أظهرت دراسة أن الشخص الأكثر ثقة في المجتمع والذي يطلع ويحافظ على أسرار المراجعين هو الصيدلي مقارنة مع المهن الأخرى وذلك لسهولة الوصول إليه واستشارته إضافة إلى المعلومات المفيدة التي يستطيع تزويدها لمن يتعاملون معه، لكنها أوضحت أن هناك صيادلة يمارسون دور الطبيب المعالج لدى تشخيص ووصف الدواء للمرضى، الأمر الذي تسبب في شعور الأطباء بالاستياء الشديد ومطالبتهم بحصر دور الصيدلي في صرف الوصفات الطبية.
(نور الصحة) استطلع آراء عدد من الصيادلة الذين أوضحوا طبيعة عملهم دون تجاوزهم لأخلاقيات المهنة، وفي الوقت ذاته أكدوا أن وزارة الصحة تجيز لهم وحسب القوانين صرف الأدوية المسماة (الكاونتر) لعلاج الحالات المرضية البسيطة والتي لا تتطلب وصفة طبية، الأمر الذي لا يعتبر تجاوزا على مهنة الطب التي يرون ان دور كل من الصيدلي والطبيب مكملا للآخر.
(جريمة لا تغتفر)
يقول الدكتور فيصل عوده استشاري أول أمراض باطنية : كثرت الأسماء والمسميات خاصة ادعاء الكثير بأنهم أطباء دون حصولهم على شهادات تخرج من جامعات معترف بها أو رخصة مزاولة المهنة عدا عن إطلاق اتحاد الصيادلة العرب لقب (دكتور) الأمر الذي أعطى انطباعاً خاطئاً للعامة البسطاء بأن هذه الفئة قد تخولهم ممارسة دور الطبيب، في حين يعتبر الأمر خطيئة بحق المرضى، حيث انه في العالم المتمدن يعطى لقب (دكتور) لمن حصل على شهادة الدكتوراه في الطب.
وأشار إلى أن صلاحيات الصيدلي تنحصر فقط في صرف الوصفة الطبية المحررة من قبل طبيب مرخص ومعترف به وبألقابه، وتحضير ومزج بعض المكونات الدوائية التي يصفها الطبيب، كذلك الاهتمام بشرح كيفية تناول المريض للدواء دون السماح للصيدلي بشرح سبب وصف الطبيب لهذه الأدوية.
ويضيف : هناك عدد لا بأس به من العقاقير الطبية التي يمكن للصيدلي صرفها بدون وصفة طبية دون الاعتراض على ذلك، نتيجة عدم تعارض هذا الأمر مع القانون، ولكن أن يفحص الصيدلي المريض في الصيدلية وإجراء بعض الفحوصات المخبرية وإعطاء بعض الحقن الطبية وعلاج المرضى ومنهم الأطفال، فهذه جريمة لا تغتفر.
ويتابع: هناك بعض الحالات التي عولجت بالصيدلية مثل السعال وارتفاع درجة الحرارة البسيط حيث يصف الصيدلي أو مساعد الصيدلي وهو الحاصل على شهادة فني صيدلي دون ان تكون له أي علاقة بالأمراض التشريحية وكيفية علاجها لأنهم يعرفون أسماء الأدوية واستعمالاتها فقط نتيجة عدم تواجد الصيادلة في غالب الأحيان في أماكن عمله.
حيث تبين فيما بعد أن إحدى هذه الحالات كانت تعاني من ذات الرئة الأمر الذي تسبب له بمضاعفات شديدة ادخل على إثرها إلى العناية المركزة في المستشفى لثلاثة أسابيع بسبب تناوله لأدوية تعالج السعال حسب تشخيص الصيدلي لحالته.
ويرى الدكتور عودة ان الصيدلي يستطيع وصف أدوية لحالات مرضية موسمية كالرشح وليس تشخيص الأمراض والبت في علاجها حتى لو أصر المريض عليه.
وذكر أن الصيادلة قد يقعون في أخطاء فادحة نتيجة ممارستهم لمهنة الطب باعتقادهم أنهم يساعدون الناس في العلاج والتوفير عليهم من دفع قيمة الكشفية لدى الطبيب، حيث إن حالات مرضية معينة كالذين يشتكون من الصداع قد يصف الصيدلي لهم أدوية متعددة مع العلم أن الصداع قد تكون له أسباب مرضية تعود إلى ورم في الدماغ أو خلل في الغدة النخامية أو ارتفاع ضغط الدم أو الارتفاع في ضغط العين أو التهاب في شريان الجبهة أو الجيوب الأنفية، الأمر الذي يتسبب بمضاعفات خطيرة لأي من هذه الأمراض في حالة عدم علاجها بشكل مناسب.
«مضاعفات خطيرة»
ومن جانبه يوضح الدكتور إياد جبور اختصاصي أمراض وجراحة العيون ان بعض الصيادلة يصفون دواء لمرضى يعانون من مشاكل في العيون حسب العرض والذي يكون في الغالب احمرار يظهر في العين أو إفرازات مخاطية بدون أي تشخيص طبي، حيث يقوم الصيدلي بهذه الحالة في علاج هذه الأعراض وليس الحالة المرضية بحد ذاتها وبالتالي إخفاء العرض بدون العلاج، مشيرا إلى أن معظم الحالات المرضية التي تصيب العين يترافق معها نفس الأعراض وهي الاحمرار أو الإفرازات أو الصديد في العين، إلا أن أي من الحالات المرضية تختلف عن بعضها البعض مع تشابه الأعراض وبالتالي اختلاف العلاج والأدوية الواجب استخدامها لكل حالة على حدة.
ويضيف : العديد من الحالات المرضية تتوجه طلبا للعلاج من الصيدلي الذي يقوم بدوره بوصف قطرة للعين اعتقادا منه تقديم المساعدة في معالجة الأعراض، لتزداد الحالة المرضية فيما بعد سوء ويصاب المريض بمضاعفات خطيرة ويصبح العلاج أكثر تعقيداً وصعوبة، وبالتالي احتمال ترك آثار سلبية على العين وقدرتها البصرية.
ويتابع أن إحدى هذه الحالات تعود لمريض أصيب بقرحة في أنسجة العين نتيجة تلقيه العلاج من احد الصيادلة لإزالة احمرار العين بشكل مؤقت بواسطة قطرة، حيث تطلب الأمر منا فيما بعد العلاج المكثف والسريع تجنبا لإصابته بأي مضاعفات مثل ترك مناطق ضبابية في قرنية العين تؤدي إلى تراجع البصر أو ثقب في القرنية يؤدي إلى العمى، مشيراً إلى أن نحو 20 % من المرضى الذين يلجأون إليه كانوا سابقا تلقوا علاجا فاشلاً من قبل الصيادلة.
وينصح المرضى وفي أسوأ الأحوال في حالة الاضطرار إلى استخدام وصفة علاجية بدون استشارة طبيب مختص التوقف عن تناول العلاج عند انقضاء 24 ساعة بدون الشعور بأي تحسن يطرأ والتوجه مباشرة للطبيب.
ويقول الدكتور جبور إن الصيادلة هم خبراء في علم الأدوية وليس تشخيص الأمراض خاصة في مجال طب العيون الذي يتطلب أمر وصف علاج لأي مريض خبرة متخصصة وأجهزة معينة وليس بيع المريض قطرة للعين فقط كما هو جاري عند البعض.
ويؤكد أن الخطأ يقع على عاتق المريض والصيدلي في آن واحد نتيجة قلة الوعي وعدم معرفة أي آثار أو مضاعفات جانبية قد تصيب العين بسبب العلاج الخاطئ، كما انه يتوجب على الصيدلي ممارسة دوره فقط وليس دور الطبيب، في حين أن المريض الذي يلجا إلى الصيدلي بهدف العلاج وتوفيرا من دفعه لقيمة الكشفية الطبية يشتري أدوية بسعر مرتفع ومن ثم يتوجه للطبيب بعد تفاقم حالته المرضية ليدفع الكشفية إلى جانب سعر أدوية جديدة تناسب حالته المرضية عكس التي وصفها الصيدلي له بدون أي تشخيص.
«بيت الطب والصيدلة»
وتعتقد فاطمة المراغي المدير التنفيذي في إحدى المستشفيات الخاصة في الشارقة أن العلاقة بين الطب والصيدلة كالعلاقة بين الدجاجة والبيضة فلا يمكن تحديد أيهما الأصل وأيهما الفرع، حيث إن الطب تشخيص ودواء ولا يكتمل احدهما إلا بالآخر، ومن هناك كان الخلط أحياناً بين مهام كل منهما لتنشأ بعض المشاكل المترتبة على تداخل الاختصاصات أو فصلها.
وتضيف: أحياناً يلجأ المريض إلى الصيدلي مباشرة لوصف بعض ما يعانيه من أعراض مرضية طالباً منه العلاج المناسب حيث يقوم الصيدلي بصرف الدواء طالما انه لا يحتاج إلى وصفة طبية وبذلك يقوم بمهام الطبيب.
وقد يكون ذلك الأمر مقبولاً في بعض حالات الصداع العارض أو آلام المعدة العادية لأن لدى الصيدلي خلفية علمية طبية تؤهله لمعرفة التركيبة العلمية للعقاقير وتأثيراتها المختلفة في الجسم، إلا أنه يجب أن يوجه المريض لضرورة مراجعة الطبيب في حال التكرار أو زيادة الألم، كما يجب عليه تعريف المريض بالآثار الجانبية للدواء والحالات التي يمنع فيها تناوله.
وتشير إلى أنه من الطبيعي أن يستعين الصيدلي بخبرته إلى جانب عمله وهذا لا يعيب بل يعتبر ميزة، حيث إن الخبرة في أي مجال تعتبر إضافة يومية للمخزون العلمي والمعرفي لكل فرد في مجاله وعدم الاستفادة منها جهل وتقصير، مع ملاحظة عدم الركون إلى الخبرة وإهمال الناحية العلمية والمعرفية التي أساسها الإطلاع العلمي ومعرفة ما هو جديد في عالم تتسابق فيه الاكتشافات والأبحاث بشكل مستمر.
كما أن الصيدلي كالطبيب إذا توقف عن متابعة الأبحاث في مجال عمله نضب عطاؤه، ويبدو ذلك جلياً عند صرف وصفة طبية لدواء يكون اسمه العلمي غير متوفر في الصيدلية فيتصل الصيدلي بالطبيب لمعرفة إمكانية تغييره بدواء آخر لعلاج الحالة نفسها، وقد تكون الوصفة محررة في بلد آخر، حيث إن بعض الأدوية يختلف اسمها العلمي من مكان لآخر مع وجود بديل بالتركيبة ذاتها وله الخصائص نفسها.
وتؤكد المراغي أنه ليس من مهام الصيدلي شرح تفاصيل الدواء وكيفية استخدامه وسبب وصفه للمريض طالما أنه يصرفه بواسطة وصفة طبية، وفي الوقت ذاته من حق المريض السؤال عن الأسلوب الأمثل لاستخدام الدواء والأعراض الجانبية له والفوائد المترتبة على تناوله، مشيرة إلى ضرورة إلا يكون الطبيب ولدى تحرير الوصفة خاضعاً تحت تأثير أي جهة دوائية لأسباب شخصية أو أخرى كأن يحبذ وصف دواء معين بغير موضوعية.
رقابة دائمة
قال الدكتور أمين بن حسين الأميري المدير التنفيذي للممارسات الطبية والتراخيص ان وزارة الصحة تقوم بجولات تفتيشية مباغتة على الصيدليات والمستودعات الطبية للتأكد من التزامها بالمعايير المواصفات، ومنها طريقة حفظ الأدوية.
وقال إن الحملات الأخيرة التي نفذتها فرق التفتيش كشفت عن وجود العديد من المخالفات والتجاوزات التي لا تتفق مع القوانين والنظم الصيدلانية المعمول بها في الدولة، منها وجود أدوية منتهية الصلاحية وأخرى تالفة وبيع بعض الأدوية بدون وصفة طبية أو أدوية مغشوشة بالإضافة إلى كشف بعض الصيادلة أو المساعدين الذين يعملون بدون ترخيص.
ملف أعدته ـ أميرة حبيب
