تمتلئ جعبة أحمد بن سليم الرئيس التنفيذي لمركز دبي للسلع المتعددة بالكثير من التغييرات التي يعتزم إدخالها على إستراتجية عمل المركز، وتحفل أجندة عمله برؤى مدروسة لما سوف يكون عليه إدوار ومسئوليات المركز في المرحلة المقبلة، وذلك بعدما تم بناء أول مدينة متكاملة للسلع على مستوى منطقة الشرق الأوسط.
وفي قلب هذه الصورة، يبرز إيمانه الشديد بحقيقة الترابط العضوي بين التغيير والتطور، فكلاهما ملازم للآخر في علاقة تلاحم وثيقة غير الممكن فصل إحداهما عن الآخر، ويدلل على ذلك بأن الشركات العالمية العملاقة التي يعود تاريخ تأسيسها إلى عقود عديدة مضت، ما كانت تحافظ على بقائها وازدهارها لولا أنها حرصت على مواكبة التطور، من خلال جلب التغييرات التي تؤمن لها الحفاظ على مكانتها ومركزها في الأسواق، وبخلاف ذلك، لكانت قد تعرضت إلى الاضمحلال والاندثار. وتتسم رؤية أحمد بن سليم للتغييرات التي يعتزم جلبها بالشمولية، فهي لا تقف عند حد تغيير مسئوليات وأدوار إدارات معينة داخل مركز دبي للسلع المتعددة، بل تطول إستراتيجية المركز ذاتها فيما يتعلق بأدواره ومسئولياته في المرحلة المقبلة.
ورغم أنه يبدو بجلاء أن أحمد بن سليم لم يطرح على مائدة الحوار معه كافة الأوراق التي في جعبته، إلا أن ما كشفه يحفز على التكهن بأن مركز دبي للسلع المتعددة بصدد دخول مرحلة جديدة من تطوره تختلف بشكل كبير عن المرحلة السابقة.
وبمعزل عن الدخول في لعبة التكهنات بالإمساك بالكرة البلورية للتخمين بما سوف يحمله الأفق من تغييرات مرتقبة، يلخص أحمد بن سليم جوهر التغييرات المقبلة بعبارة من خمس كلمات بقوله « نحن بصدد مرحلة ما بعد البناء «.
لم يشأ أحمد بن سليم أن يترك هذه العبارة معلقة في الهواء لتتلقفها الاجتهادات الفردية والتفسيرات الشخصية لتعطي لها معاني وتأويلات، ربما تجافي المعنى الحقيقي المقصود، بل فضل أن يحدد بنفسه نوعية التغييرات التي يخطط لجلبها، وبادر بشرح المنطق الداعي للتغيير بطرح سؤال حول ما إذا كانت الصورة الحالية لمركز دبي للسلع المتعددة هي ذاتها التي كانت عليها عند تأسيسه.
بناء البيت
يجيب أحمد بن سليم على سؤاله بصيغة النفي قائلا : لقد انتهينا من بناء البيت، ومن المستحيل العودة مرة أخرى لبنائه من جديد، وبالتالي، اكتملت مرحلة البناء، ولم يتبق سوى أعمال إنشائية صغيرة هنا وهناك، وشتان الفارق بين ما كان عليه مركز دبي للسلع عند تأسيسه، وما هو عليه في الوقت الراهن، فقد تم إنجاز الهدف المرحلي الذي وضعته الحكومة لنا، هو بناء مركز للسلع يوطد مكانة دبي كمركز عالمي بتجارة السلع، وجرى إنجاز هذا الهدف ببناء المنطقة الحرة في أبراج بحيرات الجميرا.
وتأسيس هيئة مركز دبي للسلع المتعددة، ويقدم مشروع «أبراج بحيرات الجميرا» دعماً كبيراً لكافة الشركات المحلية والإقليمية العاملة في مجالات النقل والاستيراد والتصدير والبناء والإنشاءات والمواد الاستهلاكية والاتصالات والخدمات المتنوعة. ولأننا ندرك أن المناطق الحرة تلعب دوراً كبيراً في دعم اقتصاد دبي، نحرص على بذل جهود كبيرة لجذب المؤسسات والشركات من كافة أنحاء العالم للاستثمار في دبي وبالتالي جذب رؤوس الأموال والخبرات المهنية والعلمية في مختلف قطاعات الأعمال.
تغطية الفجوات
لقد خيبنا ـ والكلام مازال له ـ توقعات البعض التي تكهنت خلال المراحل الأولى لتأسيس مركز دبي للسلع المتعددة بأنه من المستحيل أن تنجح دبي في الحصول على شريحة من التجارة العالمية للسلع، وكانت النظرة الأساسية التي حكمت طريقة عملنا في بناء هذا المشروع العملاق، هي سد مختلف الفجوات لتجارة السلع في المنطقة، بأن بكون المركز لاعبا عالميا في تجارة السلع بين الشرق والغرب.
ومنذ عام 2002، كانت الرؤية موضوعة لنا، وكنا حينذاك نقف عند مفترق الطرق بشأن تحويل هذه الرؤية إلى واقع معاش على الأرض، وكان هناك قدر من عدم وضوح الرؤية بشأن الطريق الذي من المتعين سلكه لبلوغ الهدف الموضوع لنا، وكنا ندرس مختلف النماذج والتجارب لكي نحدد ملامح النموذج الذي يتناسب معنا.
واستدرك أحمد بن سليم في حديثه قائلا : نحن الآن صرنا في وضع أكثر أريحية مما كان عليه وضعنا في عام 2002، فقد صرنا أكثر دراية ومعرفة بما يدور حولنا، وصرنا على يقين بأننا نسطر قصة نجاح تضاف إلى قصص النجاح التي تزخر بها دبي، وأضحينا نمتلك بالفعل خريطة طريق واضحة المعالم بالنسبة لنا. ونجحت المنطقة الحرة في أبراج بحيرات الجميرا - والكلام ما زال له - بأن تكون مقصدا جاذبا للشركات على مختلف أعمالها، ودلل على ذلك ببيع وحدات برج الألماس أطول برج مكتبي في دبي في 24 ساعة، وهو ما مثل مفاجأة بالنسبة للكثيرين.
حيث يوفر البرج لقطاع تجارة الألماس، الأحجار الكريمة واللؤلؤ في المنطقة مجموعة من الخدمات المتطورة تحت سقف واحد، وهذا يشمل بورصة دبي للألماس، ومكتب «نظام عملية كمبرلي للشهادات»ونادي دبي للجواهر وبورصة دبي للؤلؤ ووكالات نقل معتمدة مثل «برينكس جلوبال سيرفسز» و«ترانس جارد»، بالإضافة إلى قاعات للتواصل وغرف الاجتماعات، مما يتيح ممارسة الأعمال التجارية في بيئة تضمن أعلى درجات الحماية والأمان. كما أن برج الماس يضم المكاتب الرئيسية لـ «مركز دبي للسلع المتعددة».
وتابع حديثه بقوله : صارت المنطقة الحرة في أبراج بحيرات الجميرا تشتمل على حلقات لتجارة السلع تكمل بعضها البعض، فعلى سبيل المثال، في مجال تجارة الذهب، تحتضن المنطقة ورشا للتصنيع ومصافي لتكرير الذهب وشركات تعمل في مجال تجارة الأصفر، فضلا عن منتجات عقود الذهب الآجلة التي يجري تداولها في بورصة دبي للذهب والمعادن.
استقطاب الشركات
ولم تؤثر الأزمة المالية العالمية على جاذبية المنطقة الحرة في أبراج بحيرات الجميرا، بل صارت هذه الجاذبية أكثر تألقا، وتتمثل أبرز المؤشرات الدالة على ذلك في رأي أحمد بن سليم في قدرة المنطقة على استقطاب أعداد من الشركات تفوق تلك التي كانت تستقطبها قبل تفجر الأزمة المالية العالمية، إذ تستقطب ما يتراوح بين 20 إلى 40 شركة شهريا.
وفي تقدير أحمد بن سليم أنه لم يعد المركز يبذل الكثير من العناء والجهد في استقطاب الشركات، إذ صارت المنطقة الحرة في أبراج بحيرات الجميرا تحتضن في الوقت الحالي نحو 1800 شركة، وجرى جذب هذا العدد من الشركات خلال فترة زمنية قصيرة، بل وقدم بعضها في وقت كانت فيه المنطقة قيد الإنشاء والتطوير.
ويرى أحمد بن سليم أن الرقم المريح له، هو الوصول بعدد الشركات العاملة في المنطقة الحرة في أبراج بحيرات الجميرا إلى 3000 شركة، وأنه لن يشعر بالمفاجأة إذا ما أستقطب هذا الرقم في غضون عام أو عامين على أقصي تقدير، ويكمن مبعث ثقته في المزايا التي تقدمها المنطقة بالمقارنة مع مراكز كلندن وباريس، حيث يتم منح إعفاءات ضريبية للشركات بنسبة 100% وإعفاءات ضريبية على الصادرات والواردات بنسبة 100%. كما تمنح المنطقة الحرة إعفاءات ضريبية على الدخل الفردي بنسبة 100%، إلى جانب التملك الحر والإيجار للعقارات بنسبة 100%.
التغييرات المرتقبة
وبعدما سلط أحمد بن سليم الضوء على أوجه الفرق بين ما كان عليه المركز منذ سنوات مضت، والوضع الذي هو عليه الآن، حول دفة حديثة إلى نوعية التغييرات التي يعتزم إدخالها وجلبها، ولكنه فضل في البداية التأكيد على حقيقة تعد بالنسبة له مسألة مسلم بها، وهي أن التغييرات في مركز دبي للسلع المتعددة هي عملية تتسم بالديمومة والاستمرار، ولا تتوقف عند مرحلة معينة، فمن المفترض أن تتغير الرؤى والتصورات مع تغير الأوضاع، وأنه من الخطأ الجسيم التفكير في عام 2010 بنفس عقلية عام 1990، بل يتعين كذلك أن نمد البصر والبصيرة إلى آفاق المستقبل.
ولكنه من جانب آخر، أراد التأكيد على حقيقة أخرى، وهي أنه صار من المتعين تنقيح وتغيير الإستراتيجية مع اكتمال بناء المنطقة الحرة، وهنا يكشف عن بعض الأوراق التي في جعبته، فمن جانب، يرى أحمد بن سليم أنه رغم استمرار المركز في إعطاء أولوية لاستقطاب الشركات، باعتبار أنه لن يتم إغلاق الباب في وجه الشركات الراغبة في القدوم إلى المنطقة الحرة، إلا أن محاور تركيز الإدارة المسئولة عن استقطاب الشركات سيتغير، وهنا يؤكد أحمد بن سليم على أن المركز في إضطلاعه بهذا الدور سيحرص على مواصلة تواصله مع الأسواق.
مزود خدمات
ومن جانب آخر، يشدد أحمد بن سليم على أن محور تركيز مركز دبي للسلع المتعددة سيتحول نحو إعطاء المزيد من الاهتمام إلى ما أسماه أحمد بن سليم ب « مجتمع أبراج بحيرات الجميرة «، فمن منظوره أن هذا المجتمع هو مجتمع حديث التكوين، وهو وضع يملي عليه ضرورة إعطاء المزيد من الاهتمام لهذا المجتمع، وذلك من خلال التأكيد على دور أساسي وهو القيام بوظيفة « مزود الخدمات «، بأن يتم تقديم خدمات على أرقي المستويات والتي تتناسب مع تطلعات مجتمع أبراج بحيرات الجميرة، وأن يتسم تقديم هذه الخدمات بالفاعلية والكفاءة والسرعة.
ومن جانب ثالث، يؤكد أحمد بن سليم على أن مركز دبي للسلع المتعددة سوف يواصل تنفيذ الالتزامات الدولية.
وفي ثنايا حديثه عن مسئوليات وأدوار المركز، أراد أحمد بن سليم تصحيح اللغط الواقع في بعض الأذهان حيال الدور الذي قام به المركز كمطور عقاري، وجرى إسناد هذا الدور مؤخرا إلى شركة نخيل، إذ يرى أن مهمة المركز لم تكن في يوم من الأيام القيام بالتطوير العقاري.
وان المركز قام بهذا الدور خلال السنوات التي كانت فيها شركة نخيل مشغولة بتنفيذ الكثير من المشروعات في وقت متزامن، ومن ثم، لم يتغير الوضع بإسناد هذه المهام إلى شركة نخيل، بل أن الأيام برهنت على صحة خياراته، عندما قام ببيع وحدات برج الألماس على أساس التملك الحر، وذلك على الرغم من النصائح التي أسديت له بأن يقوم بتأجير هذه الوحدات دون بيعها، وتساءل أحمد بن سليم عما سوف كان سيحدث إذا ما قام بتأجير هذه الوحدات، وعما إذا كان سيضطر في حالة انخفاض أسعار الإيجارات إلى القبول بأسعار تقل عن تكلفة البناء.
وبمعزل عن الأدوار والمسئوليات التي ينهض بها مركز دبي للسلع المتعددة، تبقى المسألة الأكثر أهمية بالنسبة للرئيس التنفيذي لمركز دبي للسلع المتعددة، هي أن دبي صارت تمتلك الآن البنية التحتية لأن تكون مركزا عالميا لتجارة السلع، فليس بمقدور أحد على حد قوله زحزحة برج الألماس إلى مكان آخر في العالم، بل سيبقى لأجل غير مسمى القلب النابض لمدينة سلع متكاملة في المنطقة الحرة لأبراج بحيرات الجميرة.
ولسوف يستمر تقاطر الشركات إلى هذه المنطقة، وهو ما يعد تجسيدا عمليا لرؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي بأن يتألق دور دبي كمركز لتجارة السلع على الصعيد العالمي.
التوطين.. حسابات وتوازن
يقر أحمد بن سليم الرئيس التنفيذي لمركز دبي للسلع المتعددة بأن توطين الوظائف يعد الملف القريب من قلبه وعقله، ويتعامل معه بمنتهى الحساسية، فهو يريد استقطاب المواطنين ليعملوا في مختلف الوظائف، ولكنه لا يريد التفريط في معايير ومقاييس الكفاءة والجدية والإخلاص في العمل، ومن ثم، هو يحرص على انتقاء المواطنين الذين يأخذون مسألة العمل في المركز مأخذ الجدية.
يحكي أحمد بن سليم قصة عمل مريم الهاشمي في مركز دبي للسلع المتعددة بفخر واعتزاز، لدرجة أنه قام باصطحاب كاتب هذه السطور إلى مكتبها ليتعرف عليها، جاءت مريم الهاشمي إلى المركز على حد أٌقواله ؟ كمتدربة، وذلك بعدما أنهت دراستها الجامعية، ثم تم تعيينها في مكتب «نظام عملية كمبرلي للشهادات»، وتدرجت في الوظائف حتى أصبحت المسئولة عن هذا المكتب. وتعتبر مريم الهامشي في رأي أحمد بن سليم نموذجا للكفاءات المواطنة التي برهنت على جدارتها، وذلك جنبا إلى جنب مع نماذج أخرى من بينها نورا جشمير التي تولت في السابق منصب المدير التنفيذي لبورصة دبي للألماس.
ويكشف هنا أحمد بن سليم عن أن نسبة توطين الوظائف في مركز دبي للسلع المتعددة تتراوح بين 13 إلى 15 % من إجمالي العاملين البالغ عددهم 137 موظفا.
لا تسريح أو فصل للعمالة المواطنة
يرى أحمد بن سليم الرئيس التنفيذي لمركز دبي للسلع المتعددة أن أكبر التحديات التي يواجهها هو العثور على الفريق الصحيح في الوقت المناسب للمشروعات المتواجدة.
ويثمن أحمد بن سليم عنصر الكفاءة بإشارته إلى أن ما يهمه هو توظيف الكفاءات بغض النظر عن أية اعتبارات أخرى تتعلق بالسن أو اللون، مشيرا إلى أن الأزمة المالية قد قللت حدة هذا التحدي، بأن صارت هناك إمكانية أكبر لاستقطاب العقول والخبرات، وانحسرت بدائل التوظيف بالنسبة للعاملين في المركز.
ويؤكد أحمد بن سليم أن العمالة المواطنة في المركز لم تتعرض للتسريح والفصل، وأكد أن المركز يتبع مقاييس صارمة في التوظيف، بحيث لا يتم تعيين أي شخص، إلا إذا كانت له مهام ومسئوليات محددة، مشيرا إلى أنه دائم البحث عن الكفاءات في أوساط المواطنين، كما أنه يحرص على التوازن فيما بين الجنسيات الوافدة بما يحول دون بروز شللية قائمة على أسس واعتبارات غير ذات صله بمقاييس العمل.

