مر على بناء أحد المنازل في وسط البلدة القديمة في صنعاء ما يربو على 800 عام، وقد استخدمت فيه الحجارة المقطوعة يدويا وزخرفة المرمر التقليدية. وذات صباح راقب صاحب المنزل بارتياح تام مجموعة من الرجال وهم يقومون بصيانة المنزل باستخدام الوسائل التقليدية ومواد البناء القديمة نفسها. ومزج العمال الطين البني الداكن والرطب ببعضه، فيما كان أحد مراقبي البناء يشرف عليهم وقد تدلى خنجر من حزامه.
ولم تستخدم السقالات في بنائه كما لم يضع العمال خوذا على رؤوسهم. ولم يكن هناك صوت آلات البناء المزعج، فقط صوت مزج الطين وكشطه وأعمال الترميم. ولم يقطع ذلك سوى صوت الأذان الذي يتردد ملء الأسماع والقلوب.
يقول صاحب المنزل وهو موظف حكومي: لا يهمني كم تستغرق عملية البناء، لكن الأهم من ذلك أن يتم بناء البيت بصورة تقليدية.
والبلدة القديمة في العاصمة اليمنية تعتبر واحدة من أهم ماسات العالم المعمارية الأثرية، وتظهر فيها غابة من أبراج القرون الوسطى الشاهقة المزخرفة بزركشة بيضاء تعلوها نوافذ زجاجية ملونة. لكن الأغرب من بقاء هذه الأبراج العجيبة هو استمرار ازدهار فنون البناء التقليدية في هذه المنطقة.
وفي أمكنة أخرى من الشرق الأوسط أزيلت كثير من البيوت القديمة لإتاحة المجال لتشييد المباني الشاهقة المؤلفة من الفولاذ والزجاج. كما هو الحال في بيروت على سبيل المثال.
أما اليمن فيبدو مختلفا، فكوارثه كثيرة من الحروب وأزمة المياه والفقر والسيول وظهور تنظيم القاعدة في أراضيه. ويتمسك هذا البلاد بالتقاليد القديمة مما يجعله في الغالب شبيها بالملجأ أو الملاذ للإبداع العريق. وحتى في خارج البلدة القديمة يمكن رؤية الأربطة والهلال على كثير من البيوت والمنازل الحديثة على طول النوافذ المرمرية الشفافة المعروفة باسم«الجمارية».
وهناك كثير من الآثار التي يحتاج اليمن للحفاظ عليها من متغيرات الزمن. ومع ذلك لم تستطع السلطات اليمنية الحفاظ على كل شيء، فقبل عقود قليلة كانت هناك عشر من اثنتي عشرة بوابة ضخمة في البلدة القديمة لم يتبق منها اليوم سوى واحدة.
وتشتهر هذه البلاد بفنها المعماري الفريد الذي تعود جذوره إلى حكام سبأ الذين بنوا قصر«غمدان» الشاهق الارتفاع قبل 1800 عام. وقد نظمت الأشعار القديمة والمعلقات احتفاء بتشييده.
وسرعان ما وجد المهندسون المعماريون الذين أعادوا استكشاف البلدة القديمة أن هناك شيئا أكثر من الجمال يمكن المباهاة به. فالبيوت التقليدية أكثر متانة وفعالية من المنازل الحديثة المشيدة بالإسمنت المسلح، وهي ملائمة بدرجة أكبر لطقس البلاد.
فالجبس التقليدي والجص لا يعرض حجارة البناء للتآكل بمرور الزمن، كما يفعل الإسمنت، وهو أكثر متانة، كما أن«القداد» وهي مادة حجرية عازلة تستخدم في الأسقف والحمامات أقوى بكثير من المواد العازلة الأخرى المستخدمة هذه الأيام.
عمر حرز الله
