نجحت وزارة النفط العراقية خلال النصف الثاني من العام الحالي في جذب استثمارات خارجية ضخمة لاستثمار حقول نفطية يقدر احتياطيها المؤكد والمتوقع بنحو 329 مليار برميل. ومن المتوقع أن يحقق العراق عوائد مالية تصل الى 200 مليار دولار سنويا اضافة الى ان حجم الاستثمار في اطار جولتي التراخيص يتجاوز 100 مليار دولار تدفع جميعها من قبل الشركات والعراق لايدفع شيئا.

وجاءت هذه الاستثمارات وفق عقود خدمة من قبل شركات اجنبية من خلال جولتي التراخيص التي جرت في يونيو الماضي وديسمبر الجاري. وذكرت تقارير لوزارة النفط العراقية أن الاحتياطي العراقي المعلن من النفط الخام يبلغ حاليا 115 مليار برميل اضافة الى احتياطي اخر في طور الاستكشاف يقدر بنحو 214 مليار برميل وهي أرقام مذهله تجعل من العراق في حال الشروع بعمليات الاستثمار وجذب الشركات الاجنبية في مقدمة دول العالم في انتاج النفط الخام.

ولدى العراق حاليا أكثر من 50 حقلا نفطيا بعضها عملاقة لم تطرح بعد للاستثمار أمام الشركات الأجنبية ومن طرحها مستقبلا للاستثمار فضلا عن ان الرقعة الاستكشافية لم تستكمل بعد.

الشركات الأميركية

وعلى عكس ماكان متوقعا فأن الشركات النفطية الأميركية لم تحظ بحصة الاسد في هذه الاستثمارات بأستثناء شركة أكسون موبيل التي حصلت على عقد تطوير حقل الزبير بالاشتراك مع شركة شل الهولتدية وغابت الشركات الكبرى مثل شركة شيفرون عن هذه المنافسات. وقال ثامر غضبان رئيس هيئة المستشارين في الحكومة العراقية وشغل منصب وزير النفط في حكومة اياد علاوي عام 2005: عدم حضور الشركات الأميركية مثل شركة شفرون بثقل اكبر في دورات التراخيص فأن ذاك يؤكد ان العراق هو من يدير السياسة النفطية ولاتوجد مؤثرات عليه.

فوائد عديدة

وذكر عاصم جهاد المتحدث بأسم وزارة النفط العراقية أن هذه العقود ستعمل على تشغيل الاف من الايدي العاملة العراقية وانعاش المدن وتطويرها فضلا عن تحقيق ايرادات مالية كبيرة للميزانية العامة لتطوير البلاد. وقال: العراق لايدفع اية مبالغ عن هذه العقود والشركات هي التي تتحمل كلفة الاستثمار وفق عقود الخدمة. وأكدت وزارة النفط العراقية أنها ستعمل خلال السنوات المقبلة على زيادة منافذ تصدير النفط الخام خاصة عبر المنافذ الجنوبية لقربها من الحقول الكبيرة حيث سيتم بناء ميناء عراقي عائم شمالي الخليج وإعادة تأهيل الخط العراقي التركي والسوري.

وجميع العقود التي تم الاتفاق عليها مع الشركات الاجنبية في اطار جولتي التراخيص هي عقود خدمة من خلال دفع اجور للشركات عن البرميل الاضافي المنتج من الحقول العراقية التي هي بالاساس منتجة لكن بحاجة الى تطوير. وستبرم الشركات الفائزة في العقود قبيل نهاية العام الجاري عقودا ابتدائية مع وزارة النفط ومن ثم يتم رفع العقود الى مجلس الوزراء للمصادقة عليها.

مخاوف الإغراق

من جهة أخرى قال وزير النفط العراقي حسين الشهرستاني ان بغداد قد تنتج بمعدلات أقل من طاقتها بالتنسيق مع منظمة الدول المصدرة للنفط أوبك حينما تساعد الصفقات التي تتفاوض بشأنها على زيادة الانتاج الى 12 مليون برميل يوميا. وكان العراق عضوا مؤسسا في منظمة اوبك عام 1960 لكنه العضو الوحيد في المنظمة الذي ليس له حصة انتاجية محددة.

وكانت اوبك أعفت بغداد من نظام الحصص في عام 1998 بعد سنوات من الحرب والعقوبات. ويتوقع العراق تعزيز انتاجه النفطي لينافس السعودية أكبر منتج للخام في العالم. وفي نهاية جولة ترسية العطاءات التي استمرت يومين قال الشهرستاني ان الانتاج الفعلي للعراق في غضون ستة أعوام أو سبعة أعوام سيتوقف على ما يمكن لسوق النفط استيعابه.

وحصلت بغداد على تعهدات من شركات النفط لتعزيز الانتاج 7, 4 ملايين برميل يوميا أي نحو مثلي الانتاج الحالي للعراق. وقال الشهرستاني انه اذا أضيفت كل صفقات الجولتين وأخرى مطروحة على الطاولة الى الانتاج الحالي تصبح طاقة انتاج العراق 12 مليون برميل يوميا في غضون ست سنوات ليتفوق بذلك على روسيا ويقترب من السعودية أكبر بلد مصدر للنفط في العالم والتي تبلغ طاقتها الانتاجية 5, 12 مليون برميل يوميا.

وقال الشهرستاني: لا يعني هذا ان العراق سينتج أكثر مما تستطيع السوق استيعابه. العراق عضو نشط جدا في اوبك. وسوف نقوم بالتنسيق مع جهودها للعمل من أجل ان يستطيع العراق وكل الدول الاخرى تعظيم عائداتهم من مبيعات النفط.

ومع خروج البلاد من الحرب وسعيها لاعادة بناء قطاعها النفطي واقتصادها المدمر فانه من المرجح ان تتيح اوبك لبغداد بعض المجال لزيادة انتاجها. غير ان اوبك التي تضخ اكثر من ثلث امدادات العالم من النفط من المحتمل ان تسعى الى تقييد العراق لانتاجه بدلا من ان يضخ الكميات الهائلة من النفط التي يزمع بناء طاقته لانتاجها. ومهما يكن من أمر فان الشهرستاني قال انه سيمضي بعض الوقت قبل ان يستطيع العراق ضخ كميات من النفط كافية لجعل اوبك تطالبه بالموافقة على الالتزام بحصة انتاجية.

وقال الشهرستاني ان العقود مع شركات النفط تتضمن بندا يتعلق بالقيود المحتملة على الانتاج في المستقبل. واستغل العراق احتياطياته الهائلة وذات تكاليف الاستخراج الرخيصة لابرام صفقات بأسعار بخسة مع كبرى شركات الطاقة في العالم. ولم تأبه نحو 30 شركة نفط أجنبية لمخاطر العنف والهجمات وجاءت الى العراق رغم كل المخاوف الامنية.

الرابحون الكبار

وفي خضم منافسة حامية فازت مجموعة بقيادة شركة الطاقة الروسية العملاقة لوك أويل بعقد لتطوير المرحلة الثانية من حقل نفط غرب القرنة الذي يعد من أضخم الحقول غير المستغلة في العالم باحتياطيات تبلغ 9, 12 مليار برميل. وكانت لوك أويل مارست ضغوطا غير ناجحة منذ غزو 2003 لاحياء عقد بشأن الحقل أبرمته ابان حكم الرئيس الراحل صدام حسين.

وفازت بحقل عملاق اخر هو مجنون الذي تبلغ احتياطياته 6, 12 مليار برميل مجموعة من رويال داتش شل وبتروناس الماليزية. ولم يمنح في اليوم الاول من الجولة غير حقلين من أصل خمسة في ظل تحاشي الشركات للمناطق الاكثر خطورة أو التي قد تكتنفها متاعب بما في ذلك حقل شرقي بغداد العملاق الذي يقع جزئيا تحت حي مدينة الصدر وفي الشمال حيث لايزال العنف متفشيا.

وفازت بحقل القيارة في الشمال قرب مدينة الموصل المضطربة شركة النفط الوطنية الانجولية سونانجول. ورضخت الشركة الى مطالب العراق بخفض رسومها بمقدار النصف الى خمسة دولارات للبرميل. كما فازت شركة النفط الافريقية بحقل نجمة القريب من نفس المنطقة. وبالنسبة لمعظم الحقول الاخرى قدمت الشركات عروضا أقل مما كانت الحكومة مستعدة لدفعه.

ومنحت الحقول الكبيرة برسوم أقل مما شهدته الجولة الاولى مع حرص شركات الطاقة على تفادي العودة بخفي حنين من فرصة نادرة للفوز بموطيء قدم في احتياطيات رخيصة بمنطقة الشرق الاوسط. وقال مسؤول كبير بشركة نفط: كانت أرقاما متدنية على نحو مدهش. لكن 2009 سيذكر بعد ذلك بأنه العام الذي فتح فيه العراق بابه لشركات النفط العالمية ثم أغلقه. انها عشرة حقول وهذا كل ما في الامر.

لذا فانها مسألة استراتيجية بالنسبة لشركات النفط فاما أن تكون موجودا هنا أو لا تكون وهذه هي الفرصة. واتفقت لوك أويل وشتات أويل على أقل رسوم في عقدهما للمرحلة الثانية من حقل غرب القرنة. وتعهدت الشركتان بزيادة الانتاج الى 8, 1 مليون برميل يوميا مقابل 15, 1 دولار للبرميل فقط.

وفازت شل وبتروناس بحقل مجنون مع رسوم تبلغ 39, 1 دولار للبرميل وتعهد بزيادة الانتاج الى 8, 1 مليون برميل يوميا أي أكثر من مثلي ما توقعه العراق. كما فازت بتروناس بحقل غراف الصغير مع جابكس اليابانية. وفازت جازبروم الروسية بحقل بدرة. وطمأن الشهرستاني الشركات التي لم تفز بأنه لايزال لدى العراق عشرات الحقول التي لم يطرحها بعد بعضها فائق الضخامة.

(الوكالات)