أظهرت إحصائيات بمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أن قيمة قروض الرهن العقاري في الولايات المتحدة بلغت 8, 10 مليارات دولار بعد الربع الثالث، بانخفاض نسبته 2, 2% عن مستواها في العام السابق.

وقالت نيويورك تايمز إن قروض المستهلكين الأميركيين الآن باتت أقل مما كانت عليه في عام سابق. وقال البنك الاتحادي الفيدرالي أيضا أن فواتير البطاقات الائتمانية القائمة في شهر أكتوبر بلغت 888 مليار دولار، بانخفاض نسبته 5, 8% عن عام سابق. وهو الرقم الأدنى منذ شهر مارس 2007.

سياسات البنوك

ويقول محللون إن هذا الاتجاه لا يعني بالضرورة أن الأميركيين سددوا ديونهم، وأنهم عادوا يعيشون عيشتهم الباذخة الأولى التي نادى بها المخططون الماليون طويلا. لعل شيئا من ذلك حدث. غير أن تراجع مستويات الديون يدل أيضا على أن البنوك اضطرت إلى شطب بعض الديون الرديئة، وأنها أصحبت أكثر شحا في منح القروض.

وفي استطلاع أجري لحساب أليكس بارتنرز شركة الاستشارات التجارية على 7500 أميركي في شهر نوفمبر، وجدت أن الناس يتوقعون توفير 15% من دخولهم بعد انتهاء فترة الركود. وهذا أكبر بثلاث مرات من معدل التوفير الحالي كما انعكس في الإحصائيات الحكومية.

ولدى سؤالهم عن أكبر مخاوفهم قال 18% من الذين استطلعت آراؤهم إن تقليص الدين هو أهم من أي خيار آخر. وبالنسبة للبعض فإن الإنفاق سيكون أقل لا لسبب سوى عدم وفرة الائتمان. وقالت تقارير إن الأميركيين كمجموعة، لديهم طريقة للحصول على ائتمان بمليارات الدولارات، غير أن العدد الأكبر امتنع نظرا لأن البنوك قلصت أو ألغت خطوط الائتمان إلى كثير من عملائها.

تغييرات جوهرية

وتزامنت هذه البيانات مع موافقة مجلس النواب الأميركي على أكبر تغييرات في التنظيم المالي منذ الكساد العظيم وهو ما اعتبر انتصارا لادارة أوباما وللديمقراطيين في الكونغرس. وسينشئ مشروع القانون مجلسا متعدد الوكالات للاشراف على أي مخاطر شاملة في الاقتصاد ومراقبة صناديق التحوط ووكالات التصنيف الائتماني الى جانب اقامة وكالة مالية لحماية المستهلك واخضاع السياسة النقدية التي يضعها مجلس الاحتياطي الاتحادي لمراجعة غير مسبوقة من جانب الكونغرس واصلاحات أخرى.

وأشاد الرئيس الأميركي باراك أوباما بإقرار المجلس لمشروع قانون إصلاح التنظيم المالي باعتباره خطوة مهمة أخرى صوب اصلاح شامل. وحث أوباما في بيان مكتوب مجلس الشيوخ على اقرار ما وصفه بالاصلاح التنظيمي المهم في أسرع وقت ممكن. وقال: هذا التشريع يقترب بنا خطوة مهمة أخرى من اصلاح مالي ضروري وشامل سيضع قواعد واضحة للتطبيق الشامل والمطرد والمنظم لتلك القواعد ومن نظام مالي أقوى وأكثر استقرارا مع توفير ضمانات أفضل للمستهلكين والمستثمرين.

القطط السمان

وهاجم اوباما المصرفيين الذين يستفيدون من النظام المالي ويحصلون على مكافآت كبيرة في حين ان مؤسساتهم انقذت بأموال المكلفين. وقال اوباما: لم اترشح للرئاسة كي اساعد حفنة من القطط السمان في وول ستريت. والقطط السمينة هو تعبير ساخر يستخدم في الاوساط المالية لوصف كبار المصرفيين والمتعاملين.

وعمدت مصارف أميركية كبرى عدة الى تسديد الاموال التي سلفتها اياها الحكومة لانقاذها من الانهيار خلال الازمة المالية، ولم يستبعد اوباما ان يكون بعض هذه المصارف قد فعل ذلك من اجل ان يتمكن من دفع مكافآت كبيرة لموظفيه كون القانون حدد سقفا لهذه العلاوات في المصارف المدينة للدولة. وهذه المبالغ الكبيرة تدفعها المصارف لموظفيها مكافأة لهم على المجازفات التي يقومون بها خلال تعاملاتهم المصرفية والتي تشمل احيانا استثمارات عالية المخاطر.

وتعتبر هذه الاستثمارات احد الاسباب التي ادت الى الازمة المالية العالمية وقد اثارت حنق الرأي العام. وأضاف اوباما: اعتقد انه في بعض الحالات كان التمكن من دفع المكافآت هو الدافع لتسديد أموال المساعدة الحكومية. وتابع: ما يثير عجبي هو ان الناس في وول ستريت لم يستوعبوا بعد وما زالوا يتساءلون لماذا الناس غاضبة من المصارف. وتابع: حسنا فلنر، انتم تحصلون على مكافآت من 10 او 20 مليون دولار بعد اسوأ عام مر على الاقتصاد الأميركي منذ عقود وانتم من تسبب بالمشكلة.

انتهاء الركود

وأظهرت دراسة مسحية شهرية يجريها معهد الإمداد الإداري أن ذروة فترة الركود في الولايات المتحدة اقتربت من نهايتها. وتقيس الدراسة مؤشرا اقتصاديا تأكدت فاعليته في عشر من حالات الركود السابقة التي تلت الحرب العالمية الثانية. وأظهر المعهد في نشرته الأخيرة التي أصدرها في شهر نوفمبر أن مزيدا من الشركات كشفت عن أن عملياتها التجارية كانت تميل نحو التحسن أكثرمن جنوحها نحو الأسوأ. كما سئلت الشركات في سياق الاستبيان، عما إذا كانت تزيد عدد موظفيها أو أنها تعمد إلى تسريحهم.

وقالت الدراسة إن كثيرا من الشركات وظفت من العاملين أكثر ممن سرحتهم خلال شهري أكتوبر ونوفمبر.

وقد انخفض معدل البطالة بمعدل 10% في شهر نوفمبر وفقا لبيانات وزارة العمل الأميركية وإذا ما صدق مؤشر معهد الإمداد الإداري فإن هذا معناه أن الارتفاع الذي تحقق في شهر أكتوبر وهو 2, 10% كان الارتفاع التصاعدي.

أزمة البطالة

وكانت احاديث كثيرة درات هذا العام حول ارتداد آخر للبطالة كذلك الذي اعقب فترات الركود خلال تسعينات القرن الماضي وبداية عام 2000. غير أن المؤشر يشير إلى أن واقع الحال هو غير ذلك وان هذا الانتعاش سيكون أشبه بتلك الفترات التي عادت فيها عملية التوظيف بصورة أبكر بعيد انتهاء الركود. وإن صح ذلك فإن من أسبابه هو أن تسريح الأشخاص في ذروة الركود كان حادا حيث ان انكماش الائتمان في فصل الربيع الماضي قاد الشركات إلى الذعر وخفض النفقات مهما كانت.

وهو الأمر الذي ترك الشركات بلا عمالة كافية لمالجة أي نمو متواضع للأعمال التجارية. وفي الشهور الثمانية التي تلت سبتمبر 2008 وهو الشهر الذي انهار فيه بنك ليمان براذرز ارتفع معدل البطالة الأميركية بنسبة 3،2% من النقطة إلى 9،4%. والذي يعتبر أكبر ارتفاع في مثل تلك الفترة منذ 1975 عندما كان ركود 1973-1975 في طريقه الى الاقتراب.

جدلية مستمرة

ولم يحدد المكتب الوطني للدراسات الاقتصادية بعد ما إذا كان الركود الذي بدأ في ديسمبر 2007 قد انتهى أو متى سينتهي. غير أن الخبراء الاقتصاديين يقولون ان المكتب سيحدد في نهاية الأمر نهاية الطفرة في هذا الخريف أو في نهاية فصل الصيف على أبعد تحديد.

وكان ركود تسعينات القرن الماضي قد انتهى في مارس 1991 عندما وصل معدل البطالة إلى 8.7%. غير أن ذلك المعدل واصل صعوده، ولم يبلغ ذروته إلا في يونيو 1992، عند 8.8%. ورغم ذلك فإن مؤشر المعهد لم يؤكد أن معدل التوظيف كان ينمو حتى شهر ابريل ومايو من عام 1949.

وفي أعقاب ركود عام 2001 الذي انتهى رسميا في نوفمبر من ذلك العام بمعدل بطالة 5.5%، فإن معدل فقدان الوظائف لم يصل ذروته حتى شهر يونيو من عام 2003 بمعدل 2.6%. وقد تحول مؤشر المعهد إلى الجانب الإيجابي في نهاية 2003. ومن الأسباب المحتملة هي أن أهمية التصنيع كانت تتراجع في الاقتصاد الأميركي. ولم تظهر دراسة المعهد لشركات الخدمات إلى نمو عملية التوظيف وامتناع الشركات عن التوظيف إلى وجود انتعاش لعملية التصنيع. غير أن توظيف شركات التصنيع كان أسبق من غيره من حقول الاقتصاد في عملية الخروج من الركود ومن المحتمل جدا أن يكون الآن هناك تبادل للأدوار.

أجواء متفائلة

وفي أقوى تقرير منذ بداية مرحلة الركود منذ عامين أعلنت الحكومة الأميركية أن جميع الشركات العاملة توقفت عن تسريح العاملين لديها في شهر نوفمبر في مؤشر على أنها راحت تبني قواها العاملة من جديد. وقد فاجأ التحسن المباغت وغير المرتقب أكثر المتوقعين تفاؤلا. وبدلا من خسارة في الوظائف وصلت إلى ست خانات، فإن عدد الوظائف المفقودة بلغت 11 ألف وظيفة فقط الشهر الماضي وبدلا من ارتفاع آخر في معدل البطالة فإنه تراجع إلى 10% من 2, 10% في شهر اكتوبر.

وفي سياق ذلك قال روبيرت بربارة كبير الاقتصاديين في آي تي تي انفستمنت تكنولوجي جروب الذي انضم إلى عدد من المتوقعين في التنبؤ بعودة النمو إلى القوى العاملة في أوائل الربيع أن هذا هو دليل قاطع أن الاقتصاد يتطور في اتجاه انتعاش ذاتي الاستدامة. وسارعت إدارة الرئيس أوباما إلى نسب الفضل في التحسن إلى نفسها مؤكدة أن حزمة الحوافز التي بلغت 787 مليار دولار انقذت أو خلقت 6, 1 مليون وظيفة.

الفضل للحوافز

ومن ناحيته قال جاريد بيرنشتاين كبير الاقتصاديين في دائرة نائب الرئيس جوزيف بايدين ان الفضل يجب أن يعزى إلى تدخل إدارته، مؤكدا أنه لولا الحوافز فإن أصحاب العمل كانوا سيسرحون أعدادا كبيرة من العاملين لديهم بوتيرة تصل إلى عدد من ست خانات.

وإضافة إلى الأنباء السارة فإن مكتب إحصائيات العمل عدل من خسارة الوظائف في شهري سبتمبر وأكتوبر مقلصا الرقم إلى 159 ألف وظيفة. وقلص الركود الذي بدأ في ديسمبر من عام 2007 وهو الأطول والأكثر حدة منذ ثلاثينات القرن الماضي القوة العاملة دافعا أكثر من أربعة ملايين شخص ليس من وظائفهم فحسب وإنما من إمكانية البحث عن وظائف.

ومع استعادة الانتعاش لزخمه فإن كثيرين من الرجال والنساء قد يعودون إلى صفوف القوى العاملة. ويشير بعض الخبراء الاقتصاديين إلى أن البطالة ستنخفض بصورة تدريجية وستستغرق أربع أو خمس سنوات كي تعود إلى وضعها الطبيعي وهو 5%. ويبقى تقرير الوظائف في شهر نوفمبر الأكثر تشجيعا مما توقعه كثير من المتوقعين. وما خلا العدد القليل من خسارة الوظائف فقد تم استخدام الكثير من العمالة المؤقتة وإطالة أسبوع العمل مما أوحى بأن آلاف العمال العاملين في برامج قصيرة قد استعادوا جميع أو بعض ساعات أعمالهم.

وبالرغم من ارتفاع الأجور الساعية لمعظم العاملين بنسبة 1% إلى 74, 18 دولارا، فإن المكاسب الأسبوعية ارتفعت إلى 3, 38 % من 7, 35% في سبتمبر وأكتوبر.

ولم يكن بإمكان أكثر من ستة ملايين شخص العثور على عمل منذ نصف سنة وأكثر. وفي سياق ذلك قال نيجيل جوليت، الخبير الاقتصادي المحلي الأول في آي اتش اس جلويال انسايت، معربا عن تشجعه بالمكاسب في معدل الاستخدام الأسبوعي وعدد الوظائف المؤقتة، واوضح أن الصورة أفضل بكثير، ويبدو انها حقيقة على الأغلب، مضيفا أنها تظهر ان عملية التوظيف عادت إلى وتيرتها المعتادة وان عملية الاستخدام بدأت من جديد.

ويشار إلى ان الاقتصاد الأميركي بدأ في الشهور الأخيرة يظهر بوادر استقرار متواضعة في القطاعين التصنيعي والاستهلاكي، وكلاهما يعد من المصادر الكبرى للتوظيف في غضون عامين منذ بداية الركود.

وائل الخطيب والوكالات