فرضت الإمارات على ساحة التمويل الإسلامي واقعاً جديداً، بشغله فراغاً لم يتمكن أحد من ملأه رغم ضربة بجذوره في عمق التاريخ، ألا وهي «فجوة الابتكار والتجديد «بالتحفيز على ابتكار منتجات مالية إسلامية تتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية، بحيث توفر أدوات مالية قادرة على امتصاص الحجم الهائل من السيولة المالية المتوفرة لدى المؤسسات المالية الإسلامية.

وردم الهوة الموجودة بين النظام المصرفي بالمعنى الغربي ونظام التمويل الإسلامي، وهو في أدائه لهذا الدور، يبرهن على أن ما يشغل بال القائمين على المركز هو عدم نسخ ما يفعله الآخرون، بل النهوض بأنشطة تمثل إضافة جديدة للتمويل الإسلامي. وهو بهذا يكمل مسيرة دبي التي استهلتها في منتصف السبعينات من القرن الماضي، بإطلاق بنك دبي الإسلامي في عام 1975 وهو يعتبر أول بنك إسلامي على مستوى العالم، وشكل تأسيسه حدثا فريدا في نظام مالي عالمي اعتاد حينذاك على النظر إلى المفاهيم المستمدة من تجارة القوافل والأدبيات الإسلامية على أنها قد عفا عليها الزمن.

وجاء تألق دور الإمارات في ظل واقع جديد فرضته البنوك الإسلامية على السوق المصرفية العالمية، حيث اقتحمت مصطلحات «المشاركة» و«الصكوك» و«التكافل» قواميس البنوك الغربية، واستطاعت البنوك الإسلامية أن تطرح مفهوماً جديداً في التعاملات المصرفية، وليس أدل على ذلك من سعي العديد من البنوك العالمية لإنشاء أقسام إسلامية لتلبية الطلب المتزايد لعملائها المسلمين على الخدمات البنكية التي تتوافق وتعاليم الشريعة الإسلامية.

ويعزو محللون هذا النمو السريع للقطاع المصرفي الإسلامي وتزايد الإقبال العالمي عليه إلى عوامل مرتبطة بأسلوب عمل البنوك الإسلامية ذاتها، ومن هذه العوامل اتجاه معظم المصارف الإسلامية إلى تأسيس محافظ استثمارية محلية وصناديق استثمار في الأسهم العالمية مما أدى إلى توسع قاعدة السوق أمام هذه المصارف وازدياد الخدمات المالية والاستثمارية التي تقدمها.

وتفيد التقديرات التي ساقها عبد الله محمد العور، الرئيس التنفيذي لسلطة مركز دبي المالي العالمي خلال ندوة تم عقدها في أكتوبر من العام الجاري بعنوان(التمويل الإسلامي: حلول للعالم بعد الأزمة المالية) أن قطاع التمويل الإسلامي قد سجل خلال السنوات القليلة الماضية نمواً كبيراً على المستوى العالمي بنسبة تقارب 20%، ليصل حجمه إلى نحو تريليون دولار أميركي.

وعلى الرغم من التباطؤ الناجم عن الأزمة العالمية، يتوقع الكثيرون أن ينمو قطاع الخدمات الإسلامية بنسبة 15% في عام 2009. ومع ذلك، فإن حجم هذا القطاع لا يزال يشكل أقل من 1% من رأس المال العالمي، مما يعني أنه يتمتع بآفاق واسعة للنمو. ويزخر بفرص هائلة والتي من شأنها أن تتيح له التحول من قطاع متخصص إلى واحد من القطاعات الرئيسية.

وجاء تفاقم الأزمة المالية العالمية التي اجتاحت كبرى المؤسسات المالية حول العالم ليضيف سببا إضافيا لنمو التمويل الإسلامي، مما دفع بعض الخبراء إلى توقع زيادة الإقبال على التمويل الإسلامي القائم على مبدأ التمويل المدعم بالأصول وليس الديون.

التجديد والابتكار

وظهر دور المركز جليا في مجال الابتكار والتجديد في أربعة أمور أساسية: أولهما، إدراج صكوك إسلامية قابلة للتحويل إلى أسهم في بورصة ناسداك دبي، وتكمن الأهمية في كونها منتجا ماليا جديدا متوافق مع أحكام الشريعة، فرغم أن الصكوك الإسلامية تعتبر أداة مالية مألوفة في مجال التمويل الإسلامي، إلا أن الجديد في الأمر هو قابلية تلك الصكوك للتحول إلى أسهم.

ومثل إدراج بورصة ناسداك دبي صكوك إسلامية قابلة للتحويل إلى أسهم لصالح شركة موانئ دبي العالمية علامة فارقة على طريق تحولها إلى أكبر سوق لإصدارات الصكوك الإسلامية في العالم، إذ جمعت شركة موانئ دبي العالمية مبلغا قيمته 5, 3 مليارات دولار من طرح صكوك إسلامية قابلة للتحويل إلى أسهم.

وتعد هذه الصكوك واحدة من أضخم عشرة إصدارات للسندات القابلة للتحويل في التاريخ، ولقد فتح نجاح إدراج الصكوك المجال أمام بورصة ناسداك دبي كي تلعب دوراً أساسياً ومحورياً في إدراج إصدارات الصكوك الإسلامية في المرحلة المقبلة، إذ أكدت عملية الإدراج الجديدة كفاءة البورصة وقدرتها الكبيرة على العمل مع المصارف الاستشارية والمصدرين العالميين لإدراج إصدار بهذا الحجم في هذه المرحلة من تطورها.

وما عزز مكانة البورصة كمنصة مثلي لإدراج الصكوك الإسلامية كون أن سوق الصكوك الإسلامية شهد نموا سريعا وملحوظا وغير مسبوق ، خصوصا بعد مساهمة الدول والجهات الحكومية ولاسيما البنوك المركزية لعدد من الدول الإسلامية في طرح مثل هذه الصكوك، مما فتح الأبواب الواسعة لانتشارها وأدى إلى توجيه اهتمام العالم الغربي بها ومبادرته بالمشاركة بدور فاعل والمساهمة فيها.

وفي الوقت الذي باتت فيه المنطقة مقبلة على نمو كبير في حجم المشاريع المختلفة في السنوات القليلة المقبلة فإن طرح إصدارات ضخمة كهذه سيدفع المؤسسات والهيئات الحكومية وشبه الحكومية الأخرى نحو الاستفادة من حلول التمويل الإسلامي.كما ستمهد الطريق أيضاً أمام عمليات مالية مماثلة في المستقبل، فضلاً عن تقوية وترسيخ أسواق رأس المال الإسلامية في المنطقة.

وقد قادت هذه العوامل مجتمعة إلى بروز بورصة ناسداك دبي كسوق عالمي للصكوك الإسلامية، بحيث شغلت المكانة الأولي كأكبر سوق للصكوك في العالم بقيمة تزيد علي 16 مليار دولار، وبقيام مؤسسة التمويل الدولية في أكتوبر من العام الجاري بإدراج صكوك بقيمة 100 مليون دولار، سجلت بورصة ناسداك دبي عدة سوابق تاريخية، حيث حازت علي لقب البورصة الأولي في العالم التي تستقطب إصدارا من مؤسسة دولية متعددة الأطراف.

تطوير البنية التنظيمية

ويتمثل العمل الابتكاري الثاني في اعتزام سلطة دبي للخدمات المالية العمل علي تطوير الإطار التنظيمي للتمويل الإسلامي، بحيث يستجيب للتطورات في المقاييس والمعايير الدولية، فضلا عن المستجدات التي تطرأ علي صناعة التمويل الإسلامي.

أما العمل الابتكاري الثالث، فيتمثل في إضلاع سلطة دبي للخدمات المالية بدور قيادي في النقاش الدائر حاليا في أوساط صناعة التمويل الإسلامي بهدف التحفيز علي التفكير مليا بشأن الهياكل المميزة للتمويل الإسلامي في مرحلة ما بعد انتهاء الأزمة المالية العالمية، باعتبار أنه من شأن تبلور اتجاها لوضع مقاييس دولية للتمويل، من شأنه أن يفرض ضغوطا علي التمويل الإسلامي، وهو من شأنه أن غذي التوقعات بإمكانية بروز هياكل جديدة للتمويل الإسلامي.

وذلك في ضوء بروز حاجة لوضع نهج تنظيمي متكامل لإدارة المخاطر يرتكز علي تطبيق أفضل الممارسات الدولية لإدارة أوجه المخاطر المشتركة في التمويل الإسلامي، فضلا عن الحاجة للتعلم من الدروس المستقاة من إخفاق التمويل التقليدي، فيما يتعلق بغياب الشفافية، وافتقار أدوات التخفيف من المخاطر، والانكشاف علي القطاع العقاري.

وبمعزل عما إذا كانت الأزمة المالية العالمية تعد وقتا مثيرا من عدمه، تسهم التحديات الناجمة عن الأزمة في تزايد أهمية الدور الذي تلعبه سلطة دبي للخدمات المالية في المحافظة علي أفضل المعايير التنظيمية، فضلا عن تصميم وتنفيذ إجراءات التعامل مع نقاط الضعف التنظيمية التي فرضتها الأزمة المالية، وتقدم خطة العمل الخطوط الإرشادية التي تعين السلطة علي تجاوز هذا التوقيت الصعب.

إطلاق المؤشرات

ويتمثل العمل الابتكاري الرابع في قيام البورصة بإطلاق مؤشرات لتتبع أسهم الشركات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، وهو ما يفيد في تعزيز أنشطة صناديق الاستثمار الإسلامية وتجسد مجال الابتكار الثاني لبورصة ناسداك في الإعلان عند بدء عملها عن تداول 4 مؤشرات مالية جديدة متوافقة مع الشريعة الإسلامية من «دويتشه بنك» .

وذلك بعدما تم إدراج هذه المؤشرات ضمن القائمة الرسمية للأوراق المالية المتداولة في البورصة، وتشمل مؤشرات العائد النقدي على رأس المال المستثمر الأربع الجديدة، الشهادات الإسلامية العالمية للعائد النقدي على رأس المال المستثمر ـ المؤشر العالمي، والشهادات الإسلامية بالدولار للعائد النقدي على رأس المال المستثمر ـ المؤشر الأوروبي الإسلامي.

والشهادات الإسلامية بالدولار للعائد النقدي على رأس المال المستثمر ـ المؤشر الأميركي الإسلامي، والشهادات الإسلامية بالدولار للعائد النقدي على رأس المال المستثمر ـ المؤشر الياباني الإسلامي.

وهكذا، يعتبر إطلاق مثل هذه المؤشرات بمثابة إضافة للجهود السابقة، ففي عام 1999، تم إطلاق مؤشر داو جونز للأسواق الإسلامية، وشكل حدثا مهما في نشوء صناعة صناديق الأسهم الإسلامية.

وقبل إطلاق مثل هذه المؤشرات، كان جميع مديري المحافظ الاستثمارية مضطرين لتبني معاييرهم الخاصة في الحكم علي الشركات المدرجة والمسموح التعامل معها بالنسبة للمستثمرين الذين يريدون الاستثمار في أسهم متوافقة مع الشريعة وكان هناك خلاف بين المجالس الشرعية المختلفة حول المعايير المستخدمة من قبل الشركات إلا أن عدم وجود مؤشر عالمي موثوق لحقوق الملكية الخاصة قد شكل عقبة أمام تطوير منتجات جديدة.

وتعد هذه المؤشرات بمثابة تغيير ضخم في قواعد اللعبة فيما يخص الاستثمارات المتوافقة مع الشريعة، إذ تعمل المؤشرات علي تتبع الأسهم المتوافقة مع الشريعة وتعطي بعدا عالميا لإدارة صناديق حقوق المساهمين الإسلامية.

وتصب هذه المؤشرات لصالح صناديق الاستثمار الإسلامية، حيث يقدر بعض المحللين أن نمو صناعة إدارة الصناديق المالية الإسلامية قد اعترضه عدم وجود المنتج المناسب وأنه وخلافا للاعتقاد الشائع فإن صناعة إدارة صناديق الأسهم الإسلامية لا تزال صغيرة في حجمها ضمن السياق العالمي.

وهكذا، شغل ركز دبي المالي العالمي مكانة متميزة علي ساحة التمويل الإسلامي، بأن عملا كقوة محفزة على الابتكار والتجديد، وكهمزة وصل بين عالمي المصارف الغربية والإسلامية، وبالتالي، احتفظت دبي بتاج التمويل الإسلامي ليس بحكم حقوقها التاريخية فحسب، ولكن بحكم المبادرات التي اتخذتها على صعيد التجديد والابتكار، بحيث صارت تستحق عن حق اعتلائها عرش التمويل الإسلامي من دون منازع.

التمويل الإسلامي يرتفع إلى 4 تريليونات دولار خلال السنوات العشر المقبلة

أشارت نسخة منقحة عن «دليل الخدمات المالية الإسلامية» الصادر عن سلطة مركز دبي المالي العالمي أمس، إلى أن الحجم العالمي لقطاع الخدمات المالية الإسلامية يقدر حالياً بين 800 مليار وتريليون دولار، وهي قيمة مرشحة للارتفاع حتى 4 تريليونات دولار، لاسيما في ظل نمو القطاع بمعدل15 إلى 20% سنوياً.

وتوقع الدليل أن يستأثر قطاع الخدمات المالية الإسلامية خلال السنوات ال8 ـ 10 المقبلة بنصف مدخرات مسلمي العالم وعددهم 6, 1 مليار نسمة.

ووفق للدليل ساهمت عدة عوامل في ازدهار القطاع، منها التطور الاقتصادي الذي يفسح المجال أمام نمو الطلب على مشاريع تتجه نحو أشكال التمويل المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، وارتفاع مستوى الدخل في الدول العربية، ما يعزز الحاجة إلى منتجات المال الإسلامية مثل التأمين والتمويل العقاري وبرامج المعاش التقاعدي، وصناديق الاستثمار.

دبي ـ مجدي عبيد