توقع خبراء اقتصاديون عالميون أن يشهد العام المقبل والأعوام التالية توابع للازمة الائتمانية العالمية التي ضربت العالم في العامين الماضيين، قد تكون أشد واسوأ من الأزمة ذاتها. ونقلت مجلة ايكونوميست عن خبراء قولهم إن الأزمة الائتمانية لم تكن بالسوء الذي توقعه البعض لكن الكثير يتوقعون أن تكون توابعها وآثارها المستقبلية أشد سوءا.

لقد عرف العام الماضي بأنه عام الكساد العظيم، الذي شهد أكبر كساد اقتصادي في العالم منذ الحرب العالمية الثانية. لكن البعض يميلون إلى تسميته أيضا بعام «الاستقرار العظيم» لأن الأمر لم يكن محصورا في مدى قسوة الأزمة، بل في كيفية التعامل معها.

منذ 12 شهرا ضرب الرعب العالم بإفلاس بنك ليمان براذرز مما دفع أسواق المال إلى حافة الانهيار. وتراجع الاقتصاد العالمي بأسرع مما حدث له في الثلاثينات، عندما ضربت أسوأ أزمة اقتصادية اقتصاد العالم. غير أنه حتى في الأزمة الأخيرة كان التراجع لعدة أشهر. وتعافت الدول الكبرى والمتقدمة بسرعة أكبر.

ولم تسقط الصين التي تعثرت فقط وسجلت معدلات نمو بلغت 17% في الربع الثاني من العام. وبحلول منتصف العام بدأت الدول المتقدمة تتعافى وتعود للنمو. دول قليلة استمرت في التعثر أمثال لاتفيا وايرلندا يحتمل أن تكون في مرحلة الكساد إلى الآن. كان هناك إضرار جانبية كبيرة.

مثلا بلغ معدل البطالة في دول التعاون الاقتصادي والتنمية 9%. وتضاعف معدل البطالة في أميركا ليصل إلى 10%. وفي بعض الدول ضاعت هباء كل جهود مكافحة الفقر وأصاب ارتفاع أسعار الغذاء الفقراء بضربة قاسمة. لكن مرونة الدول ذات عدد السكان الكبير مثل الهند والصين واندونيسيا لم يعاني العالم الصاعد بشدة من التراجع في النمو أكثر مما حدث في كساد عام 1991.

استقرار هش

قد يكون هناك استقرار نسبي في العام الأخير يوصل إلى انتعاش متوقع ، لكن علامات هذا الانتعاش هشة الى الآن. رغم أن هذا التطور محمود إلا أن هشاشته هي ما يثير القلق لأن الطلب العالمي لا يزال معتمدا على الدعم الحكومي. لاتزال أسعار العقارات في تراجع في اماكن أكثر من التي ترتفع فيها. ولا يزال هناك مشكلات تعاني منها البنوك. والعلامات الظاهرية للانتعاش مثل دفع البنوك الأميركية الكبرى الدين الناتج عن الدعم الحكومي يجعل البعض ينسى بسرعة أن الانتعاش لا يزال يعتمد على الدعم الحكومي.

وهناك اختلاف في مظاهر الانتعاش بين العالم الصاعد والدول المتقدمة . فهناك انتعاش أسرع في الدول الصاعدة مقارنة مع الدول المتقدمة كما هو الحال بين الصين وأميركا.

وسوف يظل هذا التناقض قائما. سوف يظل الطلب في الدول المتقدمة ضعيفا خاصة في الدول التي تعاني عائلاتها من تراكم الديون وتملك بنوكا منهارة. ودين العائلات الأميركية مقارنة بدخولها، يقف عند مستوى أقل قليلا من أعلى مستوياته على مدى التاريخ وأعلى بنسبة 30% لدى البعض مقارنة بعقد مضى.

ولا ترى المشكلة بهذا السوء مثلا في دول مثل بريطانيا واسبانيا. وسوف تجد دول العالم المتقدم من الصعب الاقتراض لتعويض هذا النقص. وسوف تزداد الفجوة بين الدول المتقدمة والصاعدة في هذا الصدد.

المستثمرون قلقون بشأن إخفاق اليونان في سداد الديون لكن أعضاء آخرين في الاتحاد الأوروبي على حافة الخطر أيضا. حتى بريطانيا وأميركا يمكن أن تواجها ارتفاعا كبيرا في تكلفة الاقتراض.

والدول الصاعدة الكبرى تواجه مشكلة على العكس من ذلك وهي فقاعات الأصول وتشوهات أخرى حيث اختارت الحكومات أو اضطرت إلى أن تحافظ على ظروف مالية غير محكمة لفترة طويلة جدا.

الصين بلد يثير القلق بفعل حجمها والدعم المستخدم هناك. السيولة غزيرة لدرجة تدق ناقوس الخطر وعدم سماح الحكومة للعملة المحلية بالارتفاع يعوق تحول الاقتصاد إلى الاستهلاك. لكن السياسات النقدية غير المحكمة في الدول المتقدمة تجعل من الصعب على الدول الصاعدة تشديد سياساتها المالية حتى لو أرادت ذلك لأن هذا سوف يستهلك مزيدا من رأس المال الأجنبي.

الحلول والمخاطر

وسوف تعتمد حركة الاقتصاد العالمي بسلاسة من الاستقرار «الكساد» إلى الانتعاش المطرد، على كيفية معالجة تلك المشكلات. هناك حلول واضحة. مثلا ارتفاع قيمة العملة المحلية الصينية سوف تسرع بتحقيق التوازن في الاقتصاد الصيني وتقلل الضغط على الأسواق الصاعدة الأخرى. وسوف تقلل برامج التخفيضات المالية على المدى الطويل مخاطر ارتفاع معدلات الفائدة لفترات طويلة في دول العالم الغنية. غير أن هناك مقايضات ذكية.

يمكن ان يقضي تشديد السياسات المالية حاليا على الانتعاش في الدول المتقدمة. وسوف يعقد الموقف المالي المثالي في أميركا تجاه الاقتصاد المحلي من المشكلات التي تواجه العالم الصاعد. ولذلك يواجه خبراء السياسات معضلة تقنية في اختيار الاستراتيجيات السليمة للخروج من الكساد.

والأسوأ من ذلك أنهم ينبغي أن يختاروا تلك الاستراتيجيات على خلفية سياسية وليس اقتصادية. وكما يتضح في بريطانيا مثلا، من مسألة فرض ضرائب على مكافآت مسؤولي البنوك، فان السياسات المالية في دول العالم الغنية تعاني خطر الغضب الشعبي. وفي أميركا استقلالية البنك المركزي (الاحتياطي الفيدرالي) على المحك بسبب تدخلات الكونغرس. وسياسات البطالة المرتفعة تعني أن حرية التجارة في مهب الريح خاصة التجارة مع الصين.

مما تقدم يتوقع المتشائمون أن تقع كل أنواعه الصدمات الاقتصادية في عام 2010 ويشمل ذلك أزمات ديون الدول( مثل اليونان) الحمائية الغوغائية (رسوم أميركية ضد الواردات من الصين مقابل تحكم الحكومة الصينية في العملة المحلية).

والمتفائلون يتوقعون مشكلات أقل لكنها تتراوح بين ارتفاع مفاجئ في عائدات السندات إلى قرارات مالية قصيرة النظر إلى إضرابات بشأن تخفيضات الأجور.

دبي ـ اشرف رفيق