بدأ بيت الاستثمار العالمي «غلوبل» مسيرة إعادة الجدولة منذ نحو عام مضى، بما انطوى عليه الأمر من تحديات ومصاعب وآلام، تلته في هذا المجال شركة دبي العالمية، ورغم الفروقات الواضحة بين الشركتين، إلا أن الشركتين تتقاسمان سمة رئيسية.

وهي قيامهما بأخذ زمام المبادرة في تغيير النمط الثقافي الذي يغلف بيئة الأعمال في منطقة الخليج بشكل خاص ومنطقة الشرق الوسط عموما والذي ينظر إلى الإعسار وإعادة جدولة الديون على أنها مسألة مشينة ومستهجنة، رغم أنها من الممارسات السائدة في الاقتصادات المتقدمة، وتعتبر جزءا أصيلا من القواعد المصرفية والمالية في العالم.ويصل جمود هذا النمط الثقافي في رأي مها خالد الغنيم رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لبيت الاستثمار العالمي «جلوبل» إلى حد أن الكثيرين من الرؤساء التنفيذيين للشركات التي بحاجة إلى المساعدة يفضلون تكميم أفواههم عن الإفصاح عن حقيقية الوضع المالي لشركاتهم، فالأهون عليهم أن يحبسوا بين ضلوعهم هواجسهم ومخاوفهم، من أن يقوموا بكسر هذا النط الثقافي الذي ينظر إلى الإفصاح عن الإعسار وجدولة الديون على أنها من المحرمات التي يتعين تجنب الخوض فيها.

سجل بيت الاستثمار العالمي قصب السبق كأول شركة من العيار الثقيل في منطقة الخليج تعلن رسميا عدم قدرتها على سداد ديونها، وكان ذلك الإعلان كفيلا ـ على حد قول مها خالد الغنيم ـ بفتح أبواب الهجمات الإعلامية والانتقادات التي انساقت بعضها إلى إصدار أحكام جزافية من دون علم ودراية حقيقيين بوضع الشركة، ولكن لم يثن هذا الهجوم الإعلامي عن مواصلة الشركة مسيرة إعادة جدولة ديونها لتحقيق النمو المستدام الذي تطلع إليه.

وبعد مرور ما يقرب من عام كامل على تخلف بيت الاستثمار العالمي «غلوبل» عن سداد قرض مجمع في ديسمبر 2008، دخلت شركة دبي العالمية المعترك ذاته، حيث بادرت بالإفصاح عن أبرز الخطوط العريضة لإعادة هيكلة عملياتها، وتتعلق العملية ببعض الشركات التابعة لها بما فيها شركتا «نخيل العالمية» و«ليمتلس العالمية».

ووفقا لبيانات الشركة، فإن عملية إعادة الهيكلة لن تشمل شركة عالم الموانئ والمناطق الحرة» وكلا من شركاتها التابعة لها وهي «شركة موانئ دبي العالمية» و«شركة عالم المناطق الاقتصادية» و«شركة عبارات بي أند أو» و«منطقة جبل علي الحرة» .

والتي تتمتع جميعها بوضع مالي مستقر وأفادت البيانات أن القيمة الإجمالية لديون دبي العالمية والشركات التي تخضع لعملية إعادة الهيكلة تبلغ نحو 26 مليار دولار أميركي، ويتعلق مقترح إعادة الهيكلة التي تتكون من خمس مراحل الشركات التابعة لها بما فيها شركتا «نخيل العالمية» و«ليمتلس العالمية».

وما بين حالتي «غلوبل» و«دبي العالمية»، تدعو مها الغنيم الشركات التي بحاجة إلى المساعدة بأن تواجه حقيقية وضعها بسلبياته وإيجابياته، وذلك من خلال تقييم أوضاعها تقييما صحيحا، والاستماع بعناية فائقة إلى النصائح التي تسدي لها، وإعادة النظر في هيكلها الإداري لتغطية الثغرات ومواطن الضعف، وتطبيق ممارسات الحوكمة والشفافية، ووضع نموذج أعمال ينهض على أسوء السيناريوهات، وليس أفضلها.

ولعل هذه المناشدات التي أطلقتها مها الغنيم تبين بجلاء أن الإنجاز الذي حققته الشركة في جدولة ديونها والذي جعلها تضع أقدامها مجدداً على مسار النمو، مثل هذا الانجاز قد جلعها في وضع يؤهلها لتقديم النصح والإرشاد، بل وصل الأمر إلى حد أن شركة «جلوبل» قد قررت إضافة خدمة تقديم الاستشارات في مجال إعادة الهيكلة إلى مجالات أعمالها.

وترصد مها الغنيم وجود الكثير من أوجه الفروقات بين «غلوبل» و«دبي العالمية»، من بينها أن الأولى تركز على الخدمات المصرفية الاستثمارية في جوهر عملها وعملياتها، فيما يتعلق قدر كبير من أعمال الثانية بالتطوير العقاري، ولكن الشركتين تتقسمان سمة جوهرية، وهي تسبب الأزمة المالية العالمية في صعوبة أوضاعهما المالية.

الأزمة المالية العالمية

وتتحدث مها الغنيم عن هذه النقطة قائلة: ما حدث منذ يونيو إلى ديسمبر 2008، لم يكن تلاعبا في ميزانيات الشركات، بل انهيار في الأسواق العالمية، وهو ما أدى إلى تراجع حاد في قيم الأصول، الأمر الذي من شأنه أن وضع الشركات تحت ضغوط شديدة، ونحن نقر بأنه كانت هناك فقاعة أصول.

ولكن لم يكن ذلك ناجما عن تلاعبات ورقية أو تلاعبات حسابية، بل كان ناتجا عن تضخم في أسعار الأصول، وتوافر أحجام ضخمة من السيولة التي اتجهت إلى الأسواق، مما أدى إلى صعود صاروخي في أسعار الأسهم والعقارات.

وتضيف قائلة: في الواقع، يتحمل الجميع مسؤولية الأزمة العالمية، فالبنوك تتحمل المسؤولية لأنها كانت تقوم بالإقراض، ولم تجر تقييمات للمخاطر بشكل جيد، كما يتحمل المضاربون جزءا من المسؤولية، ولكن في النهاية، تمثل الأزمة المالية تجربة يجب أن نستخلص منها الدروس والعبر، وبات من الضروري أن تسأل الشركات أنفسها حول ما إذا كانت لديها البنية التحتية التي تمكنها من تجاوز هذه الأزمة والتعامل مع التحديات المستقبلية.

الصعوبات والتحديات

وعندما بدأت غلوبل - والكلام لها - بمواجهة صعوبات مالية منذ حوالي اثني عشر شهرا، كانت تلك المرة الأولى التي يتعرض فيها العديد في المنطقة والعالم لموقف كهذا.

ومنذ أن عقد اجتماعنا الأول في الثامن عشر من ديسمبر من العام 2008، كان هناك بطبيعة الحال عدد من الشركات الأخرى ليس من الكويت فحسب وإنما من منطقة دول مجلس التعاون الخليجي عموما، والتي لم تجد أمامها خيارا سوى عقد مباحثات مماثلة مع دائنيها. وفي ظل المناخ الاقتصادي الحالي، لم يعد مفهوم إعادة جدولة الديون مقتصراً على منطقة الشرق الأوسط!

وتواصل حديثها بقولها: ولكن الأمر الذي ميّز عملية إعادة جدولة ديون غلوبل عن العديد من عمليات إعادة الجدولة الأخرى التي تجري حالياً في الكويت ودول مجلس التعاون الخليجي عموما، أن جلوبل قطعت على نفسها منذ البداية ثلاثة وعود ألا وهي الاستمرار في إجراء حوارات إيجابية وبناءة مع دائنيها والاستمرارية في خدمة ديونها والعمل على سداد الديون كاملة ولجميع الدائنين.

وتتحدث مها الغنيم عن عملية إعادة الهيكلة بقولها: كرست غلوبل نفسها منذ اليوم الأول الذي أعلنت فيه تخلفها عن سداد قرض مستحق لها في ديسمبر الماضي لإيجاد كل الطرق والسبل لإعادة جدولة ديونها ولم تأل جهدا في ذلك، أيمانا منها بأنها على قدر التحدي وان ما صنعته في السنوات الـ 11 الماضية لم يكن مجرد ضربة حظ أو صدفة، ولله الحمد ها نحن اليوم نخطو خطوات أخرى صحيحة نحو الأمام لنجني ثمار ما حصدناه في الفترة الماضية. وقد اكتسبنا خبرات جديدة نعزز بها مسيرتنا نحو مستقبل أفضل وأقوى وأكثر متانة.

وتستدرك قائلة: خلال هذه الفترة الحرجة، تأثرت جلوبل كسائر الشركات والبنوك الإقليمية والعالمية من تداعيات هذه الأزمة المالية العالمية. حيث انهارت قيمة أصول الشركة جراء الانهيار الحاد في الأسواق المالية والتي وصلت إلى أكثر من 70%. كما انخفض حجم الأصول المدارة بسبب قلق المستثمرين من الأزمة العالمية وانهيار الأسواق وتراجعت إيرادات الاستثمارات المصرفية والوساطة المالية.

وعلى الرغم من كل ذلك - والكلام مازال لها - استمرت جلوبل بخدمة ديونها وفاقت حقوق المساهمين 720 مليون دولار كما في 30 سبتمبر 2009، وحافظت الشركة على موقعها ضمن أكبر شركات إدارة الأصول في المنطقة بحجم أصول مدارة يبلغ 6 ,6 مليارات دولار . كما استمرت غلوبل في استقطاب عملاء جدد والحصول على حصص سوقية أكبر في الوساطة المالية في جميع الأسواق وإدارة عدد من صفقات الاستثمارية المصرفية. كما عملت جلوبل على تعزيز منظومة الحوكمة لديها عن طريق استحداث هيكل تنظيمي جديد وتشكيل لجان مختلفة ومراجعة عملياتها وإجراءاتها.

النمو المستدام

واختتمت حديثها: ورغم هذه الظروف، إلا أن جلوبل لم تغفل عن عملائها. فعلى الرغم من أداء الأسواق السلبي وشح السيولة إلا أن أجمالي توزيعات صناديق جلوبل خلال هذا العام فاقت الـ 50 مليون دولار.

هذا بالإضافة إلى الجوائز العديدة التي حصدتها الشركة وكان آخرها جائزتان في نوفمبر 2009 كأفضل مدير للصناديق الإسلامية في الشرق الأوسط، وأفضل مدير للصناديق العقارية في الشرق الأوسط من مؤسستي نسيبا وأي سي جي في لندن. وتقف هذه الأسباب جميعها مجتمعة لتصب في اتجاه واحد ألا وهو أن هم جلوبل الأول وشغلها الشاغل هو إرضاء عملائها.

ومن جانبه تحدث ديفيد بيبر رئيس لجنة المتابعة المنبثقة عن البنوك الدائنة عن عملية إعادة الجدولة بقوله: فيما يتعلق بعملية إعادة الجدولة في حد ذاتها، فقد أثارت العديد من التحديات على مدى الاثني عشر شهراً الماضية ليس فقط لأنها كانت أول عملية إعادة جدولة للكثير منا.

ولكن لأنها اشتملت أيضا على العديد من الممارسات المصرفية المحلية التي لا نشهدها عادة في حالات مماثلة خارج المنطقة والتي يتعين معالجتها وتخطيها فضلا عن التأكد من أن عملية إعادة الجدولة تأخذ بعين الاعتبار متطلبات كل من الدائنين التقليديين والمتوافقين مع أحكام الشريعة الإسلامية.

وهي ليست بالمهمة السهلة عندما يكون الهدف المنشود هو الحرص على المساواة في التعامل مع جميع الدائنين. ورغم ذلك، فإننا في نهاية المطاف نجحنا في تحقيق ذلك. ونتيجة لإعادة الجدولة، سوف يجري تحويل التسهيلات المصرفية التي تمتلكها جلوبل حالياً إلى تسهيلات تقليدية وإسلامية مضمونة ومتعددة العملات تبلغ قيمتها حوالي 7,1 مليار دولار تستند شروطها إلى حد كبير إلى التسهيلات المالية السابقة لغلوبل.

الأسواق الخليجية تفقد حصانتها أمام قوة الأزمة المالية

أكدت مها خالد الغنيم رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لبيت الاستثمار العالمي «غلوبل» أن الأسواق الخليجية فقدت حصانتها أمام قوة تداعيات الأزمة المالية، وكشفت عن أنه سيجري قريبا تعيين مسؤول عن عمليات الشركة خارج الكويت، مشيرة إلى أن عمليات المكاتب ستكون أكثر تركيزا في مجالات أعمالها.

وقالت مها الغنيم ان بيت الاستثمار العالمي ليس بحاجة في الوقت الحالي إلى تقييم مؤسسات التصنيف العالمية، وشرحت بأن الشركة كانت محل تقييم من قبل العديد من المؤسسات الائتمانية، ولكنها لا تعتزم الاقتراض في المرحلة الحالية. وأضافت أن عام 2008 كان عام الاضطراب للعالم بأسره ولم تكن دول مجلس التعاون الخليجي بمنأى عن ذلك.

فعلى الرغم من أن التوقع السائد كان بعدم تأثر أسواق دول مجلس التعاون بما يحدث في الأسواق العالمية الأخرى، بيد أنه ثبت عدم صواب هذا التوقع. وأستدركت قائلة: بحلول شهر سبتمبر 2008، مرّت معظم أسواق الأسهم في دول مجلس التعاون الخليجي ومنطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا بمرحلة انخفاض حادّ.

وشهدت الأزمة المالية خروج المستثمرين الأجانب من الأسواق الناشئة ولم تكن أسواق دول مجلس التعاون الخليجي مستثناة من ذلك. وجاهدت البنوك ـ التي كانت تحصل بسهولة في وقت سابق على الأموال من الخارج ـ لتخطي الشح في السيولة، حيث تعذّر عليها استقطاب الأموال الأجنبية.

الكويت- مجدي عبيد