تواجه منظمة الدول المصدرة للنفط أوبك تحديات كبيرة أبرزها تذبذب أسعار صرف الدولار الأميركي الذي يستخدم كعملة معيارية في التبادلات السوقية للنفط إضافة إلى مستقبل الطلب العالمي. ومع اقتراب موعد اجتماعها المقبل في العاصمة الأنغولية لواندا في الثاني والعشرين من الشهر الجاري بدا أن الحديث عن سياسات الإنتاج أمر شبه محسوم إذ بات الهم الأساسي ينصب في اتجاه عناصر أخرى مثل أوضاع الاقتصاد العالمي ومستقبل الاستهلاك إضافة إلى التحدي الآخر المتمثل في الجهود التي تبذلها بعض الدول المستهلكة والتي تسعى إلى فرض المزيد من الضرائب على المشتقات البترولية الأمر الذي ينعكس سلباً على الطلب العالمي.

وعلى الرغم من أن انخفاض الدولار يؤدي إلى رفع أسعار النفط وهو أمر قد ينظر إليه من الوهلة الاولى على انه عنصر ينصب فب مصلحة المنتجين إلا أن ارتباط العملات المحلية لمعظم البلدان المصدرة بالدولار يلقي بظلال قاتمة على اقتصادات تلك الدول حيث يرفع فاتورة وارداتها بشكل كبير ويشكل بالتالي عجوزات ملحوظة في موازينها التجارية.

كما يتمثل الخطر الآخر في رفع درجة المضاربات حيث يصبح النفط رخيصاً مقارنة بالسلع المقومة بالعملات الأخرى وهنا يتأتى الخطر غير المباشر المتمثل في خفض الاستثمارات وتراجع القوة الشرائية لدى الكثير من البلدان.

توقعات الطلب

وفي حين أن معظم المسوحات التي أجريت خلال الفترة الأخيرة توقعت أن يتجاوز الطلب على النفط العالمي معدل نمو المعروض منه في 2010 مما سيقلص المخزونات الضخمة من الخام التي ارتفعت على مستوى العالم منذ بدء الازمة المالية العالمية، إلا أن هنالك أمر آخر يجب على أوبك أن تأخذه في الحسبان وهو زيادة الإنتاجية من دول أخرى لا تنضوي تحت لوائها.

ومن المتوقع أن ينمو إنتاج الخام من خارج أوبك بنحو 800 ألف برميل يومياً أو أكثر خلال السنوات المقبلة. ومن المتوقع أن يبلغ الإنتاج من خارج أوبك في المتوسط 51 مليون برميل يومياً في عام 2010 ارتفاعاً من 8, 50 مليون برميل يومياً. وتوقع أحد أحدث المسوحات أن يرتفع الطلب على النفط 3, 1 مليون برميل يوميا العام المقبل الى 9, 85 مليون برميل يوميا.

لكن كل ذلك يرتبط بشكل أساسي بمستقبل النمو العالمي الذي تتضارب التقارير المتخصة بشأن تقديراته. ويرى معظم المحللين أنه إذا استمرت الاقتصادات في تحقيق الأداء الجيد الذي حققته خلال المراحل الأولى من الانتعاش فإن مستويات الطلب ستكون بحلول 2011 عند مستواها في عام 2008 أو أعلى منه.

استراتيجيات المنظمة

وعلى الرغم من النجاحات التي حققتها المنظمة خلال العقود الخمسة الماضية خصوصاً في مجال تأثيرها على الأسواق إلا أن العديد من المراقبين يرون أن استراتيجيات المنظمة بحاجة إلى تعديل يواكب المتغيرات الحالية في الاقتصاد العالمي. ومرت أوبك خلال السنوات الأخيرة بالعديد من النكبات التي اجتازت بعضها بنجاح كبير.

وكان من أبرز تلك النكبات الانهيار المفاجئ في أسعار النفط في نهاية تسعينات القرن الماضي. واستطاعت المنظمة كذلك إدارة علاقتها بنجاح مع المستهلكين وشاركت في عدة حوارات معهم استضافتها العواصم الغربية خلال السنوات العشر الماضية.

ورغم أن المحللين يرون انقساماً في مواقف دول أوبك صنفوه على أساس معسكري الحمائم والصقور إلا أن الواضح هو أن أعضاء المنظمة غالباً ما يتفقون على سياسات معقولة عندما يجتمعون سواء كان في ظل ظروف عادية أو استثنائية.

وكان تقرير سابق لمركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية أكد أن المنظمة تواجه في الوقت الراهن ثلاثة تحديات رئيسية ، تتعلق بأسعار النفط وحصص الإنتاج والإبقاء على تسعيرة النفط بالدولار.

مشيراً إلى أن هذه التحديات ستشكل محور المشاورات بين الأعضاء خلال الفترة المقبلة. والواقع أن تدهور الدولار خلال الفترة الماضية اثار قلق المنتجين والمستهلكين على السواء، وخلال الشهرين الماضيين وصل معدل ما فقده الدولار من قيمته إلى نحو 13% الأمر الذي أحدث ارتباكاً كبيراً في أسواق السلع والموارد الأولية وفي مقدمتها النفط.

مستويات الأسعار

وقال علي النعيمي وزير النفط السعودي إن أوبك لن تغير مستويات الانتاج المستهدفة في اجتماعها الوزاري في أواخر هذا الشهر. وفي ظل أسعار النفط التي تحوم حول 75 دولارا للبرميل قال العديد من وزراء النفط في أوبك: انه ليس هناك حاجة لدول المنظمة لتغيير مستويات انتاجها النفطي في الاجتماع المقرر عقده في 22 ديسمبر.

وأوضح: لن يحدث شئ ولا تغيير في الانتاج فالاسعار النفطية في الوضع المنشود والاسواق هادئة. ووصف النعيمي الأسعار الحالية للنفط بأنها مستقرة ومرضية للدول المنتجة والمستهلكة.

وأبقت أوبك طوال العام على مستويات انتاجها الرسمية المستهدفة بعد قرارها في ديسمبر من العام الماضي بخفض المعروض بمقدار 2, 4 مليون برميل يوميا مقارنة مع سبتمبر 2008. ولا تزال أسعار النفط منخفضة جدا عن ذروة ارتفاعها في يوليو 2008 حينما بلغت نحو 150 دولارا للبرميل.

المصالح المشتركة

وفي ظل سعر النفط الحالي قرب 75 دولارا للبرميل قال الوزراء انه لا حاجة الى قيام منظمة البلدان المصدرة للبترول أوبك بتغيير أهدافها للانتاج عندما تعقد اجتماعها المقرر في أنجولا في وقت لاحق من هذا الشهر. وقال وزير النفط المصري سامح فهمي انه يتعين حماية مصالح الدول المنتجة والمستهلكة للنفط. وقال نائب وزير الطاقة والنفط الجزائري عبد الله بن حمد انه تم اقرار ميزانية عام 2010 بالاضافة الى تقديم التزام بالعمل معا.

وأوضح: أعتقد اننا ناقشنا الموضوعات المطروحة في البرنامج وأعتقد أننا وافقنا على ميزانية عام 2010. وكان لدينا أيضا بيان موجز بشأن قضايا كثيرة مثيرة لقلقنا في اجتماع كوبنهاجن القادم والسبل التي يمكن لكل الاعضاء من خلالها العمل معا لتعزيز بعضهم البعض فيما يتعلق باي قرارات يمكن ان تؤثر على مواردنا الطبيعية.

أمعنا النظر كذلك في كل الدراسات التي اجرتها المنظمة في العام الماضي ونشعر بالارتياح ازاء أداء المنظمة. وأبقت أوبك أهدافها الرسمية للانتاج دون تغيير على مدار العام منذ أعلنت في أواخر ديسمبر الماضي عن خفض قياسي في الامدادات بلغ 2, 4 مليون برميل يوميا مقارنة مع مستويات سبتمبر 2008.

ولاتزال أسعار النفط دون ذروة يوليو 2008 عندما اقتربت من 150 دولارا للبرميل. لكن وزير الطاقة والمناجم الجزائري شكيب خليل قال انه في ضوء الوضع الحساس للاقتصاد العالمي وانتعاش سوق النفط من مستوياتها المتدنية قرب 30 دولارا التي لامستها في ديسمبر الماضي فقد لا ترى المنظمة حاجة الى رفع الانتاج لبعض الوقت.

وقال فهمي إن هناك تحديات معقدة في الطريق. وأضاف: مزيد من التحديات في الواقع هنالك مزيد من التحديات المعقدة. منذ سنوات طويلة حتى الان ونحن نتحدث عن الاسعار، منذ عشرين او ثلاثين عاما منذ السبعينات والثمانينات والتسعينات وربما بداية هذا القرن لكن لم يتحدث أحد عن تأمين الامداد ولم يعد أحد يتحدث الآن عن الاسعار. تأمين الامداد فحسب، هذا هو التحدي في المستقبل.

اتفاق جماعي

وقال منتجون اخرون في أوبك انهم يتوقعون أن تبقي المنظمة على الانتاج دون تغيير عندما تعقد اجتماعها القادم. وقال وزير النفط البحريني عبد المحسن بن علي ان اسعار النفط يتعين ان تكون عادلة لكل من الدول المنتجة والمستهلكة.

وسيضطلع اجتماع أعضاء أوبك الاثنى عشر في لواندا بمهمة الموازنة بين فائض ضخم في المعروض ومخاطر أن ترفع أي زيادة في الطلب على النفط أسعار الخام وتتسبب في متاعب للاقتصاد العالمي. ومما يدعو للقلق أيضا مضاربات محتملة في السوق. ويرى بعض المحللين أن الاسعار ينبغي أن تكون عند مستويات أقل بالنظر الى حجم الفائض النفطي وهو ما قد يبرر زيادة في الانتاج لتفادي ارتفاع السعر الى مستويات قد تعرقل الانتعاش الاقتصادي وتدمر الطلب.

ولا تحدد أوابك السياسة لاعضائها. ودعا بيان صدر في نهاية اجتماع عقد في القاهرة أول من أمس السبت الى مزيد من التعاون بين الاعضاء وقال ان الوزراء بحثوا تأثير الازمة الاقتصادية العالمية على سوق النفط. ودول أوابك السبع الاعضاء في أوبك أيضا هي الإمارات والجزائر والعراق والكويت وليبيا وقطر والسعودية. والاعضاء الثلاثة الاخرون في أوابك هم البحرين ومصر وسوريا.

(الوكالات)