شهدت دولة الإمارات عامةً ودبي على نحوٍ خاص في الآونة الأخيرة امتحاناً غير مسبوق بالنسبة لدولة عربية، فقد عصفت عليها سهام الإعلام العالمي المترقب، بُعيد إعلان دبي العالمية نيتها طلب تأجيل سداد جزءٍ من الديون المترتبة عليها، حتى ليصعب إحصاء عدد المقالات والتحليلات التي كتبت عن دبي بلغات العالم المختلفة.. لأنها تعد بالمئات وربما أكثر.. ناهيك عما ورد في الفضائيات والمحطات الأرضية والإذاعية من تغطيات إخبارية وآراء تحليلية اتصف الكثير منها بالسطحية وقلة المعرفة وحتى السخف، وكأن هذا الإعلام ينتظر عرساً ومرقاً يشبع فيه تشكيكاً وإثارة..

وعلى الرغم من أن السبب عادي ومألوف في جميع أنحاء الأرض والأمثلة على حدوثه وتكراره أكثر من أن تحصى في هذه المقالة، لكن رد الفعل المقابل على هذا الإعلان لم يكن مألوفاً.. ويبقى السؤال المطروح: لماذا؟

كثيرون ممن كتبوا وتعمدوا خلط الأوراق وتمويه الحدود بين إمارة دبي ومجموعة دبي العالمية فأذكوا نار الإشاعات ونفخوا في أتون الافتراءات والإعلام التضخيمي المفتعل، لكن بغض النظر عن النوايا السيئة لدى هؤلاء فإنهم ببساطة بعيدون عن دائرة اكتراث دبي قيادةً وشعباً ومسيرة..

وعلى الرغم من أن ما حصل لا يعدو في حسابات المنطق المالي والتجاري الدولي أكثر من زوبعة في فنجان؛ لأن الجميع يعلم أن إعادة الجدولة إجراء عادي تماماً لا سيما في أوقات الأزمات العالمية (تلك الأزمات التي بدأت بعيداً عن شطآن دبي بآلاف الكيلومترات)؛ إلا أن الأمر برمته بما يحمل من المدلولات والمعاني والمضامين الخافية والبادية؛ بحاجة إلى قراءة من عدة نواحٍ بهدف استخلاص النتائج وتوظيفها، ولعل أبرز ما يمكن استنتاجه من ملامح هذا المشهد إنما يصبُّ في صالح دبي لا عليها (كما يتوهم البعض)، فقد اعتادت أدبيات أسواق المال العالمية القول:

(إن العالم يصاب بالرشح إذا عطست الـ وول ستريت)، لكن الأيام الفائتة أثبتت أن هذه العبارة قد فقدت صلاحيتها (جزئياً على الأقل)، فها هو العالم يتوتر لعطسة دبي (بل دبي العالمية فقط) الأمر الذي يؤكد أن دبي التي اعتاد المراقبون وصفها بالمركز المالي والتجاري الإقليمي قد انتقلت خطوة إلى الأمام، لتصبح مركزاً من المراكز العالمية المتقدّمة على هذا الصعيد.

. وليس أدلّ على ذلك من تدخل أهم المرجعيات العالمية والتي طمأنت العالم بدورها على صحة اقتصاد الإمارة ومتانته فضلاً عن الاقتصاد الإماراتي، فها هي لورا تايسون (المستشارة الاقتصادية للرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، وللرئيس الحالي باراك أوباما خلال حملته الانتخابية) لا ترى في الاهتمام العالمي بما يجري في دبي إلا (دليلاً على نجاحها في بناء سمعة على مستوى العالم)، ومن جانبه قال روبرت زوليك رئيس البنك الدولي إنه يتوقع احتواء أزمة ديون دبي..

ومن جهته أكدّ صندوق النقد الدولي في بيان أصدره أن (اقتصاد الإمارات العربية المتحدة، ودبي جزء منها، يستند إلى موارد قوية)، أما عربياً فقد أعرب رئيس اتحاد المصارف العربية عدنان أحمد يوسف عن ثقته بالوضع المالي والاقتصادي لإمارة دبي..

أما من جهة دبي فليس أدل على موقفها من الرد البليغ (نثراً وشعراً) لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي الذي علّق على ما حدث قائلاً: (لَمِنَ المهم أن يتكلم الناس عن دبي؛ لأن الكلام إيجاباً أم سلباً هو دليل خير)، واستطرد سموه: (إذا كانت الشجرة المثمرة هي التي تُرمى؛ فكيف إذا كانت هناك سبعة بساتين مثمرة) حقاً هذه هي دبي وتلك هي الإمارات.. سبعة بساتين مثمرة بما غرسه قادتها من بنيان معنوي متين قبل أن يكون مادياً، عنوانه التميز والإبداع في الفكر والأداء وديدنه الإخلاص للوطن أرضاً وشعباً ووسيلته الانضباط الذاتي.

وتقديم المثل الصالح والقدوة الحسنة التي اقتدى بها من اقتدى من داخل الدولة وخارجها، فدولة الإمارات العربية المتحدة ودبي تحديداً كانت دائماً في المقدمة بإنجازاتها ومشاريعها ومبادراتها التي أصبحت قدوة لكثير من دول المنطقة التي سارت على النهج الذي خطته دبي بكل جرأة وثقة على رمال الصحراء العربية..

لقد نجحت دبي خلال السنوات القليلة الماضية في بناء إقتصاد قوي ومزدهر وبنية تحتية حديثة ومتطورة وسمعة عالمية طيبة وإيجابية وبيئة عمل مبدعة ومتفوقة. لقد ساهم كل ذلك في صنع مركز دبي كأحد أهم المراكز الإقتصادية العالمية وسيساهم في ضمان مستقبلها ومستقبل أبنائها.

ولقد أصاب الفريق ضاحي خلفان قائد شرطة دبي ورئيس لجنة الموازنة العامة لحكومتها كبد الحقيقة بقوله: (حكومة دبي لا تواجه أزمة مديونية مالية ولكنها تواجه أزمة منافسة غير شريفة تتمثل في الإساءة للإمارة).. لذلك لا أجد ما أختم به مقالتي هذه أفضل من استعارة العبارة الشهيرة لأسد الصحراء الشهيد عمر المختار لأقول إن ظهر دبي أقوى مما يتوقعون ولن تزيده العواصف والهجمات إلا صلابة وإصراراً على النهج والهدف واستمرارمسيرة بناء المستقبل الواعد.

المنسق العام لبرنامج دبي للأداء الحكومي المتميز