وتيرة استخدام موارد الدولة، وفي ظل امتلاك إمارة أبو ظبي موارد تشكل العمود الفقري للاقتصاد، لاسيما وأن بعض هذه الموارد تتميز بأنها ذات أهمية اجتماعية، والبعض الآخر يتميز بقيمته الثقافية، ولكن يبقى القاسم المشترك هو كيفية إدارة هذه الموارد بطريقة مستدامة.

إعداد: مجدي عبيد