بلور مركز دبي المالي أساليب عمل غير تقليدية للتعاطي مع تداعيات الأزمة المالية العالمية، وتمحور اهتمامه في بادئ الأمر على التحفيز على توليد وابتكار الأفكار، من خلال تكثيفه لتنظيم الندوات وورش العمل والمؤتمرات والتي شارك فيها خبرات وتخصصات متميزة من مختلف دول العالم، من بينها إطلاق فعاليات أسبوع المركز المالي ومنتدى ثروات للشركات العائلية.

وفي غمرة الحديث عن مضاعفات الأزمة المالية، ظل مركز دبي المالي العالمي مقصدا جاذبا للشركات العالمية، وتجلى هذا الأمر في أقوال مسؤولي المركز بإشاراتهم إلى أن أعداد الشركات التي تقدمت بطلبات الحصول على تراخيص من سلطة دبي للخدمات المالية، الهيئة التنظيمية لمركز دبي المالي العالمي، خلال المدة المنقضية من عام 2009، تفوق نظيرتها خلال نفس المدة من العام الماضي. كذلك، وفي دوامة الحديث الذي جاب أسواق المال العالمية عن تسريح الموظفين والكفاءات المالية، برز مركز دبي المالي كمقصد لهذه الكفاءات، وهو الأمر الذي أقر به مسؤولو المركز بإشارتهم إلى أن أعداد الموظفين من أصحاب الكفاءات العالية في دبي في الوقت الحاضر وفي المستقبل. وعلى سبيل المثال، بنهاية عام 2008، فاق عدد المختصين العاملين في منطقة مركز دبي المالي العالمي 14 ألف موظف، ومن المتوقع ارتفاع هذا العدد إلى 60 ألف موظف مع استكمال بناء منطقة المركز المالي». وجاء هذا التعاطي مع مضاعفات الأزمة على أرضية إدراك القائمين على مركز دبي المالي العالمي بأنه في هذا الوقت الاستثنائي الذي يواجه فيه العالم التحديات غير المسبوقة لاستقرار النظام المالي العالمي، يتعين العمل على اغتنام الفرصة لحماية الإنجازات وضمان النمو المستدام.

إطلاق الطاقات

وعلى أرضية هذا الإدراك، تحولت هذه الفعاليات إلى ما يشبه ورش عمل ضمت رموز صفوة الصفوة في دوائر المال والأعمال، وأضحت هذه الفعاليات بمثابة ساحات لتحفيز نخبة العقول على تقديم الأفكار الجديدة والمبدعة، وساد سير هذه المناقشات قاعدة رئيسية جرى صياغتها في لغة خطاب يدعو المتحدثين إلى إطلاق العنان لما يدور في عقولهم بشرط الإتيان بما هو جديد ومبتكر ليس فقط في مجال طرح الرؤى والتصورات في مجال التعرف على الحجم الحقيقي للأزمة المالية العالمية، ولكن كذلك في مجال تحويل هذه التحديات إلى فرص ومزايا، فضلا عن التعرف عن ما إذا كانت الأزمة المالية العالمية ستفرز أساليب جديدة في مباشرة الأعمال تختلف عن تلك التقليدية والمتعارف عليها.

أولويات العمل

وحدد القائمون قائمة بالأولويات التي يتعين إنجازها لتحويل هذه النقاشات إلى أفكار عمل قابلة للتطبيق على أرض الواقع، وتتمثل في التالي :

أولا : إعطاء أولوية قصوى للعثور على أساليب عمل جديدة وغير تقليدية تعين ليس فقط على التكيف والتألق مع مستجدات الأزمة المالية العالمية، وإنما تسهم كذلك في تحويل هذه التحديات إلى فرص.

ثانيا : التحفيز على التفكير الإبداعي، حيث ان تحقيق النمو المستدام يتطلب تفكيراً إبداعياً وأفكاراً جديدة. وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يجب التعامل معه.

ثالثا : المشكلات هي مفاتيح الحلول : باعتبار ان الأزمة هي مصدر للفرص وأن دبي ذاتها مرادفة للفرص، وإذا ما أريد الاستفادة من هذه الطاقة الإيجابية التي تميز دبي، فيجب وضع الأساليب التقليدية المريحة لمزاولة الأعمال جانبا، وأن يصغي كل واحد إلى الآخر بذهن متفتح، وهو ما يطلق الطاقة الإبداعية للوصول إلى حلول.

فرص جديدة

وتؤكد أقوال المسؤولين في المركز اتباع نهج في التعاطي مع الأزمة ينطلق من النظر إليها على أنها تتيح فرصا، وتتمثل هذه الفرص في كون القطاع المالي والمصرفي في الأسواق المتقدمة سواء في لندن أو نيويورك يواجه أزمة غير قابلة للحل على نحو سريع، فهي بحاجة إلى إعادة رسملة القطاع المصرفي بنيويورك ولندن وغيرها وبحاجة إلى هيكلة هذه القطاعات، في حين أن هذه القطاعات في دول مجلس التعاون مازالت سليمة وتتمتع بالقدرة على استيعاب مضاعفات الأزمة.

وبالنظر إلى انتهاج مركز دبي المالي رسالة عالمية وإقليمية، فقد وضع نصب عينية على طرح الأفكار والرؤى التي بها يمكن للدول الخليجية التعامل الحصيف مع تداعيات الأزمة، فعلى سبيل المثال، دعت دراسة صادرة عن مركز دبي المالي العالمي بعنوان « التحديات التنظيمية والمؤسساتية لدول مجلس التعاون الخليجي في مواجهة الأزمة المالية «دول مجلس التعاون الخليجي إلى تأسيس نظام للإنذار المبكر ضد الأزمات المالية، وألا تدع الأزمة تمر من دون أن تقوم بتحديث أطرها التنظيمية، فضلا عن المشاركة في تصميم النظام المالي العالمي الجديد، كما أوصت الدراسة بضخ استثمارات ضخمة مجال حوكمة الشركات للتعامل مع القضايا المتعلقة بالشفافية والإفصاح وإدارة المخاطر. ولفتت الدراسة إلى أن الأزمة ستفرز تغييرات كبيرة، من بينها زيادة الثقل الاقتصادي للأسواق الصاعدة، كما دعت إلى تأسيس شبكة أمان مالي، تتضمن إرساء أسلوب تأمين الودائع لتكمل وظيفة « المقرض الأخير « التي تنهض بها المصارف المركزية.

وتناولت الدراسة التي قام بإعدادها الدكتور ناصر السعيدي كبير الاقتصاديين في مركز دبي المالي العالمي أوجه تأثيرات الأزمة شارحة بأن الأزمة المالية العالمية ضرت منطقة الشرق الأوسط خاصة الخليج بحدة أقل مقارنة بالمناطق الأخرى في العالم، وهو ما يعود إلى قوة مقوماتها الاقتصادية الكلية، وانضباطها المالي، وضآلة حجم المنتجات والأوراق المالية المهيكلة، وربحية الأسواق المحلية، والخبرة المحدودة في إدارة المنتجات الاستثمارية المهيكلة، وتنامي أهمية المنتجات المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية.

قاعدة القوة

وتنطوي القاعدة التي انطلق منها مركز دبي المالي العالمي صوب تأكيد موقعة كواحة مزدهرة في عالم يموج بالإضرابات المالية، على مقومات وعناصر قوة يندر تواجدها مجتمعة في أي بقعة أخرى من العالم، وتم تشييد هذه القاعدة نتيجة لتحرك المركز المتزامن خلال السنوات الثلاث الماضية على عدة.

وهكذا، طلت علامات استفهام كثيرة بشأن الأفكار المبدعة والخلاقة والتي أستلهمها القائمون على المركز من السجالات الفكرية التي جرى تنظيمها ؟ وكيف يكون بمقدور المركز البروز كواحة مستقرة في عالم يعج بالإضرابات ؟

لم تكن الإجابة عن هذه التساؤلات شفهية، بل جاءت على هيئة أفعال وتصرفات تتيح للمراقبين والمحللين توصيفها وفقا لرؤاهم وتصوراتهم الفكرية.

ركائز ثابتة

ويخلص هنا اقتصاديون بارزون في معرض رصدهم لتأثير الأزمة المالية على مركز دبي المالي العالمي، إلى نتيجة مؤداها ان المركز قد استفاد من الأزمة المالية العالمية، بأن صار أكثر تمرسا على مواجهة التحديات الصعبة، فعلي الرغم من قصر عمره الزمني، إلا أنه أضحى يتمتع بمقومات قوة تجعله قادرا على مواجهة أي تقلبات وأزمات في المستقبل.

وفي هذا المجال، يقول محمد سعيد الحلبي المستشار السوري في التخطيط للتنمية الاقتصادية والاجتماعية: بتقييم كل المعنيين بالاقتصاد والشأن المالي أصبحت دبي فعلاً بوابة عالمية مالية واقتصادية»، مشيراً إلى أن «رغم الهزة العنيفة التي اجتاحت دول العالم ككل مالياً واقتصادياً، إلا ان وجود القواعد والركائز والثوابت التي أسسها هذا المركز وغيره في إمارة دبي جعلت الأزمة تمر بدون خسائر كبيرة حيث أصبح بالإمكان تسمية الأزمة بالكبوة التي استطاعت دبي تجاوزها والانطلاق مجدداً.

شاهد على قوة دبي

بدوره قال الدكتور مالك البزيرات الاقتصادي الأردني إن الأزمة المالية كانت معضلة تطل بظلال قاتمة على معظم العالم لتكون بمثابة إعصار مالي يضرب في كل مكان ولا يستثني ساحلاً أو يستهدف آخر دون آخر، فالكل تأثر بهذه الأزمة. ولكن المحاولات التي اعتمدت لوقف التدهور ومن ثم النهوض بالاقتصاد العالمي مجددا نجحت وإن كان بصورة بطئية للغاية.

وأضاف بقوله : اعتمدت دبي على التعاطي مع الأزمة الجارفة بأسلوب هادئ تمكن من خلالها قادتها من التعامل بمرونة في التعاطي مع الأزمة، إذ جرى وضعوا رؤية لكيفية تفاديها إعراضها أولا ومن ثم إيجاد السبل السريعة للخروج عن تداعياتها ولاحقا بدء التعامل مع بداية حل الأزمة.

وأشار إلى ان الأزمة المالية العالمية ذاتها كانت علامة وشاهدا على قوة الاقتصاد الإماراتي عامة ودبي خاصة ومتانته وسيره في الطريق الصحيح.

وأكد على أن الأزمة المالية كانت كساحبة صيف عابرة لم تترك خلفها غير بقعِ سرعان ما ستتبخر من دون أن يكون لها أي أثر.

وقال إن صلابة دبي اقتصاديًا كانت الاختبار الأقوى الذي برهنت به قيادة دبي أن رؤيتها لمستقبل دبي رؤية قائمة على أرضية اقتصادية صلبة لا تثيرها الأزمات ولا تخدشها الإشاعات، فرغم تهاوي كبرى الاقتصاديات العالمية أمام الأزمة المالية تمسكت دبي بخطاها الثابتة الواثقة نحو مستقبل مزدهر مليء بالفرص الاستثمارية الخصبة التي تعتبر مقصدا وأملا بمكاسب اقتصادية مستقبلية وبيئة استثمارية آمنة.

مصداقية عالمية

واضاف بقوله: حافظت دبي على مصداقيتها العالمية في التميز، وصلابة دبي أمام الأزمة المالية لم يكن إلا ثمرة جهد قيادي فذ لقادة دبي وعلى رأسهم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، فسموه بارع في تحويل التحدي لنصر ونجاح والمعضلات لمكتسبات، حيث يتوقف بعضنا عند المشكلات والأزمات ولكن ما قامت به قيادة دبي ان صنعت منها طاقات تسرع من الحركة نحو الأهداف.

ووضع البزيرات صورة مماثلة لأزمات سابقة استطاعت دبي تخطيها فقد استطاعت دبي تخطي أزمة اللؤلؤ في ثلاثينات القرن الماضي، واستطاعت تخطي الأزمات والنزاعات الدولية في المنطقة واثارها السلبية، وهي الآن تبرهن من جديد على صلابتها من خلال تخطيها للأزمة المالية العالمية بكل صلابة.

ووصف البزيرات المركز المالي لدبي عالميا بأنه منهاج قيادة متميز استطاعت من خلاله إمارة النجاح، كما وصف دبي.

وأضاف إن دبي لم تنصت لكل المشككين برؤيتها وصلابتها الاقتصادية، فهي تنتهج نهج فارسها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.

دبي ـ مجدي عبيد - عواصم - «البيان»