قالت نشرة اقتصادية صادرة عن غلوبل هاوس في البحرين امس إن دبي استطاعت استقطاب العصب الاقتصادي والاستثماري من مناطق العالم أجمع، لا سيما من أوروبا، بالتزامن مع قيام المشروعات العملاقة وتجهيز البنية التحتية. وأضافت: نبتت المدينة «المعجزة» فوق الرمال، ومن دون أي اعتماد على النفط، لأن 9, 7% فقط من موازنتها تأتي من الذهب الأسود، في حين تقدم التجارة وقطاع الخدمات الباقي.
تحولت دبي في أقل من 20 عاما إلى مركز تجاري ومالي عالمي، ومقر سياحي وترفيهي إقليمي لا يضاهى. سحبت وبقوة البساط من تحت أرجل مراكز مالية وسياحية وتجارية عريقة، فبدأت «المؤامرة» لضربها، لطعن النموذج، لأنه عربي، ولأنه قطع الخط المباشر الذي كان ممدودا بين «المقتدرين» من أبناء المنطقة، وبين مدن أوروبا.
وكانت دبي ولاتزال مثار حسد دول العالم، حيث قلدتها كثير من البلدان في أفكارها، مثل المناطق الحرة والمراكز المالية، وخطط تجهيز البنية التحتية المتقدمة، والترحيب برأس المال والخبرة الأجنبيين.
كما أنها سبقت الكثير من الدول في ممارسات شفافية الأعمال، حيث أنجزت في 10 سنوات ما عجزت عنه دول متقدمة في 50 عاما.
وهنا سنختلف مع معظم المحللين الماليين والاقتصاديين فيما يدور بالمنطقة، حيث لا نرى احتمالا يذكر لنشوب أزمة عالمية ثانية، نتيجة «ديون دبي»، كما نتوقع تأثيرا محدودا على الأسواق المالية بمختلف أنواعها، لكن ذلك يحتاج إلى بعض الوقت، حتى تمتص صدمة المبالغة التي روج لها الإعلام الغربي.
جوانب سوقية
والمراقبون لاحظوا أن ما أصاب البورصات الخليجية الأسبوع الماضي من تراجع بنسب تراوحت بين 2% و8% بما فيها دبي وأبوظبي، جاء بسبب ارتفاع العرض مقابل الطلب فقط، والذي يعود لمحاولة هروب المستثمرين الأجانب (الغربيون) الذين هم ودولهم وإعلامهم وسياسيوهم السبب الرئيسي وغير الرئيسي والمباشر وغير المباشر بما يثار حول دبي.
ومضت النشرة تقول: هل 80 مليار دولار، قادرة على هز الاقتصاد العالمي ؟، وهي ديون الإمارة بالكامل، في حين يصل ما يترتب على شركة «دبي العالمية» صاحبة المشكلة 59 مليارا، والذي تم الطلب لتأجيله حاليا 5, 3 مليارات فقط ؟! إذن ماذا نقول عن تريليونات الدولارات التي تبخرت في السوق الأميركية والبريطانية أبان الأزمة. أين «ليمان براذرز» وشركة «ايه اي جي» للتأمين وشركات السيارات وغيرها ؟ أضف إلى ذلك ان حكومة دبي قالت أنها تريد جدولة، أو تأجيل سداد هذه المليارات وهي مستحقة على شركتين تابعتين «دبي العالمية» و«نخيل» وليس إعدامها.
والأسواق التي قامت ولم تقعد، تعي تماما سهولة هذا الأمر في عالم المال، وهناك تجارب كثيرة حدثت في دول العالم بما فيها الرأس الأكبر، أميركا. فضلا عن أن دولة مثل أيسلنده كانت أعلنت إفلاسها بالكامل، ولكن لم يحدث في الأسواق ما يحدث من جراء ديون دبي.
رؤية حكيمة
عادت حكومة دبي بعد الهزة المبالغ فيها جدا، التأكيد وبشدة على ضرورة فصل ديون «دبي العالمية» و«نخيل» عن ديون الإمارة ككل، إلا أن بعض وكالات الأنباء والصحف والمواقع الالكترونية تجاهلوا ذلك. وعند الحديث عن الأموال.. لا أحد يستطيع الإنكار بأن دبي لديها من الأصول ما يكفيها للخروج من الأزمة وإخراج الدول المجاورة معها.
وعقب الأزمة بيومين، خرج مدير عام الدائرة المالية بحكومة دبي عبد الرحمن الصالح ليؤكد أن الحكومة لن تضمن ديون شركة دبي العالمية وان الدائنين سيتأثرون على المدى القصير جراء إعادة هيكلة المجموعة. وأضاف «ينبغي للدائنين المشاركة في تحمل مسؤولية قراراتهم بإقراض الشركات». وقد يكون لهذا الكلام دلائل كبيرة وواضحة.
وشهد شاهد
هناك بعض المنصفين، فقد قال أحد أبرز المعلقين على الشؤون الاقتصادية وقطاع الأعمال في بريطانيا ويدعى جيرمي وارنر، إنه «إذا ما تم وضع الأمور في نطاقها الصحيح، فإن مشاكل الديون التي تمرّ بها دبي لا تستحق كل هذه الضجة. وأضاف في مقال رأي كتبه في صحيفة (الدايلي تلغراف) البريطانية أن» ديون دبي السيادية التي تبلغ قيمتها الإجمالية 80 مليار دولار، تعتبر عديمة الجدوى بالنظر إلى تريليونات الدولارات التي يتم تجميعها من جانب الاقتصاديات المتقدمة لسد العجز المالي.
المشكلة إذن تكمن في أنها (أي دبي) نموذج عربي ناجح، ساهم إلى حد كبير في إنهاء حفلة أو زمن «شفط» الأموال. نحن نجزم أنها «مؤامرة، مبيتة وعن سابق إصرار وترصد».
صعود النجم
وصعود نجم دبي جاء «تقريبا» بعد خروج بريطانيا من هونغ كونغ عقب استعمار لمدة 99 عاما، والتي كانت أقامت فيها مركزا ماليا كونها جزء من الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس. ما يعني أن «الثعلب» الأوروبي بدأ يفقد مصادر تمويلية، وبدأ الخوف يتملكه.
البريطانيون كانوا الأكثر «حقدا» على دبي. وهولت الصحف في لندن المسألة.. انتقدت، وأطلقت تكهنات تشير إلى إن الديون الحقيقية ضعف ما هو مُعلن.
لغة الأرقام
الأرقام أفضل رد على المشككين، فقد اشترت أبوظبي بداية العام الجاري، وعبر البنك المركزي الاتحادي سندات بقيمة 10 مليارات دولار أصدرتها حكومة دبي، كما اشترت من خلال بنوكها الخاصة الأخرى سندات بقيمة 5 مليارات دولار. وذلك بالتأكيد يشير إلى الثقة الكبيرة بالنظام الاقتصادي الذي تسير عليه الإمارات العربية كدولة موحدة. وهنا، وفي حال اعترفنا بأن تأجيل الديون أثر بهذا الشكل على الأسواق العالمية، فأننا نؤكد حقيقة مفادها ان «دبي تتحكم بأسواق العالم وهذا يعطيها مزيدا من القوة كلاعب رئيسي، كما يبين هشاشة الاقتصاديات الغربية».
إن هذه الحملة الشرسة والغريبة في توقيتها، هدفها في الحقيقة إخافة المستثمرين الغربيين أولا وثانيا المستثمرين من بقية العالم من الاستثمار في دبي، بالإضافة إلى إعادة المستثمرين العرب إلى أحضان الغرب وبنوكه ومؤسساته الاستثمارية وأصوله ثانية بعد أن ضربت الأزمة العالمية مصداقية هذه البنوك والمؤسسات المالية والاستثمارية والأصول. وكانت غالبية مؤسساتنا وفي الطليعة دبي بمنأى عنها تقريبا.
حقيقة الموقف
أعلنت «مجموعة دبي العالمية»، أن مقترح إعادة الهيكلة، التي تتكون من 5 مراحل، يتعلق بها وببعض الشركات التابعة لها فقط، بما فيها شركتا «نخيل العالمية» و«ليمتلس العالمية».
وقالت المجموعة انها تخطط لإعادة هيكلة بعض وحداتها بما في ذلك شركة «نخيل» لتطوير العقارات في تحرك يشمل 26 مليار دولار من الديون.
وأوضحت أن عملية إعادة الهيكلة لن تشمل «انفينيتي العالمية القابضة» و«استثمار العالمية» و«عالم الموانئ والمناطق الحرة» وكلا من شركاتها التابعة «موانئ دبي العالمية» و«عالم المناطق الاقتصادية» وبي أند أو ومنطقة جبل علي الحرة والتي تتمتع جميعها بوضع مالي مستقر. وعينت المجموعة شركة «موليز آند كومباني» لتقديم الاستشارات بشأن إعادة الهيكلة إلى جانب شركة «روثتشايلد» والتي ستستمر في دورها الحالي كمستشار مالي.
وكان مسؤولون ماليون في حكومة دبي أكدوا أن «ديون والتزامات المجموعة ليست مضمونة من الحكومة باعتبار إنها شركة تجارية مستقلة، رغم ملكية الإمارة لها».
المشروعات تستمر
وتبدو مجموعة دبي العالمية غير آبهة مطلقاً بالضجيج العالمي، فقد افتتحت حديثا، واحداً من أضخم الفنادق الفارهة بمدينة «لاس فيغاس» الأمريكية. وفندق «فيدارا» هو جزء من مشروع ضخم تبلغ قيمته 8 مليارات دولار، تنفذه «دبي العالمية» هناك. ورفضت مجموعة دبي العالمية على نحو قاطع خلال الأشهر الماضية بيع عدد من الأصول الاستثمارية والعقارية الجيدة بأسعار متدنية تحت ضغط الحاجة الملحة إلى السيولة.
حيث أكدت أن عمليات بيع الأصول لابد أن تتم بطريقة تجارية منصفة بما يحقق الأهداف الإستراتيجية للمجموعة على المدى الطويل بعيدا عن الضغوط الاقتصادية الطارئة.
مدى التأثير
عبر بأن التأثير سيطول أسواق دول الخليج الأخرى، فهي استطاعت تجاوز الأزمة الائتمانية كونها تتمتع بملاءة مالية عالية وباقتصاد قوي يعتمد - في أغلبه - على النفط، الذي ما زال يتدفق ويباع بأسعار معقولة يحول حول 73 دولارا للبرميل - فكيف الحال في زوبعة الفنجان التي حدثت في دبي.
يضاف إلى ذلك إن دول مجلس التعاون تنتهج نماذج تنمية اقتصادية مختلفة جدا عن بعضها البعض، وإن كان يبدو في الظاهر أنها متوحدة في سياساتها الاقتصادية.
وعودة إلى قوة ومتانة اقتصاديات هذه الدول، فمن المعلوم أن السعودية على سبيل المثال - من بين أقل الدول الأعضاء في مجموعة العشرين مديونية حيث لم تتعد ديونها الداخلية العام الماضي 4, 13% من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة ب81% للهند و50% للولايات المتحدة.
لذلك فانه من المستبعد جدا، أو من غير الوارد أن يؤثر تأجيل الديون لمدة 6 شهور وهي مدة قصيرة في قياسات أسواق المال أن تؤثر على التوقعات الإيجابية بالنسبة للاقتصاديات الصاعدة في المنطقة في الأمد الطويل وحتى القريب والمتوسط.
أهم أصول دبي
* طيران الإمارات: تعد من أقوى شركات الطيران في المنطقة، وكانت قدمت طلبيات بقيمة 55 مليار دولار لطائرات من بوينغ وايرباص. وتصدرت الشركة جهود تحويل دبي إلى مركز دولي وكانت تقترب من بيع اسهم محتمل قبل حدوث الأزمة المالية العالمية.
* دبي للألمنيوم «دوبال»: تأسست شركة إنتاج الألمنيوم عام 1979 وأصبحت واحدا من اكبر المنتجين والمصدرين للمعدن في العالم. وفي عام 2006 دخلت في مشروع مشترك مع مبادلة للتنمية وهي شركة استثمار مملوكة بالكامل لحكومة أبوظبي لبناء واحد من اكبر مصاهر الألمنيوم في العالم.
* بورصة لندن: حصلت دبي على حصة 21% من بورصة لندن في نوفمبر 2007. وفي يونيو الماضي قالت أنها تعتبر استثمارها في بورصة لندن كاستثمار طويل الأجل وليست لديها خطط للبيع.
* اتش.اس.بي.سي: اشترت الذراع الاستثمارية لشركة دبي انترناشونال كابيتال وهي شركة مملوكة لحكومة دبي في 2007 حصة لم يكشف عنها في «بنك اتش.اس.بي.سي» مما جعلها واحدا من اكبر المستثمرين في أكبر البنوك الأوروبية. وأنشأت دبي انترناشونال كابيتال في 2006 صندوقا يهدف إلى شراء حصص في بعض من اكبر الشركات المدرجة في العالم.
* دويتشه بنك: اشترت استثمارات مركز دبي المالي العالمي حصة 2, 2% في «دويتشه بنك» الألماني في 2007 في صفقة قيمتها حوالي 83, 1 مليار دولار.
* شركة سوني :اشترت دبي انترناشونال كابيتال من خلال صندوقها للأسهم الإستراتيجية العالمية حصة مؤثرة في شركة الالكترونيات والترفيه اليابانية في 2007 فيما وصف في ذلك الوقت بأنه استثمار مهم.
* شركة الدفاع الجوي والفضاء الأوروبية: اشترى صندوق الأسهم الإستراتيجية العالمية حصة 2, 13% من الشركة الأم لطائرات إيرباص مما جعله واحدا من اكبر المؤسسات المستثمرة في مجموعة الفضاء الأوروبية.
أصول دبي العالمية
* موانئ دبي العالمية: واحدة من اكبر شركات تشغيل الموانئ في العالم ويمكن القول أنها درة التاج في خزانة مقتنياتها. وكان إصدارها العام الأولي في 2007 أكبر إصدار في المنطقة حتى الآن وجمعت من خلاله حوالي 5 مليارات دولار.
وسعت الشركة إلى طمأنة المستثمرين يوم 26 نوفمبر على أنها ليست جزءا من إعادة هيكلة دبي العالمية.
*ستاندرد تشارترد: اشترت استثمار العالمية وهي الذراع الاستثمارية لدبي العالمية نسبة تصل إلى 7, 2 % من بنك «ستاندرد تشارترد» بقيمة بلغت نحو مليار دولار في أكتوبر 2006. وأشار البنك إلى إن تعرضه لدبي العالمية لن يكون مهما.
* ام.جي.ام ميراج : استثمرت دبي العالمية في 2007 حوالي 5 مليارات دولار في شركة «ام.جي.ام ميراج» من خلال شراء أسهم ونصف مشروع في لاس فيغاس بقيمة 5, 8 مليار دولار.
* بارنيز: اشترت استثمار العالمية سلسلة «بارنيز» الأميركية لسلع التجزئة الفاخرة مقابل 942 مليون دولار في 2007. وتعاقدت «بارنيز» مع مؤسسة «بريلا فاينبرغ» لمساعدتها في بحث الخيارات التي تعزز موقفها المالي.
*بريلا فاينبرغ: استثمرت شركة استثمار العالمية حوالي 100 مليون دولار في بنك الاستثمار «بريلا فاينبرغ».
* سيرك دو سولي: اشترت شركتا نخيل لتطوير العقارات واستثمار حصة 20% في شركة جولات السيرك الدولية ومقرها مونتريال في يونيو 2008 وخططت لبناء مسرح مع المجموعة على جزيرتها الصناعية الرئيسية التي تتخذ شكل السعف.
* مضمار الغولف تيرنبري: اشترت «ليغركورب» وهي وحدة استثمارات الترفيه والرياضة التابعة لدبي العالمية مضمار الغولف «تيرنبري» من شركة «ستاروود» للفنادق والمنتجعات في نوفمبر 2008 مقابل حوالي 100 مليون دولار.
تسهيل إضافي لسيولة البنوك
طرح المصرف المركزي في وقت سابق تسهيلا لتعزيز السيولة في النظام المصرفي. وأكد البنك أنه يتيح للبنوك المحلية والأجنبية العاملة في الدولة تسهيلا إضافيا خاصا للسيولة يرتبط بحساباتها الجارية لديه، مبينا أن سعر التسهيل يزيد 50 نقطة أساس على السعر المعروض بين بنوك الإمارات (ايبور) لثلاثة أشهر. وعاد المركزي ليؤكد ان النظام المصرفي في البلاد أكثر ملاءة مما كان عليه قبل عام. وتؤدي هذه القرارت عادة إلى طمأنة الأسواق خصوصا ما يتعلق بالمودعين، كما انه يدعم السيولة والسلامة العامة للنظام المصرفي.
19.1
ضخت وزارة المالية في العام الماضي 8, 6 مليارات دولار كودائع في البنوك كشريحة أولى من تسهيل انقاذ بقيمة 1, 19 مليار دولار طرحته لمساعدة البنوك في التغلب على الازمة الائتمانية العالمية. (البيان)
