حسمت محاكم دبي ومحاكم مركز دبي المالي العالمي مسألة «الاختصاص الولائي» لكل محكمة، بما يزيل أوجه اللبس بشأن الحدود الفاصلة بين النظامين القضائيين، ويعزز في التوقيت نفسه من التناغم بينها في طريقة تفسيرهما لقوانين بعضها البعض، وتحقق هذا الإنجاز بتوصل النظامين القضائيين إلى 3 مذكرات تفاهم تدعم التعاون فيما بينهما على نحو يضمن تقديم خدماتهما بشكل كفؤ وفعال، ويكفل تحقيق المنفعة للمجتمع، ومن ثَمّ تأمين الحصول على حكم عادل ناجز واقتصادي في المنازعات في دولة الإمارات، وهو ما سيكون له بالغ الأثر في الحفاظ على نظام قضائي قوي في دبي.
وتحت مظلة تعزيز التعاون والتكامل بين النظامين القضائيين، جرى التوصل إلى ثلاث مذكرات تفاهم، ويحوي بروتوكول الاختصاص الولائي الذي جرى التوقيع عليه في مطلع الشهر الجاري على سلسلة من الوثائق القانونية التي تنظم دور محاكم مركز دبي المالي ومحاكم دبي في النظر في القضايا التي تنشأ في إمارة دبي سواء في نطاق اختصاص مركز دبي المالي، أو في نطاق اختصاص محاكم دبي، وهو ما يجعل التكامل بين الاختصاصين القضائيين في تقديم الخدمات القضائية بإمارة يجري بشكل منظم وواضح لكافة المتعاملين. والجدير بالذكر، أن بروتوكول الاختصاص الولائي يوضح المنازعات المدنية أو التجارية التي تخضع لكل محكمة، مما يعمل على توفير المزيد والمزيد من الثقة القانونية للشركات والأفراد على مستوى إمارة دبي، والإمارات العربية المتحدة وعلى المستوى العالمي أيضاً. وقد تم وضع بروتوكول الاختصاص القضائي من أجل زيادة كفاءة النظام القضائي بدبي، وذلك من خلال تحديد المحاكم التي يجب أن ترفع إليها قضايا محددة وتبت فيها في دبي، بحيث يعمل ذلك على مساعدة الأطراف على معرفة المحكمة الصحيحة التي يجب رفع قضاياهم أمامها.
تكامل الخدمات القضائية... وفي رأي الدكتور أحمد سعيد بن هزيم، مدير عام محاكم دبي في حديثه الخاص لـ «البيان الاقتصادي» أنه بالتوصل إلى بروتوكول الاختصاص الولائي، يكون قد تم وضع اللبنات النهائية في توضيح التكامل في تقديم الخدمات القضائية في إمارة دبي، وليس فقط في محاكم مركز دبي العالمي أو محاكم دبي، حيث صار تقديم الخدمات القضائية في إمارة دبي أكثر وضوحا للجميع، بتحديد من هم الأشخاص الذين يستطيعون اللجوء إلى محاكم مركز دبي المالي العالمي، ومن هم الأشخاص الذين يلجأون لمحاكم دبي. واعتبر الدكتور أحمد سعيد بن هزيم، مدير عام محاكم دبي أن الاتفاقيات التي تم التوصل إليها بين محاكم دبي ومحاكم مركز دبي المالي العالمي تعتبر بمثابة استجابة للاحتياجات التي نشأت عن التطبيق الواقعي والعملي للنظامين القضائيين، حيث يتمثل الهدف النهائي في أن يكون هناك وضوحا وسلاسة وتكاملا بين النظامين القضائيين، وبحيث تكون هناك منظومة قضائية تعمل في دبي بشكل متناسق، وبحيث يكون في مقدور المتعاملين معرفة أي النظام القضائي الملائم لقضاياهم ومنازعاتهم.
ورأى الدكتور أحمد سعيد بن هزيم أنه منذ تأسيس محاكم مركز دبي المالي العالمي، برزت الحاجة لإرساء قواعد تنظيمية تبين بجلاء بعض الممارسات، كتلك الخاصة بتنفيذ الاحكام، وكيفية توثيق العقود سواء في محاكم دبي أو محاكم مركز دبي المالي، فضلا عن توضيح بعض الخدمات القضائية الأخرى.
ولفت الدكتور أحمد سعيد بن هزيم الانتباه إلى أن التباين في الخدمة التي تقدمها محاكم دبي ومحاكم مركز دبي المالي العالمي يتعلق بأسلوب تقديم الخدمة، وليس جوهرها.
حيث إن كلا النظامين القضائيين ينشدان تطبيق مبادئ العدالة والنزاهة في الأحكام الصادرة عنهما، أما بالنسبة للقوانين، فإن القوانين التي تطبقها محاكم مركز دبي المالي العالمي هي القوانين السارية في نطاق اختصاص مركز دبي المالي العالمي، وينسحب الأمر ذاته على محاكم دبي، ويتمثل الهدف من توقيع الاتفاقيات بين الجانبين في تذليل أي صعوبات تعترض التكامل فيما بينهما.
قواسم مشتركة
وخلص الدكتور أحمد سعيد بن هزيم في تناوله لمسألة التحديات التي اعترضت التكامل فيما بين النظامين القضائيين إلى القول:أصبح العالم الآن قرية صغيرة، وصار من الصعب على الدول تنظيم شؤون معينة وفقاً لقوالب قانونية ضيقة، وإنما أجبرت الممارسات الدولية جميع الدول بأن يكون لديها القدرة على التعامل مع أي أنظمة قانونية، خاصة وأن هذه الأنظمة أصبحت تتقاسم الكثير من السمات المشتركة، فربما يكون هناك تباين في الخصوصيات هنا وهناك، ولكن في المجمل هناك خطوط عريضة متشابهة.
وتطرق الدكتور أحمد سعيد بن هزيم إلى تخصص محاكم مركز دبي المالي العالمي، معتبرا إياه بأنه تخصص جغرافي وليس فنيا، وشرح هذه النقطة بقوله: هناك محاكم متخصصة في دبي تعمل من زمن فترة مضت، ونحن المحاكم الوحيدة في دولة الإمارات التي لديها محاكم متخصصة في مختلف أنواع القضايا.
فهناك محاكم تجارية وعمالية ومدنية وعقارية، أما بالنسبة لتخصص محاكم مركز دبي المالي العالمي، فهو تخصص جغرافي وليس تخصصا فنيا، والتكامل يتعلق بالجانب الجغرافي وليس الفني، فإذا كان النشاط مرتبطا بمحاكم مركز دبي المالي العالمي، فلن يكون بمقدور الأطراف المتنازعة اللجوء إلى محاكم دبي، حتى لو أرادوا ذلك، فهذا الأمر يتعلق بتوزيع الاختصاص والمسؤوليات والأدوار.
وذلك بغرض تقديم خدمات تتناسب مع طبيعة كل اختصاص، فقد أنشأت حكومة دبي محاكم مركز دبي المالي العالمي لتقديم خدمات ذات نوعية وشكل متميزين لأشخاص اعتباريين وطبيعيين يعملون في مجال معين.
وأكد الدكتور أحمد سعيد بن هزيم أن قوانين تأسيس محاكم دبي ومحاكم مركز دبي المالي العالمي هي قوانين صادرة عن حكومة دبي لإنشاء أجهزة قضائية تقدم خدمات للأشخاص في إمارة دبي، وتكفل مذكرات التفاهم التي جرى توقيعها بين النظامين القضائيين ضمان التكامل والتناسق في عمل هذه الأجهزة.
واعتبر الدكتور أحمد سعيد بن هزيم أن الاتفاق على تأسيس مكتب كاتب العدل، الذي سيقدم خدماته باللغة الانجليزية ضمن مركز دبي المالي العالمي، قد جاء في سياق الاستفادة من تجربة محاكم دبي في مجال تقديم خدمات كاتب العدل، بحيث يتم تطبيقها بواسطة محاكم مركز دبي المالي العالمي، وهذا المثال يبين بجلاء أن محاكم دبي تمتلك الكثير من الممارسات التي تعتبر نموذجا محل احتذاء على مستوى عالمي.
خدمة العملاء
وفي السياق ذاته، قال السير أنتوني إيفانز رئيس محاكم مركز دبي المالي إن دور محاكم دبي ومحاكم مركز دبي المالي العالمي يتمثل في خدمة العملاء والأطراف التي تمثل أمامهما، فضلا عن تقديم الخدمة للمجتمع في دبي ككل، ومن ثم، يبين بروتوكول الاختصاص الولائي الذي جرى التوقيع عليه بين المحكمتين أنه بمقدورهما التعاون، وتحقيق أفضل النتائج لأطراف القضايا التي تعرض أمامهما.
حيث إن بروتوكول الاختصاص الولائي يمكن كلا من محاكم مركز دبي المالي العالمي ومحاكم دبي من التعامل مع موضوع الاختصاص الولائي بنهج وطريقة واحدة. وسلط السير أنتوني إيفانز على وجه الخلاف بين خدمات محاكم دبي، وتلك المقدمة من جانب محاكم مركز دبي المالي بقوله: إنه جرى تأسيس محاكم مركز دبي المالي العالم كجزء من رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله.
الخاصة بتأسيس مركز مالي عالمي، على أن يحتضن هذا المركز محاكم تنظر في قضايا الشركات والمصارف المسجلة في مركز دبي المالي العالمي، من خلال تطبيق القانون العام، وتطبيق الإجراءات باللغة الإنجليزية، فيما تطبق محاكم دبي القانون المدني، وتكون إجراءاتها باللغة العربية، وبالتالي، فهناك اختلاف بين هذين النظامين القضائيين.
وأكد السير أنتوني إيفانز أنه بفضل التوصل إلى بروتوكول الاختصاص الولائي، صار ممكنا خلق تناغم وتجانس في طريقة عمل النظامين القضائيين، بما يفيد العدالة في دبي.
ورفض السير أنتوني إيفانز استخدام مصطلح «التشويش» في وصف حالة عدم وضوح الحدود الفاصلة بين النظامين القضائيين بقوله: غير ممكن لي قبول كلمة «التشويش»، ففي اعتقادي أنه كانت توجد ثمة حاجة للتوصل إلى طريقة واحدة في تفسير القوانين المتواجدة، ويمكن أن تنشأ حالة «التشويش»، إذا ما كانت هناك طرق مختلفة في تفسير القوانين المتواجدة، ولكن ليس هو حال الوضع الآن، فقد تم التوصل إلى اتفاق بين النظامين القضائيين يكفل إرساء أسلوب واحد في تفسير القوانين، وهو وما يعني أن القوانين تفسر بطريقة واحدة من قبل محاكم دبي ومحاكم مركز دبي المالي العالمي.
وفي السياق ذاته، علّق عمر المهيري القاضي بمحاكم مركز دبي المالي العالمي على البروتوكول بقوله: إن توقيع بروتوكول الاختصاص الولائي مثال آخر على التعاون بين محاكم مركز دبي المالي العالمي ومحاكم دبي لتحقيق المنفعة للمجتمع، وعن طريق تعريف الولاية القضائية التي تحكمها كل محكمة بشكل واضح، فيجب ألا يتأخر الحكم في القضايا بسبب الاختصاص القضائي ومن ثَمّ تأمين الحصول على حكم عادل ناجز واقتصادي في المنازعات في دولة الإمارات.
دعاوى
اختصاص محاكم مركز دبي المالي
محاكم دبي ومحاكم مركز دبي المالي العالمي اتفقا على أن تختص محاكم مركز دبي المالي حصرياً في الآتي:
1- الدعاوى والمنازعات المدنية أو التجارية التي يكون المركز أو أي من هيئات المركز أو مؤسساته أو الشركات وفروع الشركات التي تنشأ أو يرخص لها بالعمل فيه طرفاً فيها.
2- الدعاوى والمنازعات المدنية أو التجارية الناشئة عن أو المتعلقة بعقد تم تنفيذه جزئياً أو كلياً داخل حدود مركز دبي المالي العالمي.
3- الدعاوى والمنازعات المدنية أو التجارية الناشئة عن أو المتعلقة بمعاملة تم إجراؤها جزئياً أو كلياً في المركز والتي لها علاقة بالأنشطة المالية أو الأنشطة المساندة أو أي أعمال مرخص لها بالمركز أو المتصلة بأعماله.
4- الدعاوى والمنازعات المدنية أو التجارية الناشئة عن أو المتعلقة بواقعة حدثت داخل نطاق المركز باستثناء أية واقعة تشكل جريمة جزائية وفقاً للقوانين الجنائية سارية المفعول.
5- دعاوى التعويضات الناشئة عن الجرائم الجزائية الواقعة داخل حدود المركز.
الولاية العامة
تعتبر محاكم دبي صاحبة الولاية العامة وتختص فيما لم يرد ذكره في البند رقم (3) من ميثاق العمل بشأن الاختصاص الولائي بين كل من محاكم دبي ومحاكم مركز دبي المالي العالمي
ويشكل الاختصاص عنصرا مهما في مكونات العملية القضائية، فالمحكمة يلزمها تحديد الاختصاص لتقرير نظر الدعوى من عدمه، والمدعي يلزمه ذلك للتوجه للمحكمة المختصة.
كما أن تجنب ابطال الأحكام وضياع الوقت والجهد والمال سواء على الصعيد الرسمي متمثلا في أجهزة القضاء أو على مستوى الأفراد مطلب ملح، لذلك، فإن محاكم دبي ومحاكم مركز دبي المالي العالمي يشكلان معاً أهم ركائز النظام القانوني لإمارة دبي، واقتناعا منهما بأن التعاون القضائي بينهما ينبغي أن يكون تعاونا شاملاً يسعى من خلاله الطرفان إلى العمل بشكل جاد على نحو يستطيع أن يسهم بصورة إيجابية وفعالة في إرساء وتدعيم النظام القضائي لإمارة دبي.
دبي ـ مجدي عبيد


