حققت بورصة دبي للذهب والسلع التوقعات التي رافقت لحظة ميلادها منذ أربع سنوات مضت، بأن تصبح واحدة من كبريات بورصات السلع في العالم، فهي وبحسب البيانات الصادرة عنها، قد تمكنت من أن تشغل المكانة الأولى في المنطقة بوصفها أول وأكبر بورصة للمتاجرة في المشتقات.

وهو ما حفز الكثير من المراقبين على التساؤل عن الكيفية التي تمكنت بها البورصة خلال فترة وجيزة من بلوغ مثل هذه المكانة الرفيعة. وبلغة الأرقام والبيانات، تتجلى معالم هذه المكانة في التقرير الصادر عن البورصة والذي يرصد حركة التداول على مدار السنوات الأربع الماضية. إذ أورد التقرير الذي حصلت «البيان» على نسخة منه، أن البورصة سجلت معدلا مبهرا في النمو، بلغ خلال العام 2006 -2007، وذلك على أساس سنوي نحو 48%، ورغم تراجع معدل النمو طفيفا خلال العام 2007 ؟ 2008 ليبلغ 26%، إلا أنها، وفي ظل تفاقم حدة أزمة الائتمان العالمية، قد سجلت خلال عام 2009 رقما قياسيا في حجم التداول بوصوله حتى 30 نوفمبر الماضي إلى 32, 1 مليون عقد.

إطار تنظيمي كفؤ وفعال

ويستعرض أحمد بن سليم الرئيس التنفيذي لمركز دبي للسلع المتعددة المستويات القياسية التي سجلتها بورصة دبي للذهب والسلع. وأخذ في التحدث بلغة الأرقام التي تعزز القناعة بأن بورصة دبي للذهب قد خطت بخطى وطيدة صوب مكانة مرموقة ضمن أكبر بورصات السلع في العالم.

ففي عام 2009 - والكلام له - شهدت بورصة دبي للذهب والسلع أحجام تداول قياسية بلغت 32, 1 مليون عقد، بقيمة بلغت 69 مليار دولار، وذلك حتى نهاية شهر نوفمبر 2009، وهو ما يفوق حجم التداول الذي سجلته خلال عام 2008 بأكمله والذي بلغ 14, 1 مليون عقد.

وواصل أحمد سليم الاستشهاد بلغة الأرقام في التدليل على المكانة العالمية المرموقة التي صارت البورصة تشغلها بقوله: إن البورصة سجلت أحجام تداول منذ إطلاقها وحتى 30 نوفمبر 2009 بلغت قرابة أربعة ملايين عقد، وأن التداول على عقود العملات الآجلة المدرجة في البورصة شهد نموا ضخما خلال العام الجاري بمعدل بلغ 88%.

وفي يوم 27 فبراير من العام الجاري، لامس التداول على عقود اليورو الآجلة مستوى قياسيا لم يسجله على مدار ثلاث سنوات، إذ بلغ 7 آلاف عقد بقيمة 427 مليون دولار، وبلغ كذلك حجم التداول خلال شهر يونيو نحو 969, 162 عقدا، بزيادة نسبتها 19% بالمقارنة مع نفس الشهر من العام الماضي، ولامس حجم التداول خلال شهر نوفمبر من العام الجاري مستويات مرتفعة طوال الوقت ليبلغ إجمالي حجم التداول 554, 190 عقدا، بقيمة بلغت 86, 10 مليارات دولار.

واستندت توقعات المحللين في تكهنهم بأن بورصة دبي للذهب ستشغل مكانة مرموقة ضمن أكبر بورصات العالم، إلى ما تتمتع به البورصة من ميزة التواجد في دولة تتمتع بمكانة مرموقة في سوق تجارة السلع على مستوى العالم، بحيث صار دارجا توصيفها بأنها أشبه ما تكون بالبوابة التي تمر عبرها حركة تجارة السلع فيما بين الشرق والغرب، علاوة على كون البورصة تشغل الحلقة الوسط بين نيويورك وطوكيو من حيث فوارق التوقيت، كما انها قريبة من الهند، ويتوافر فيها بنية تحتية متقدمة وكل هذه الأمور من شأنها أن تدفع دبي نحو تجاوز وضعيتها كمركز إقليمي للأعمال لتصبح مركزا عالميا.

وفي مستهل التحضير ـ والكلام ما زال له ـ لمشروع البورصة، كان هناك ثلاثة شركاء ليس لأي منهم مصالح خاصة بالمتاجرة في السلع والمعادن، وهم مركز دبي للسلع المتعددة وبورصة السلع المتعددة الهندية وشركة التقنيات المالية المحدودة الهندية، إي أن البورصة في الأصل هي مبادرة حكومية، وتمثل تفويضنا في توفير منصة.

وأستدرك قائلا: لقد ساهم فصل إدارة البورصة عن عمليات التداول في إكساب البورصة عنصر المصداقية، بحكم متانة تنظيمها الذاتي الداخلي وتبنيها في هذا المجال أرفع مستويات الأداء العالمية، حيث إننا نتصرف ككيان منظم، ونتولى مسؤولية تنظيم الأعضاء المشاركين في البورصة، وفي حين تتولى هيئة الإمارات للأوراق المالية والسلع مسؤولية الإشراف على عملياتنا، فإن المسؤولية التنظيمية الأساسية تقع على عاتق البورصة.

وبعيدا عن ضرب الأخماس في الأسداس في التكهن بماهية المقومات التي هيأت للبورصة إمكانية الانطلاق إلى فضاء العالمية في غضون فترة وجيزة، فانه بالإمكان التعرف على هذه المقومات من خلال تجميع المشاهد المختلفة التي تسلط الضوء على كيفية البورصة سلم البورصات العالمية.

التداول الإليكتروني

ويبرز في قلب هذه المشاهد، شفافية حركة التداول الإليكتروني، وهو ما يسلط عليه أحمد بن سليم الرئيس التنفيذي لمركز دبي للسلع المتعددة الضوء بقوله: لقد تلقينا توجيهات من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة ورئيس الوزراء حاكم دبي بأن نجعل الشفافية بمثابة ميثاق عمل للبورصة، وهذا ما أضعه نصب عيني واهتمامي على الدوام، وتحقق منصة التداول الإليكتروني الشفافية المطلوبة.

فأوامر الشراء والبيع ـ والكلام له ـ تتم في الزمن الحقيقي، حيث يتم تنفيذ نحو 20 صفقة (أوامر شراء وبيع) في أقل من الثانية.

ويبدو أن ابن سليم أعاد بذاكرته إلى الوراء، وعلى وجه التحديد إلى موضوع المضاربة في البورصة، حيث وجه سؤالا عن الكيفية التي يمكن فيها أن يضارب التاجر في ظل حركة تتداول تتم في الزمن الحقيقي، وكانت بالطبع الإجابة التي ارتسمت على شفانا بأنه توجد استحالة عملية.

هممنا بالدخول إلى المحراب المقدس أي غرفة الاشراف على التداول، وهناك، وجدنا جهازا ليس ضخم الحجم كما قاد يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى، ووقف بن سليم على بعد أشبار من الجهاز، ودخل في حالة سكون وخشوع كما لو كان أراد أن يخلد إلى نفسه ليوجه شكره إلى الله على تحقيق حلم بورصة دبي للذهب، وقطع خشوعه عدة مرات مترنما بعبارة إنني أفضل أن أسمي هذا الجهاز بنظام التداول الإليكتروني، وأخذ بن سليم يكرر في هذه العبارة عدة مرات حتى تسرب السؤال إلى نفسي عن ما إذا كانت هناك تسميات أخرى لهذا النظام.، وتبين لي أن هذا الجهاز هو نظام السيرفر (أي الخادم باللغة العربية) الذي تتم فيه المقابلة بين أوامر الشراء والبيع.

وعلى بعد متر تقريبا، يقبع جهاز آخر على أرضية الغرفة، علمت من بن سليم أنه جهاز إطفاء بالغاز يعمل آليا في حالة حدوث أي حريق، علاوة على جهاز للتبريد، مهمته الحفاظ على درجة برودة الغرفة عند مستوى حرارة معينا.

العنوان الرئيسي لهذه الأنظمة، هو أنها صممت وصنعت بشكل يجعل الإخفاق في عملها من رابع المستحيلات، وشرح بن سليم بأن نظام التداول الإليكتروني للبورصة قد تم تصميمه وتصنيعه خصيصا لبورصة دبي للذهب والسلع، وأنها تعد الأحدث والأكثر تطورا في العالم.

وضوح الإطار التنظيمي

وبقدر ما يعزز وضوح الإطار التنظيمي من تقدم البورصة، فانه وبالقدر ذاته يعزز شفافيتها التي تعتبر منهاج عمل بورصة دبي. وتبرز قسمات الهيكل التنظيمي على لسان بن سليم قائلا «ان هيئة الإمارات للأوراق المالية والسلع هي الجهة المنظمة لبورصة دبي للذهب والسلع، وهي تعتبر كذلك الجهة المنظمة لأسواق الأوراق المالية في دولة الإمارات وسوق دبي المالي وسوق أبو ظبي للأوراق المالية».

وتابع بقوله إن هيئة الإمارات للأوراق المالية والسلع يحدوها هدف رئيسي وهو توفير الفرصة للاستثمار في الأوراق المالية والسلع على نحو يحقق صالح الاقتصاد الوطني، من خلال إرساء قواعد للتعامل بين مختلف المستثمرين تتسم بالعدالة والتماسك.

وأضاف موضحا أن هيئة الإمارات للأوراق المالية والسلع تعتبر الهيئة التنظيمية الإماراتية الوحيدة التي تتمتع بالعضوية الكاملة والطبيعية في المنظمة الدولية للجان الأوراق المالية التي تعتبر بمثابة رابطة دولية، يتعاون فيها أعضاؤها معا لتعزيز ودعم مقاييس عالية في التنظيم من اجل الحفاظ على أسواق مالية تتسم بالكفاءة والعدالة والقوة.

إرساء قواعد الإفصاح والشفافية

واستدرك بن سليم موضحا «أن هيئة الإمارات للأوراق المالية والسلع قد صاغت قواعد التداول على السلع في الأسواق المرخص لها، بما فيها بورصة دبي للذهب والسلع، ومن بينها، تلك القواعد الخاصة بهيكل البورصة وعملياتها والميثاق المهني لعمل السماسرة وقيد السلع ومشتقاتها، والأكثر أهمية، القواعد المتعلقة بالإفصاح والشفافية لكافة الأنشطة التي تضطلع بها البورصة والتي تستأثر بأهمية حيوية لمصداقية أية بورصة بما فيها من أعضاء».

وقال بن سليم «ان هيئة الإمارات للأوراق المالية والسلع تضع يدها بيد السلطة المنظمة لبورصة دبي للسلع والذهب على نحو متواصل ومستمر في مراجعة أنشطة البورصة، كما انها تتمتع بحق إجراء مراجعة وفحص لأعضاء الغرفة بالتعاون مع إدارة الامتثال ببورصة دبي للسلع والذهب COMPLIANCE DEPARTEMENT، فبوسعهما حيثما يكون ضروريا تشجيع الأعضاء ومساعدتهم في الالتزام بقوانين هيئة الأمارات للأوراق المالية والسلع والمصدق عليها من جانب بورصة دبي للسلع والمعادن وأخيرا وليس آخرا، تقدم هيئة الإمارات للأوراق المالية والسلع المساعدة لأعضاء البورصة لضمان تمسكهم بأعلى المعايير والمقاييس، كتلك المطلوبة في البورصات الدولية الأخرى.

ولم يفت بن سليم الإشارة إلى أن مركز دبي للسلع المتعددة وهو احدى المبادرات الحكومية الاستراتيجية، يوفر فرصة فريدة من نوعها للأعضاء المسجلين لديه لتداول المعادن والسلع على اختلاف أنواعها، ومن ثم، فقد هيأ المركز كل التسهيلات الممكنة ليجمع صناعة المعادن النفيسة والذهب والماس والأحجار الكريمة تحت سقف واحد.

ويهدف المركز إلى اجتذاب كبار التجار والمهتمين بهذه الصناعات جنبا إلى جنب مع قطاعات أخرى تربطها علاقة مباشرة بصناعة المعادن النفيسة كالتمويل والشحن والخدمات اللوجيستية والتأمين. ومضي في حديثه قائلا «ان مركز دبي للسلع المتعددة يعتبر السلطة الوحيدة في دولة الإمارات التي تعمل كمنطقة حرة توفر لأعضائها إمكانية تملك مقرات أعمالهم وخدمات أساسية مماثلة لتلك التي توفرها المناطق الحرة بشكل عام بالإضافة إلى إعفاء ضريبي على الدخل يمتد إلى 50 عاما وتتيح قوانين المركز حق الملكية الكاملة للأعمال كما إنها تسهل جميع الإجراءات اللازمة لذلك، مثل الحصول على تراخيص وإجراءات الإقامة.

البورصة تستقطب كبار اللاعبين في فترة وجيزة

تتمثل لب القضية بالنسبة لأحمد بن سليم في أنه من السهل الإعراب عن أمنية امتلاك بورصة للذهب والسلع، ولكن الامتلاك الفعلي هو موضوع آخر، حيث تثور إشكالية كيفية جذب المتعاملين والتجار، وهؤلاء يقبلون إجراء عمليات التداول في البورصة فقط في حالة ما إذا كان حجم تداول مغريا لهم، وبدون وجود سيولة وحجم تداول كبيرين، فانهم لن يشاركوا في التداول، وكانت الإشكالية المطروحة هو كيفية جذب هؤلاء المتعاملين في وقت لم تكن فيه البورصة قد باشرت عمليات التداول بعد.

ونحن ؟ والكلام مازال له - واجهنا وضعا أشبه بمعضلة «الدجاجة أو أم البيضة» التي كانت جاسمة على قلوبنا، حيث واجهنا صعوبات في جذب الأعضاء، لأن جذبهم يتطلب أن يكون حجم التداول كبيرا في البورصة ولكي تكون لدينا أحجام تداول، نحن بحاجة إلى لاعبين كبار، ولكننا الآن في وضع جيد من حيث أحجام التداول التي تتزايد بمعدلات قياسية.

ويستدرك أحمد بن سليم قائلا: لقد أحدث هذا النجاح صدا في المنطقة وما ورائها، فمن المعتاد أن تجذب أحجام التداول الكبيرة كبار اللاعبين، ونحن لدينا في الوقت الحالي نحو 230 عضو متاجر و86 عضو مقاصة.

كما صار لدينا أسماء ضخمة من اللاعبين الكبار على غرار بنك «إستاندرد آند شارترد» و«إتش إس بي سي » و«ماتسوي » من اليابان و«مان فاينانشيال » وبنك «دوتشة» الألماني. و«بارجيل جيوجيت سيكيوريتيز ذ.م.م»، و«جيه تي إل ترادينج » و«جيه آر جي للسمسرة الدولية» و«إم أف جلوبال الشرق الوسط» و«ريتشكوم جلوبال للخدمات».

واستطرد بن سليم قائلا: ان كل هذه المؤسسات المالية الضخمة تنظر الآن بإعجاب إلى بورصة دبي للذهب والسلع، وهو ما يؤشر على مدى الثقة التي تتمتع بها البورصة الآن في أوساط كبار اللاعبين.

إطلاق بورصة دبي للذهب جاء متأخراً

يقر أحمد بن سليم بأن إطلاق بورصة دبي للذهب والسلع جاء متأخرا، أي أنه كان يجب تأسيسها منذ وقت طويل مضى، ويشرح هذه النقطة بقوله: تعتبر دبي مركزا مهما للتجارة في المعادن النفيسة فضلا عن كونها مركزا التجارة في العديد من السلع الأخرى، حيث إنها تعد ثالث أكبر مركز لإعادة التصدير في العالم.

وقال أنه لم تكن هناك آنذاك آلية للمتاجرة في الذهب، وبالتالي كانت المنطقة في أمس الحاجة لبورصة كهذه، كما أن العالم استيقظ على الفرص الضخمة التي تتيحها البورصة وهي تتحرك من المحلية إلى رحاب العالمية، ولأجل هذا السبب كان من المتعين تأسيس هذه البورصة منذ زمن طويل مضي.