يرصد المراقبون توجه إمارة دبي نحو العمل بشكل دؤوب وحثيث لتبديد وتطويق أوجه سوء الفهم التي تمخضت عن ردود الفعل الارتجالية حيال قيام شركة « دبي العالمية » بجدولة ديونها، ومن بين التدابير المتخذة في هذا المجال الإعلان الصريح والواضح عن أن القيمة الإجمالية لديون دبي العالمية والشركات التي تخضع لعملية إعادة الهيكلة تبلغ نحو 26 مليار دولار أمريكي.
وجاء هذا الإعلان في رأي المراقبين ليسد ثغرة استغلتها وسائل الإعلام المضادة في التهويل من قيمة هذه الديون بوضع تقديرات فلكية تجافي الحقيقة، وبالتالي، بدد هذا الإعلان سوء الفهم الذي صورته بعض الافتراءات بأنه ناجم عن أزمة شفافية ونقص معلومات، مما أفضى إلى شيوع حالة من عدم اليقين بشأن خطط دبي القادمة، وبالتالي، وضع هذا الإعلان حدا للأقاويل والأكاذيب، وساهم في تعزيز الثقة لدى المستثمرين.
ويصب هذا الإعلان في رأي عبد العزيز الياقوت المدير الإقليمي للشرق الأوسط في شركة «دي إل إيه بايبر» العاملة في مجال الاستشارات القانونية، في اتجاه تعزيز جلب المزيد والشفافية بشأن حجم المشكلة، وهو ما سوف يكون مفيدا لتدعيم ثقة الأسواق التي تعد أمرا بالغ الأهمية والضرورية في جعل اللاعبين قادرين على التعامل فيما بين بعضهم البعض، وتعتبر الشفافية في منظور عبد العزيز الياقوت مسألة على درجة عالية من الأهمية لتدعيم الثقة سواء في الوقت الحالي أو في المستقبل.
تغطية الثغرات
وقد حجبت ردود الفعل الانفعالية الرسالة الرئيسية لإعلان إعادة هيكلة ديون شركة دبي العالمية، وهي أن خطوة الهيكلة تستهدف أساسا تغطية الثغرات ومواطن الضعف والناجمة عن تشدد الائتمان في مختلف أسواق المالية في العالم، بحيث تكون الشركة قادرة على إدارة عملياتها بناء على أسس تجارية تكفل لها الحيوية والازدهار بشكل مستدام.
ومثل هذا الوضع في رأي عبد العزيز الياقوت أمر طبيعي، حيث أنه بمقدور الشركات إعادة جدولة ديونها، وما تحتاجه في هذا الصدد هو التوصل إلى اتفاق مع الدائنين. وعلى نفس المنوال، حالت ردود الفعل الانفعالية دون رؤية النجاح الذي حققته دبي مؤخرا بتجميعها 5 مليارات دولار أخرى ضمن برنامج سندات بقيمة 20 مليار دولار والذي بدأته هذا العام،، حيث تم تقسيم الإصدار الأول بقيمة مليار دولار بالتساوي على شكل سندات تقليدية لبنك أبو ظبي الوطني بقيمة 500 مليون دولار، وصكوك لمصرف الهلال بقيمة 500 مليون دولار.
قوة المصارف المحلية
وينطوي نجاح إمارة دبي في هذا المجال على رسالة أساسية جرى تجاهلها في غمرة تصاعد ردود الفعل الارتجالية، وهي أن دبي قد تمكنت من تغطية 75 % من إجمالي برنامج السندات البالغ قيمته 20 مليار دولار، وأنه على الرغم من صعوبة الأوضاع، فان اكتتاب بنكين محليين في هذا الإصدار بقيمة 5 مليارات دولار، يعكس في المحك النهائي قوة الوضع المالي للمصارف المحلية، ويظهر دعمها للحكومة في تقاسم عبء الديون خلال أوقات الحاجة، كما يبين قدرة المصارف في الإمارات على هضم واستيعاب الضغوط.
كما لم تمعن ردود الفعل الارتجالية النظر في حقيقة أن إمارة دبي قد تمكنت من الوفاء بأغلب وعودها على قطعتها على نفسها، ففي ظل ضراوة الأزمة المالية العالمية، أكملت إمارة دبي عمليات بناء برج دبي أطول برج في العالم، وهي بصدد افتتاحه رسميا، كما أطلقت «دبي مول» أكبر مركز تجاري في العالم، وافتتحت المرحلة الأولي من مترو دبي، وجرى الإعلان عن انتهاء العمل في مثل هذه المشاريع الضخمة في ظل تفاقم الأزمة المالية العالمية.
مرحلة جديدة
وقطعت ردود الفعل الانفعالية شوطا كبيرا في ارتجاليتها وتسرعها، وذلك إلى حد أنها لم تأخذ وقتا كافيا في الدراسة المتأنية للتصريح الذي أدلى به سمو الشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم، رئيس اللجنة العليا للسياسة المالية، عندما أشار سموه إلى أن إعادة جدولة ديون «دبي العالمية» هي خطوة تجارية منطقية بحتة، تهدف إلى حمل الشركة لمرحلة جديدة أساسها الربحية المستدامة. وهذا بحد ذاته ليس أمراً مستغرباً في الأسواق العالمية للشركات التي تواجه مصاعب جمة بعد الأزمة المالية.
ورسمت ردود الفعل الانفعالية صورة لمسألة إعادة جدولة ديون « دبي العالمية » كما لو كانت عملية خارج سياق المألوف والمعتاد في الأوساط المصرفية والمالية، وذلك على الرغم من وجود أمثلة عديدة لشركات عالمية من العيار الثقيل أعلنت تعثرها المالي من دون مواربة أو خجل، فعملاق السيارات الأمريكي جنرال موتورز ومصرف «سي آي تي» هما من أحدث الأمثلة على شركات اضطرت لإعادة جدولة ديونها ودخلت تحت حماية البند الحادي عشر من قانون الإفلاس الأمريكي.
وحين طرحت فكرة إعادة هيكلة جنرال موتورز، كان الرئيس الأمريكي باراك أوباما من أكبر المدافعين عن الفكرة، علماً بأنها تتضمن إعادة جدولة كاملة للديون وحماية الشركة من الدائنين لفترة طويلة لم تنتهِ بعد، عوضاً عن تأجيل استحقاق السندات بستة أشهر فقط.
وحين تم الإعلان عن هذه الخطوة، لم تنهر الأسواق العالمية، ولم ينظر إليها المستثمرون كفاجعة، بل على العكس تم اعتبارها فرصة لخلق شركة جديدة قادرة على المنافسة على المدى الطويل، كذلك مرت الخطوط الجوية «يونايتد إيرلاينز» مرت بالتجربة ذاتها عام 2002 بعد أن التهمتها الخسائر، وبعد أربعة أعوام عادت الشركة لتحقيق الأرباح، فهل كانت إعادة الهيكلة كارثة أم أمرا لابد منه.
صحة التقييمات
ولم تستطع ردود الأفعال الارتجالية من التحقق من صحة التقييمات التي أدلى بها خبراء في الشؤون المصرفية الذين شاركوا رؤية سمو الشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم، رئيس اللجنة العليا للسياسة المالية بأن جدولة الديون تمثل خطوة جوهرية نحو تحقيق النمو المستدام لشركة «دبي العالمية»، وذلك على غرار جون توفاريدس المحلل المصرفي في مؤسسة موديز والذي قدر بأنه من شأن إعطاء مهلة لدبي العالمية لتسديد ديونها وإعادة جدولتها أن يضع حكومة دبي في موقف أفضل بتقديم الدعم لشركاتها الأخرى المرتبطة بالحكومة، كذلك تجاهلت ردود الفعل الارتجالية دعوات محللين ماليين للمستثمرين بضرورة التحلي بضبط النفس وكبح انفعالاتهم، ومن بينهم كريستيان أوفريند الشريك في شركة «كيليك».
فمن وجهة نظره، يتحرك مركز مغناطيسية الاقتصاد العالمي من الغرب إلى الشرق، وهو الأمر الذي قاد إلى زيادة أهمية الأسواق الصاعدة، وذلك بوصفها أكثر الأسواق قدرة على تحقيق عوائد مجزية، وكجزء من معادلة الربح والخسارة، صار من المستوجب على المستثمرين ذوي النظرة الطويلة الأجل التحلي بالقدرة على ضبط النفس والأعصاب، إذ أن إمارة دبي قد أقرت بأنها تواجه مشاكل، ورغم أنها قد تتعرض لبعض المتاعب، إلا أنها قد اتخذت بالفعل التدابير التي من شأنها أن تحافظ على مكانتها كمركز إستراتيجي مالي وتجاري بين الشرق والغرب.
الوفاء بالديون
وانضم عبد العزيز الياقوت إلى هذه التقديرات بتأكيده على أن دبي تتمتع بالقدرة على الوفاء بديونها، ولكنه يرى أن حجم مشكلة الإعسار المالي في منطقة الخليج بشكل عام أكبر مما هو معتقد في الوقت الحالي، وذلك بالنظر إلى أن بعض الشركات ترفض الإفصاح عن ميزانيتها الحقيقية، وتقوم بتمديد وجدولة تسديد أقساط قروضها، ولكن تظل المشكلة قائمة من دون حل، فربما تستطيع الشركات شراء عامل الوقت لإخفاء حقيقة أوضاعها المالية، ولكن في نهاية المطاف، فإن من يحجب ضوء الشمس، ويتوهم أن الشمس غير مشرقة، فهو لا ينفي حقيقة سطوع الشمس. فالإفلاس هو الإفلاس، والتعثر هو التعثر، ولن يحل المشاكل، اعتماد أسلوب التواري خلفها، والزعم بأنها غير موجودة.
ويعرب هنا عبد العزيز الياقوت عن استغرابه بأنه رغم معاناة بعض شركات الاستثمار من التعثر المالي، إلا أنه لم تجرأ شركة واحدة على الإعلان عن إفلاسها، ويتحدث هنا عن الأسباب التي تجعل الشركات المتعثرة غير راغبة في الإفصاح عن حقيقة وضعها المالي بقوله: تواجه بعض شركات الاستثمار حالة من التعثر المالي، مما يضعها واقعيا في مواجهة مشاكل حقيقية، ولكنها لا تقر بهذه المشاكل، وهو ما يعود إلى أسباب عديدة، من بينها.
عدم قدرة بعضها على الاعتراف بهذه المشاكل، وانعدام الرغبة لدى البعض في العمل على مواجهة المشاكل، إلى جانب، تقادم قوانين الإفلاس في منطقة الخليج، والاعتماد الكبير على الحكومات في حل المشاكل المالية، رغم أنه قد لا يتوافر لدى بعض الحكومات الخليجية حجم الأموال الذي يمكنها من حل مشاكل الشركات المدينة، بحكم أنها مثقلة بالكثير من المشاكل الخاصة بها.
الأثر الإقليمي
ورغم أن المسألة برمتها تتعلق بجدولة ديون شركة دبي العالمية، إلا أن ردود الفعل الارتجالية رسمت صورة سوداوية للمنطقة بأسرها، وتجاهلت حقيقية الارتباط العضوي لإمارة دبي بمنطقة الخليج، وذلك بوصفها واحدة من الإمارات التي تتألف منها دولة الإمارات العربية المتحدة، وبالتالي، فأن تداعيات ردود الفعل الارتجالية لن تنحصر على إمارة دبي فحسب، بل ستطول مصداقية الدول الخليجية الأخرى التي تنعم بعضها بوفرة مالية ناتجة عن عائدات النفط المرتفعة.
وهو ما يأتي عبد العزيز الياقوت على ذكره بإشارته بقوله : نحن لا نرى تأثيرا سلبيا طويل الأجل على الأسواق العالمية، ولكن هناك تأثيرا سلبيا على الأسواق الإقليمية في دول مجلس التعاون الخليجي.
وكان من المألوف في السابق القول بأنه إذا ما عطس الاقتصاد الأمريكي، فإن الاقتصاد العالمي يصاب بوعكة برد، ولكن يبدو أن الأشياء قد تغيرت بشكل جذري في الوقت الحاضر، بحيث أنه إذا ما عطست دبي، أصيب العالم أيضا بنوبة برد، وهو أمر قد ظهرت أعراضه بشكل واضح منذ الإعلان عن إعادة هيكلة ديون شركة دبي العالمية، إذ كان من السهل تلمس صدى هذا الإعلان في خارج الإمارات، وحتى خارج دول مجلس التعاون الخليجي. حيث افترس البرد بورصات عالمية من العيار الثقيل، وذلك على غرار بورصة الأسهم في لندن.
تزايد الطلب على هيكلة الديون في الخليج
رصد عبد العزيز الياقوت المدير الإقليمي للشرق الأوسط في شركة «دي إل إيه بايبر» معالم تزايد الطلب على خدمات إعادة هيكلة الديون في منطقة الخليج بقوله: هناك طلب ملح من الشركات لإعادة هيكلة ديونها، ولكن من المتعين أن ننظر إلى إعادة الهيكلة بجانبيها المالي والتشغيلي، إذ تعني إعادة هيكلة الديون في معناها المبسط خفض الفائدة وتمديد فترات السداد، ولكن إعادة هيكلة الديون ليس حلا كافيا، فهناك أصول تملكها الشركة المتعثرة والتي ينبغي العمل على تحسن أدائها، وهو ما يعني أنه من المتعين على الشركة المتعثرة أن تتبع نهج إعادة الهيكلة التشغيلية، ومن ثم، تشتمل عملية إعادة الهيكلة على شقين، أحدهما مالي والآخر تشغيلي.
ويستدرك في حديثه قائلا: يمكن تلمس حقيقة ازدهار حجم أعمالنا من واقع اللقاءات التي أجريناها مع كثير من العملاء الذين أبدوا رغبتهم في العمل معنا مرة أخرى، فعلى سبيل المثال، قمنا بتنظيم ورشة عمل في الكويت تناولت موضوع إعادة هيكلة، واستقطبت حضورا واسع النطاق، وشاركت عددا من الشركات العالمية المتخصصة، وبالفعل، بدأنا مباشرة عدة مشروعات جديدة في مجال إعادة الهيكلة، وذلك بعدما تريثت عدد من الشركات في تنفيذ مشروعاتها لحين انتهاء احتفالات عيد الأضحى، وبالتالي، استفادت هذه الشركات من أشهر موسم الصيف ورمضان المبارك في مراجعة أوضاعها، ومتابعة معطيات السوق.
توقع عودة الاستقرار إلى أسواق الأسهم
توقع رجائي عياش مدير مكتب بي ان واي ميلون التمثيلي في أبوظبي عودة استقرار أسواق الأسهم في الإمارات بشكل خاص ومنطقة الخليج بشكل عام إلى الاستقرار مجددا خلال الأسبوع المقبل، وأوعز أسباب ذلك إلى استيعاب حقائق الوضع، وذلك إثر تلقيهم البيانات والمعلومات من السلطات في إمارة دبي بشأن وضع جدولة ديون شركة دبي العالمية.
وأوضح رجائي عياش أن ردود الأفعال حيال جدولة ديون شركة «دبي العالمية» اتسمت بالبالغة والتضخيم، وأرجع أسباب هذا التضخيم إلى تزامن الإعلان عن جدولة الديون مع حلول موسم الأعياد، وتخلل ذلك، عدم وضوح البيانات والمعلومات بالنسبة للجميع، الأمر الذي قاد إلى قدر من التشويش والتخبط في فهم المستثمرين والبنوك لمثل هذا الإعلان، وعليه، تصاعدت حدة مبالغة ردود الأفعال.
ورصد رجائي عياش عودة الاطمئنان إلى الأسواق مرة أخري خلال اليومين الماضيين نتيجة للبيانات والتصريحات الصادرة عن حكومة دبي صندوق دبي للدعم المالي ومصرف الإمارات المركزي والمصارف بشكل عام، وأشار إلى أن مثل هذه البيانات قد ساهمت في توضيح حقيقية الوضع، وبالتالي، صارت المؤسسات المصرفية والمالية في العالم علي وعي بأن الوضع ليس سيئا بالشكل الذي تم تصويره، فالأمر برمته يتعلق بجدولة ديون ثلاث شركات يبلغ حجم ديونها 26 مليار دولار.
ورأى رجائي عياش أن الخطاب الرسمي في دبي قد ساعد كثيراً خلال اليومين الماضيين في التخفيف من طمأنة المستثمرين والتخفيف من حدة الأوضاع.
دبي ـ مجدي عبيد
