أكد خبراء أن التجارة العالمية تقف في مفترق الطرق مشيرين إلى أن مراجعة تجري العام القادم بشأن امكانية التوصل الى اتفاق في جولة الدوحة في عام 2010 هي أهم ما تمخض عنه اجتماع منظمة التجارة العالمية الاسبوع الماضي ويشكل الخطوة الرئيسية التالية في محادثات التجارة الدائرة منذ ثماني سنوات. ولم تكن مفاوضات جولة الدوحة على جدول أعمال الاجتماع الذي أراد باسكال لامي المدير العام لمنظمة التجارة أن يكون خاليا من المنغصات.
مشكلات التفاوض
وجاء الاجتماع الذي عقد في هدوء متناقضا مع اجتماعات سابقة للمنظمة صاحبتها أعمال شغب ومشاكل في التفاوض مما حدا ببعض النشطاء المناوئين للعولمة الى اعلان موت جولة الدوحة. ويرى كثير من الاقتصاديين وواضعي السياسات التجارية أن على منظمة التجارة تحديث جدول أعمال الدوحة لمعالجة قضايا مثل التغيرات المناخية والامن الغذائي الى جانب اصلاح أسلوب العمل بها بما يخدم مصالح الدول النامية على نحو أفضل. وثمة اقرار بأن قواعد المنظمة ربما حالت دون انجراف العالم في خضم الازمة المالية الى اجراءات للحماية التجارية على غرار ما شهده عقد الثلاثينيات وهو ما عزز أيضا الدعم للتوصل الى اتفاق جديد للتجارة.
الزراعة والخدمات
ويصر لامي ووزراء التجارة الذين حضروا الاجتماع على أن مفاوضات الدوحة المعقدة لتحرير وتنظيم التجارة في 20 مجالا من الزراعة والسلع المصنعة الى الخدمات ومصايد الاسماك تحرز تقدما. وقال اندريس فيلاسكو وزير مالية تشيلي الذي رأس اجتماع جنيف ان قيمة التجارة من حيث المنفعة المتبادلة تصبح اكثر وضوحا مع انطلاق التعافي من الازمة. واضاف : هناك رغبة قوية لدى الاعضاء للمضي قدما وأود أن أقول ان الاهمية التي نوليها جميعا لثمار تحرير التجارة قد عززتها كثيرا أحداث الثمانية عشر شهرا الماضية. وقال لامي ان من اللافت أن الدول النامية مع اصرارها على أن يراعي أي اتفاق مصالحها هي الان الاعلى صوتا في المطالبة بالتوصل الى اتفاق في جولة الدوحة. ومضى قائلا: ما تغير هو أن هناك المزيد على طاولة التفاوض وأن قيمة النظام زادت.
التعرفات الجمركية
وتحمل الدول النامية ولاسيما الاقتصادات الصاعدة المتقدمة الدول الغنية وخصوصا الولايات المتحدة مسؤولية عدم تحقيق تقدم. ووقعت مجموعة من 22 بلدا ناميا اتفاقا فيما بينها الأسبوع الماضي لخفض التعريفات الجمركية وتعزيز التجارة بين دول الجنوب وذلك في تناقض حاد مع عدم تحقيق تقدم واضح في جولة الدوحة. وقال وزير التجارة المصري رشيد محمد رشيد: اننا في وضع غير عادي بالمرة اذ أن الدول النامية هي التي تدعو الى تحرير التجارة والدول المتقدمة هي التي تقاومه.
ويقول رشيد وعدة وزراء من اقتصادات صاعدة أخرى ان المشكلة هي أنهم لا يعرفون ما الذي تريده واشنطن بالضبط. ومما يعزز هذا الانطباع أن لدى ادارة الرئيس الامريكي باراك أوباما أولويات سياسية أخرى في الوقت الحالي.
مزايا التجارة
وقال وزير التجارة الاسترالي سايمون كرين: ينبغي أن تقنع الناس بمزايا التجارة هذا حقيقي لكن عندما تحاول اقناعهم بمزايا برنامج للرعاية الصحية يصبح من الصعب القيام بالامرين معا في نفس الوقت. ويقول الممثل التجاري الأميركي رون كيرك ان تركيز واشنطن انصب في الاشهر الستة الماضية على محاولة تغيير بنود مناقشات لم تحقق اي نتائج. ودخلت الولايات المتحدة في مواجهات مع أعضاء اخرين يصرون أن تمضي المحادثات على أساس المسودات الحالية قائلة ان مثل هذه المسودات غير مكتملة كما دعت الى محادثات ثنائية لتوضيح المواقف خارج صيغة التفاوض متعدد الاطراف لمنظمة التجارة العالمية. كما تريد الولايات المتحدة من اقتصادات صاعدة كبيرة مثل الصين والهند والبرازيل فتح أسواقها أمام الدول الغنية والنامية على حد سواء. وقال كيرك: اذا كنا نريد حقا الوفاء بوعد الدوحة ينبغي أن نكون مستعدين لتجاوز مناطق الامان التي حددناها لانفسنا كي نبرم هذا الاتفاق.
ومن الواضح أن المراجعة المقررة في مارس القادم أو نحو ذلك ستخلص الى أن هدف 2010 الذي وضعه الزعماء السياسيون غير ممكن ما لم يتمكن المفاوضون من اصدار نسخة محدثة من نصوص المسودات لسد المزيد من الفجوات. وسيتطلب هذا جرعة كبيرة من الارادة السياسية من حكومات 153 دولة أعضاء منظمة التجارة العالمية لدفع المفاوضات في جنيف وابرام اتفاق نهائي. لكن وزيرة التجارة الاندونيسية ماري بانجستو تقول انه لا أحد يبدي استعدادا في الوقت الراهن لاتخاذ خطوة حاسمة اذ يعتقدون أن الاطراف الاخرى غير مستعدة وهو مأزق تفاوضي تقليدي.
وقال كيرك ان الناس اعتبروا مزايا التجارة بالنسبة للمستهلكين شيئا مفروغا منه وهو ما يبقي النقاش مفتوحا لمن يشككون في اثارها على البيئة ومعايير العمالة والوظائف. من المهم اظهار كيف يمكن للتجارة أن تؤدي الى ايجاد الوظائف أيضا. واضاف: عندما يمكننا الربط بين انشاء الصادرات ونمو الوظائف في الداخل فان ذلك يكون شيئا جيدا.
منازعات بالجملة
ولا تزال النزاعات التجارية تسيطر على الحيز الأكبر من الاهتمام، وواجهت الصين 101 حالة من تحقيقات المعالجات التجارية التي اطلقتها 19 دولة ومنطقة حتى يوم 3 نوفمبر هذا العام، وفقا لوزارة التجارة الصينية.
وقال مساعد وزير التجارة الصيني وانغ تشاو ان هذه التحقيقات التي تستهدف المنتجات الصينية تضم أكثر من 68,11 مليار دولار. وأضاف: الازمة المالية العالمية ادت الى تصاعد حاد في أجواء الحمائية التجارية في انحاء العالم. والصين حاليا في المنطقة المركزية لاحتكاكات التجارة العالمية.
وبحسب وانغ توسعت الحمائية التجارية ضد المنتجات الصينية من تجارة السلع الى مجالات اخرى مثل معدل صرف العملات وتجارة الخدمات وحقوق الملكية الفكرية والاستثمار. واقترح ان تحسن البلاد نظام المعالجة التجارية خاصتها، مع تعزيز قدرتها على التعامل مع الاحتكاكات التجارية بهدف ضمان سلامة الصناعة في مواجهة تحديات فترة ما بعد الازمة.
وبموجب قوانين منظمة التجارة العالمية ، يمكن للأعضاء المطالبة بإجراءات معالجة تجارية ، تضم فرض رسوم مكافحة الإغراق وضرائب مكافحة الاعانات عندما يصادفون ممارسات تجارية غير منصفة. غير ان هذه الاجراءات استخدمت بصورة متكررة كأداة لممارسة الحمائية التجارية من قبل بعض الدول في ظل الركود الاقتصادي العالمي.
(الوكالات)
