لم يعرف الإنسان همّاً قطّ كهمّ الموت ولم يعرف أملاً قطّ كطول العمر ولم ينشغل منذ أول وعيه إلى حين وفاته بشيء مثل البقاء ولم تخطر بباله فكرة مثل فكرة الخلود ولم ينبهر بشيء مثل انبهاره بأسطورة إكسير الحياة!
إنه الإنسان، بكل آماله وأمانيه وأحلامه وأوهامه وخيالاته يسعى لإيجاد ما يجعله دائم الشباب والنشاط، خالياً من الأمراض والعاهات، سالماً من كل آفة، قوياً، صلباً، لا يهدده ضعف ولا سقم ولا زوال!
إنه الإنسان، لا يتورع عن فعل أي شيء، ولا يقف عند أي حدّ، ولا يرتضي بأي ثمن، حتى يجد ما يشبع رغباته ونزواته ويحقق أمانيه وأحلامه ويزيل همومه وآلامه ويلاقي ضالته القديمة المتجددة دوماً: البقاء خالداً إلى ما لا نهاية!.
ظنّ الإنسان، في البدء، أن هناك سرّاً ما أو أن هناك وسيلة ما أو أن هناك شراباً أو طعاماً او نباتاً أو خلطة سحريةً تفعل فعلها فيطول العمر ويعود الشباب ويتجدد النشاط ويبتعد الموت!. وصار يبحث عن أي شيء في غذائه أو في تجاربه الشخصية أو في ذاكرة آبائه وأجداده أو في تراثه وثقافته عما يلبي طموحه هذا ويحقق رغبته الملحة ويتخلص من همّ الضعف والشيخوخة والفناء!
وجاء الأنبياء والرسل أرسوا مفاهيم الحياة الدنيا والحياة الأخرى والعبور من الضفة الأولى إلى الضفة الأخرى عبر الموت ورسموا للإنسان سبيلاً مستقيماً لا يمر إلى الخلود والسعادة إلا من خلال الموت والرحيل عن هذه الدنيا ووضعوا له الخطوات اللازمة لتحقيق ذلك من دون تعب وشقاء ومن دون تضييع أو تأخير!. لكن الإنسان ظلت تراوده الفكرة القديمة وراح يصنع لها حللاً جديدة من قبيل البحث عن أساليب الحياة المثلى وطرق إطالة العمر وتحسين نوعية النسل البشري والتخلص من آثار الشيخوخة وغيرها من الأهداف التي سخّر لها كل طاقاته المادية والفكرية والعلمية.
لم يصل الإنسان إلى ما يشتهيه ولم يحقق ما يصبو إليه وصار ينتقل من تجربة إلى تجربة ومن محاولة إلى محاولة إلى أن ظهرت خلال متابعته وملاحقته للمستجدات والتطورات العلمية بعض الملاحظات التي أوحت إليه و أبرزت لديه بعض الدلائل على وجود نوعيات نموذجية من الأنظمة الغذائية والرياضية والنفسية والبيئية يمكن أن تساعد على إطالة العمر أو تأخير الوفاة، عبر تفادي بعض الأمراض القاتلة أو الوقاية منها ومن آثارها، كتصلب الشرايين والسرطان وأمراض القلب والدماغ والكبد وغيرها.
وهكذا أخذ يشحذ الهمم ويضاعف الجهود والآمال لوضع مخطط أولي لما يمكن أن يمثل الطريق الأسرع لإيجاد «إكسير» الحياة، عبر جمع الغذاء الأمثل بالنشاط البدني الأمثل والراحة النفسية المثلى والهوية الجينية المثلى والبيئة الطبيعية المثلى. وساعده على ذلك اكتشافه، شيئاً فشيئاً ويوماً بعد يوم، لبعض الارتباطات والعلائق والنظم كالخريطة الجينية للإنسان وبيولوجيا الأمراض الجزيئية ومنظومات جهاز المناعة وعلاقة بعض الأمراض والعاهات والعلل والاضطرابات ببعض أنواع الخلل الجيني.
كما راح الإنسان يكتشف خواص بعض النباتات والحبوب والفاكهة والخضار في محاربة ومقاومة الأمراض أو الوقاية منها وصار يعتمد على تناولها بشكل دائم أو دوري ليستفيد من خصائصها ومعادنها وفيتاميناتها، كالتوت البري وملفوف البروكولي والشوفان وفاكهة الكيوي وسمك السلمون وغيرها.
وحصل ما لم يكن في الحسبان إذ توقفت الأنفاس، فجأة، عند مفاجأة كبرى ( سّميت ب»موت الخلايا المبرمج») أفرزتها الأبحاث المتعلقة بحياة الخلايا وعمرها وعملها وبّينت أن هناك «برامج» موضوعة في الخلايا تعطيها الأمر أو الإذن أو الإشارة بإنهاء حياتها حسب ما تقتضيه الظروف والمصالح والأقدار!
وظهرت في الأفق مفاهيم جديدة مدعومة بالبراهين العلمية والتجارب والدراسات تقدّم الحياة البشرية، كمثيلتيها في الخلق أي الحياة الحيوانية والحياة النباتية، على أنها «مؤقتة» و»مبرمجة» و»مقدّرة» مما يعني أنها مرتبطة بـ «أجلٍ» ما أو أنها «مقدّر» لها أن تنتهي في زمن «مبرمج» أو «محدد» أو «معين»، منذ البداية وحتى النهاية!
