تحولت الإمارات إلى ما يشبه منارة لنشر القيم والمبادئ الجديدة في مجال مباشرة الأعمال، ولم يعد دورها في هذا المجال قاصراً على تقديم ساحة أعمال تتميز بوجود بنية تحتية بالغة التطور على أرقى المقاييس العالمية وقادرة على استقطاب اللاعبين الماليين بمختلف أوزانهم وأحجامهم وتخصصاتهم وفقاً لأرقى المقاييس العالمية.

بل تتطور بهذا الدور لأن تكون بمثابة «قوة تغيير» لأنماط وأشكال ممارسات الأعمال على مستوى الدولة ومنطقة الشرق الأوسط بشكل عام، بحيث تكون منسجمة مع أفضل الممارسات العالمية، وتأسس في الوقت ذاته بيئة أعمال متسقة مع معايير الشفافية والحوكمة تخدم في تعزيز مكانة الدولة كمركز لصناعة الخدمات المالية على مستوى العالم وتحفز على إصلاح بقية الأسواق الإقليمية.وتجلت تعبيرات هذا الدور في دخول مركز دبي المالي العالمي في حالة اشتباك مستمر ومتواصل مع ممارسات الشركات العائلية والاحتكارات الحكومية بغرض تحفيزها على اتباع مقاييس الشفافية والحوكمة، وتشجعيها على تنقية ممارستها من الشوائب التي تؤثر سلبا عليها في قدرتها على البقاء والاستمرار، ووظف المركز معهد الحوكمة كذراع قوية في تغيير ممارسات الأعمال الموروثة والغير متسقة مع المقاييس العالمية ورفع مقاييس حوكمة الشركات في المنطقة.

وتعطي الأقوال المنشورة عن المسؤولين في الجهات الرقابية والتنظيمية مؤشرا على تكاتفهم جنبا إلى جنب، وتخندقهم معا في خندق المواجهة ضد تقاليد السرية والغموض التي تغلق ادارة الشركات لأعمالها، وما يتفرع عن ذلك من إشكاليات تتعلق بالمضاربة واستغلال المعلومات الداخلية للشركات، والتلاعب في إعداد موازنات الشركات، وغير ذلك من الممارسات التي تؤثر بالسلب على تقييم المؤسسات الدولية لبيئة الأعمال في الأسواق المحلية والإقليمية.

تحسين معايير الشفافية

كما يؤمن المسؤولون في الدولة بأن تحسين معايير الشفافية والحوكمة التجارية من شأنه زيادة قيمة الأسهم بمقدار 30% والمساهمة في استقرار أسواق الأسهم، إذ ان أي شركة مدرجة في البورصة تتمتع بمعايير حوكمة تجارية عالية يمكن أن تزداد قيمتها 30% عن البورصات الأخرى التي تتمتع بمعايير ضعيفة. وبالتالي، لم يعد كافياً جذب شركات الأسهم الممتازة إلى أسواق الأسهم في الدولة، بل يجب أن تكون هذه الشركات ملتزمة بالشفافية الحقيقية، وتطبق معايير الحوكمة التجارية الجيدة.

وتحرص الإمارات على أن تكون في حد ذاتها نموذجا في تطبيق أفضل الممارسات، ولهذا تعمد إلى تطبيق أحدث وأرقى معايير الشفافية والرقابة لمكافحة كافة أشكال الفساد في الدوائر الحكومية، الأمر الذي يعكس التوجه الذي تنتهجه الحكومة الاتحادية نحو التميز على الصعيدين الإقليمي والعالمي وسعيها لنشر هذه الثقافة لدى الموظفين الحكوميين في مختلف المستويات.

ضوابط الحوكمة

وتنطلق هذه الرؤية على أرضية اقتناع المسؤولين في الدولة بأن تطبيق ضوابط الحوكمة له أهمية كبرى بالنسبة للشركات خاصة وأنها تساهم في وضع أسس العلاقة بين مديري الشركات ومجالس الإدارة والمساهمين، وتعمل على دعم الإطار التنظيمي الذي يمكن من خلاله تحقيق أهداف الشركة، كما أن مثل هذه القواعد تساعد على انفتاح الشركات على الأسواق المالية العالمية وجذب قاعدة عريضة من المستثمرين الأجانب بما يدعم تمويل المشاريع التوسعية التي تضعها الشركات في خططها المستقبلية.

ومن ثم، يشكل تحسين الأداء والارتقاء بصحة ومستوى الشركات أحد أفضل الطرق لتحقيق النمو الاقتصادي والتنمية الإقليمية، وهو هدف لن يتأتى تحقيقه إلا من خلال ممارسات حوكمة جيدة للشركات.

وفي هذا المجال، اعتبر الدكتور ناصر السعيدي، المدير التنفيذي لمعهد «حوكمة» تطبيق الحوكمة الجديدة من أهم العوامل لتحقيق معدل نمو ثابت في أسواق المنطقة والقطاع المالي الإقليمي، مضيفا بأنه في الوقت الذي تقوم فيه هيئات تنظيمية عديدة بتطوير وتطبيق استراتيجيات حوكمة الشركات، يسعى معهد «حوكمة» إلى مساعدة دول وشركات المنطقة في هذا المجال بما يسهم في إرساء أسس التكامل الاقتصادي والمالي بين المنطقة وبقية دول العالم.

وأضاف: ان معهد الحوكمة يهدف إلى تطوير أسواق مالية قوية في دولة الإمارات كي يتسنى لها أن تلعب دورها الكامل في بناء اقتصاد قوي قادر على اجتذاب الاستثمارات على أساس مستديم وثابت. كما أن هذه هي أول خطوة في اتجاه سد فجوة حوكمة الشركات بين الأسواق الدولية والإقليمية والمضي نحو التكامل الاقتصادي والمالي من خلال إحداث توافق بين معايير حوكمة الشركات.

مبادئ وقيم

ويدافع مسؤولو الجهات الرقابية والتنظيمية عن مجموعة أفكار وقيم تعتبر مستجدة على مناخ الأعمال في الدول الخليجية، وتشكل في الوقت ذاته الأساس لثقافة أعمال متناغمة مع تلك الموجودة في الأسواق المتقدمة، وتتضمن التالي:

أولاً: ان الشركات التي تطبق مقتضيات الحوكمة تتفوق على غيرها في مزايا كثيرة، أبرزها تحسن أداء الشركة، وارتفاع قيمتها في السوق، وانخفاض كلفة رأس المال، بالإضافة إلى الحد من تقلبات أسواق المال في المنطقة، حيث يمكن أن تسهم حوكمة الشركات الجيدة، في شكل الإفصاح عن المعلومات المالية في تخفيض تكلفة رأس مال المنشأة.

كما ان حوكمة الشركات الجيدة تساعد على جذب الاستثمارات سواء الأجنبية أم المحلية، وتساعد في الحد من هروب رؤوس الأموال، ومكافحة الفساد. وما لم يتمكن المستثمرون من الحصول على ما يضمن لهم عائدا على استثماراتهم، فإن التمويل لن يتدفق إلى المنشآت. ومن دون التدفقات المالية لن يمكن تحقيق الإمكانات الكاملة لنمو المنشأة، وبالتالي، إحدى الفوائد الكبرى التي تنشأ من تحسين حوكمة الشركات هي ازدياد إتاحة التمويل وإمكانية الحصول على مصادر أرخص للتمويل وهو ما يزيد من أهمية الحوكمة بشكل خاص بالنسبة للدول النامية.

ثانياً: تسهم مقاييس الحوكمة في إطالة عمر الشركات العائلية التي تشكل نحو 85% من عدد الشركات في الخليج، كما تساعد على انتقال الثروة العائلية للأجيال المقبلة وتوزيعها على أعضاء العائلة بشكل يسهم في بقاء الشركة لا فنائها، ويتحقق ذلك الأمر من خلال الفصل داخل الشركة العائلية بين مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية عن طريق إدخال إدارة لهيئة مستقلة تؤمن المساهمة.

وإعطاء الحقوق للمساهمين من أعضاء العائلة الذين لا يرغبون في الاستمرار في الشركة، وهذا يتطلب وضع قوانين وتشريعات تسمح بهذا النوع من الفصل ذلك أن أغلبية قوانين الشركات في دول الخليج والعالم العربي لا تسمح بالفصل بين رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي.

ثالثاً: توحيد قواعد إعداد التقارير المالية، خصوصاً السنوية المقدمة للمساهمين وفتح سجل للشركات ومطالبتها بتوفير المعلومات بهدف تطوير ممارسات أفضل لإعداد التقارير المالية، ومن ثم، تعتبر الحوكمة الرشيدة الطريقة الوحيدة التي توفر دوماً النتائج التي تهدف وتسعى الهيئات التنظيمية والرقابية إلى تحقيقها مثل حماية المودعين، وحاملي السندات، والمستثمرين، ويعتبر الإفصاح عاملا أساسيا في ضوابط الحوكمة بما في ذلك الإفصاح عن تعاملات أعضاء مجالس إدارة الشركات المساهمة وأقاربهم في الأوراق المالية.

رابعاً: تستخدم حوكمة الشركات الجيدة لمنع الأزمات المالية. ويرجع هذا إلى أن حوكمة الشركات ليست مجرد شيء أخلاقي جيد نقوم بعمله فقط، بل إن حوكمة الشركات مفيدة لمنشآت الأعمال، ومن ثم فإن الشركات لا ينبغي أن تنتظر حتى تفرض عليها الحكومات معايير معينة لحوكمة الشركات إلا بقدر ما يمكن لهذه الشركات أن تنتظر حتى تفرض عليها الحكومات أساليب الإدارة الجيدة التي ينبغي عليها اتباعها في عملها.

انعكاسات وتأثيرات

ويرصد اقتصاديون في المنطقة أوجه انعكاسات الدور الذي تضلع به الإمارات في مجال تغيير موروثات الأعمال، ويعلق المستشار السوري في التخطيط للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الدكتور محمد سعيد الحلبي على هذا الدور بقوله: إ

ن «دبي استفادت من كل دول العالم بنكهة وطنية محلية فيها تغليب الجانب القيمي والجانب الأخلاقي والجانب العروبي الذين نفخر ونعتز به»، مضيفاً ان «عملية التوفيق ليست سهلة، كيف توفق ما بين نمطية الحياة التقليدية التي تعارفنا عليها نحن في وطننا العربي والانطلاقات العملاقة والكبيرة التي من شأنها تحقيق الازدهار الذي حققته دبي.

وأضاف الحلبي بقوله: لن أذيع سراً بأننا نحن في سوريا قد استفدنا كثيراً وكثيراً جداً من تجربة دبي بموضوع الشأن المصرفي والتعامل المصرفي في تأسيس المصارف ان كانت إسلامية أو عادية، ونستفيد أيضاً في موضوع الحكومة الالكترونية بأتمتة العديد من الخدمات والأعمال ان كانت حكومية أو غير حكومية.

مشيراً إلى أن هناك أفواجاً كبيرة من الشباب السوريين أستمع إليهم وأصغي لهم وهم يتحدثون بإعجاب وتقدير للنهضة الكبيرة التي حققتها دبي على مدى الخمسة عشر عاماً السابقة، موضحاً أن الأزمة التي اجتاحت العالم ببعديها الاقتصادي والمالي ستعطي دروساً للخبراء والمعنيين بالشأن المالي والاقتصادي لتحسين الأداء مستقبلاً وأعتقد انه يجري الآن في دبي عقد اجتماعات وتشكيل لجان لدراسة تلك الأزمة وقد بدأ الانفراج جلياً وبشكل واضح من خلال المؤشرات التي أتابعها.

وقال الخبير الاقتصادي السوري الدكتور زياد عربش: إن مركز دبي المالي العالمي وبورصة دبي استعادت أنفاسها في الأشهر الأخيرة حيث كانت عملية الهبوط في الأشهر الأولى من 2009 إلا أن البورصة عادت وتحسنت من مايو ويونيو الماضيين، مشيراً إلى الذكاء الذي يتميز به جميع القائمين على إمارة دبي بتحويلها لقطب اقتصادي وبوابة استثمار عالمية.

وأشار عربش إلى أن أحد أهم العوامل التي جعلت من دبي إحدى أهم البوابات الاستثمارية بالإضافة إلى التسهيلات الكبيرة المالية والمصرفية وهو الاستقرار والأمن اللذين تتمتع بهما دبي، فالمستثمر لا يخاطر بتوظيف أمواله في منطقة لا تتمتع باستقرار سياسي ومناخ آمن ، موضحاً أن «هذه الخاصية التي تتمتع بها دبي تعتبر أحد أهم العوامل التي أتاحت لها بأن تتحول منطقة استثمار عالمية آمنة».

وفي هذا السياق، تقول الدكتورة أماني بورسلي أستاذة الاقتصاد في جامعة الكويت ان مركز دبي المالي العالمي يعد مفخرة للعرب جميعا، لأنه استطاع من خلال رؤية حكيمة، أعطت الضوء الأخضر لتشريعات مرنه وسلسة توازي بل وتتفوق على كثير من مثيلاتها العالميات لجعلها من أكثر المناطق الاستثمارية الناشئة ذات التطور السريع، لافتة إلى أن من شأن هذا المركز أن يعطي للمنطقة بشكل عام دفعة باتجاه تعزيز موقعها من حيث الاستقرار المالي.

وأوضحت بورسلي أن حكومة دبي التي تبنت القوانين الاستثمارية الناجعة، أعطت المركز بعدا آخر بحيث دخل على خط المنافسة العالمية رغم قصر عمره الزمني، مشيرة إلى شموليته في جميع تعاملاته بحيث انه يملك القدرة على تبني إستراتيجية الشركات الكبرى، في الوقت الذي يستطيع فيه الاعتناء بأدق التفاصيل مثل الإجراءات التشغيلية، وأنظمة تقنية المعلومات، وغيرها من الأمور الالكترونية.

دولة ترسي نموذج القدوة

وطدت الإمارات مكانتها كنموذج في تطبيق ممارسات الحوكمة من خلال تأسيس برامج للتحسين والتطور المستمر، وذلك بناء على وجود حاجة لتأسيس هيئات تجارية احترافية فعالة لتطوير المعايير للاحترافيين والشركات على حد سواء، كما توجد حاجة إلى تقديم تقارير أفضل وأكثر جدية عن الشركات، إضافة إلى الحاجة إلى متطلبات قوية لتعزيز الإفصاح والشفافية. كل ذلك لضمان استمرار الدولة في سد الفجوة مع الاقتصاديات والمراكز المالية العالمية الرائدة.

دبي ـ مجدي عبيد