ماذا يريد الطبيب في مواجهة هذا المرض الخطير الذي يصيب نسيج الرئة بضرر شديد، أو بما يسمى الالتهاب الرئوي الحاد، إنه لمن الخطورة بأن يأتي الالتهاب الرئوي في مقدمة أسباب وفاة الأطفال حسب منظمة الصحة العالمية.

وبينت منظمة الصحة العالمية أن هذا المرض يتسبب بنسبة عشرين في المائة من ضمن وفيات الأطفال في جميع ربوع العالم، على الرغم من أن علاجه في بدايته لا يستدعي رعاية صحية مكثفة.

أما في الكبار فيكون أقل خطرا إلا إذا ما كان المريض يعاني من أمراض مزمنة خطيرة، أو قصوراً في أحد وظائف أجهزة الجسم، أو يستخدم أدوية تؤثر في مستوى المناعة.

وتشكل هذه العوامل علامات تحذيرية للكبار تتطلب وعياً لما يمكن أن تؤول إليه الأمور.

وبما أن وجود الهواء أو الأكسجين تحديداُ شرطا من شروط الحياة، فبالتالي تعتبر وظيفة التنفس من الوظائف الأساسية للبقاء على قيد الحياة.

وعند حدوث خلل في وصوله للأنسجة الحيوية يؤدي إلى تأثر وظائف المخ كالإدراك والذاكرة وإن كان إلى لدقائق معدودة عدا عن تأثر باقي الأنسجة الحيوية بنقص الأكسجين.

ومن أكثر الأسباب التي تؤدي إلى خلل في توصيل الأكسجين، هو الالتهاب الرئوي الحاد وهو خلل في نسيج الرئة بسبب شكل من أشكال العدوى كالعدوى البكتيرية أو العدوى الفيروسية.

فبدلاً من أن تمتلئ الرئة بالهواء كما في الحالة الطبيعية، تمتلئ بالقيح والسوائل التي تتجمع في حويصلات الرئة مما يخرب وظائف الرئة الفيزيائية وبالتالي يعيق دخول الهواء بالطريقة الطبيعية.

وللتعرف على هذا المرض، علينا تتبع السلسلة الزمنية الخاصة به التي تستعرض بإيجاز ووضوح الأحداث التي يمكن للمريض أن يمر بها حسب التسلسل الزمني، وتلقي الضوء على كل حدث منها ليتسنى للمريض أي يعي ما يحدث له.

وتبدأ هذه السلسلة بتوفر الأسباب التي تهيئ البيئة الخصبة لهذا المرض للتمكن من رئة المريض، ومن ثم تتفشى في نسيج الرئة لتجعل التنفس عملية مؤلمة صعبة وتظهر الأعراض حسب شدة السبب ودرجة التفشي في نسيج الرئة.

حقيقةً هذه السلسلة هي أساس التعامل مع هذا المرض، ولكن هذا لا يعني التغاضي عن تفاصيل مهمة في كل حدث في هذه السلسلة لجعل ما يقوم به الطبيب اّمناً على حياة المرضى.

ولكن السؤال الآن هو كيف يبدو شيء كهذا واضحا، في أحداث متسلسلة ممكن تحليلها والحذر منها، مع أنه على رأس قائمة الأمراض القاتلة للأطفال في العالم.

ويكمن التفسير في الكشف عن سر فتك هذا المرض بالأطفال من خلال استعراض الأسباب التي تهيئ البيئة الخصبة لهذا المرض، أهمها قدرته القوية على الانتشار بين الأطفال، وسرعته بالتأثير سلباُ على الوظيفة الفيزيائية الطبيعية لعمل الرئة فتتدرج من كحة إلى صدور أصوات تنفسية غير طبيعية خلال عملية الشهيق والزفير، وتصاحب ذلك أعراض عامة أخرى كالحمى الشديدة، وكقلة الشهية وتناقص درجة الوعي عندما يكون مستوى الرعاية الطبية مكثفاً.

وتظهر نفس الأعراض لدى الكبار ولكن بصورة أوضح وأبطأ من الأطفال، مع توفر عامل الوقت للتدخل الطبي مقارنة بالأطفال.

وبداية يتناول الطبيب صورة المرض التي تظهر على المريض من أعراض ومدتها والنظر في مدى ترابط الأعراض المرضية مع بعضها البعض، والتي تعكس مدى تأثر نسيج الرئة بالالتهاب ومن ثم فحص المريض سواء كان طفلاُ أم كبيراً يعتمد على الفحص السريري، التحاليل الطبية لتحديد الميكروب المسبب، والفحص بالأشعة السينية لكشف موقع النسيج المعطوب في الرئة والذي له دلالات مهمة في تحديد السبب.

وعلى سبيل المثال تتميز بكتريا الإستربتوكوكس بإصابة فص واحد من الرئة وإذا ما تعدى إلى أكثر من فص دخل المريض في حالة حرجة قد تصل للعناية المركزة.

عندما تتجمع المعطيات أمام الطبيب من أعراض وتحاليل تشخيص الالتهاب الرئوي، ينتقل إلى مرحلة هامة للمريض، ألا وهي تحديد مدى كثافة المراقبة الطبية اللازمة، التي تعتمد على عدة عوامل أهمها تقييم وظيفة الرئة فيزيائياً، من خلال الفحص السريري، ومراقبة غازات الدم، ومدى أوكسجين الدم بالملاحظة المستمرة للشاشة المتصلة بالمريض.

فإذا ما حدد الطبيب ضرورة دخول المستشفى تعين تحديد أي مستوى من العناية الطبية والتي تتدرج من العناية المركزة إلى المتوسطة إلى العادية، ومدى تركيز الأوكسجين الممنوح للمريض في كل منها.

وبمجرد دخول المريض للمستشفى ويخضع للمراقبة الطبية، تكون عادة الثمانية والأربعون ساعة هي الأكثر خطورة، ففيها يقيم الطبيب مدى تدهور الحالة المرضية، وسرعة استجابة المريض للعلاج، وإلا فسيخضع المريض لفحوصات أكثر تعقيداً وتكلفة مثل المنظار القصبي وقد يستدعي أخذ عينة خلال إجراء المنظار القصبي لأخذ عينات خاصة لمختبر الميكروبيولوجي، ومختبر الأورام، ومختبر الدرن الرئوي.

ومن خلال النتائج يتوصل الطبيب المعالج إلى أسباب عدم أو بطء استجابة المريض للعلاج، وتعمل هذه الفحوصات المعقدة على مساعدة الطبيب في اتخاذ قرارات هامة تؤثر في حياة المريض بشكل كبير.

وشيئاً فشيئاً تتضح هذه المراحل في السلسلة الزمنية المذكورة سابقاً لتحديد المرحلة التي تعرض على الطبيب المعالج، ليس فقط لغرض العلم بما يجري، بل ليجعل المرض في معايير موضوعية يمكن فهمها والسيطرة عليها بأسس علمية طبية في خطة علاجية كاملة، يشارك فيها الطبيب والمريض وعائلته بالدعم الكامل.

وجدت الدراسات أن المرضى الذين يكونون على دراية كافية بمرضهم أكثر تعاوناً وتأقلماً مع العلاج، هذا بالإضافة إلى دور الأسرة في تشجيعهم وزرع الأمل بالشفاء وخاصة في الحالات التي تتطلب عزلاً مؤقتاً في المستشفى وإبتعاد المريض عن أسرته وعمله مما يؤثر عليه سلباً.

تعتبر هذه السلسلة الزمنية لمرض الالتهاب الرئوي الحاد من الأدوات التي يمكن استخدامها بسهولة ووضوح في التعامل مع المرضى أو مع أسرهم لكي يتم إعدادهم طبياً لفهم المرحلة التي يمر بها المريض، وهي باستخدام السلسلة الزمنية للمرض نفسه بحيث يكون المريض و عائلته على علم بمجريات الأمور وكيفية استجابة المريض للعلاج سواء كان المريض في البيت أم في المستشفى.

وذلك إن التقليل من خطورة هذا المرض قد تكون عواقبه وخيمة، فهناك الكثير من الأهالي الذين يعتبرون الطفل لا يريد الذهاب إلى المدرسة أو مجرد كحة وتزول، على الأهل الذين يعتبرون أقل القليل من المعلومات الطبية شيئاً كافياً للحكم على أعراض أي مرض، وهناك على العكس تماماً فكثير من المرضى الرجال يعتبرون أن الذهاب للطبيب هو فقط عند حدوث الأزمات وليس عند مجموعة عوارض حمى وكحة، فهي بالنسبة لهم زكام إلى أن يثبت العكس، ومعظمهم لا يصل إلى المستشفى إلا بعد أن ينخر الالتهاب الرئوي بنسيج الرئة مما يؤدي إلى أخطر مراحل الالتهاب الرئوي الحاد ألا وهو علامات تليف نسيج الرئة الذي لا ينفع معه إلا التنفس الصناعي بمقاييس عنيفة لتغطية احتياج الجسم للأوكسجين وخطر الموت يكون قاب قوسين أو أدنى.

هذا بالإضافة إلى المضادات الحيوية العنيفة والتغذية الوريدية وعلاجات أخرى تطلب حسب حاجة المريض.

الأحداث المتسلسلة السلسلة الزمنية

الأول الأسباب التي تهيئ البيئة الخصبة لزيادة خطر الإصابة

الثاني دخول الميكروب (فيروس، بكتيريا)

الثالث التهاب نسيج الرئة وظهور الأعراض

الرابع تفشي الالتهاب وانتشاره في نسيج الرئة.

الخامس التحاليل واكتشاف نوع الميكروب

السادس الفحص وتقييم شدة وطأة الالتهاب على نسيج الرئة.

الخامس بداية العلاج وتحديد مدى كثافة الرعاية الطبية اللازمة.

السادس تحديد ومراقبة مدى استجابة المرض على العلاج

السابع تقييم علامات التعافي ومراحل شفاء نسيج الرئة من خلال عودة أدائها الوظيفي.

الثامن الوقاية والتثقيف الصحي.

إعداد الدكتورة: شيخة المهيري