هل بدأنا حقاً نفقد قدرتنا على التواصل وجهاً لوجه؟ فعلى الرغم من كوننا مجتمعاً يفاخر بلقائه وحواره مع الآخرين، إلا أن شباب اليوم يبدون ميالين لقضاء وقتهم ملتصقين بهواتفهم المحمولة وأجهزة البلاكبيري على المواقع الاجتماعية مثل «تويتر» و«فيس بوك» أكثر من توقهم للتواصل المباشر مع الآخرين.

وعلى سبيل المثال، فقد مررت قبل بضعة أيام بالقرب من مقهى في أحد مراكز التسوق، حيث رأيت مجموعة فتيات جالسات إلى إحدى الطاولات يرتشفن القهوة ويتجاذبن أطراف الحديث، كما تخيلت للوهلة الأولى. ولكن في الحقيقة، لم تكن أي منهن تتحدث مع الأخرى، بل كانت الفتيات منهمكات جميعاً في الضغط على أزرار أجهزتهن المحمولة أو التحدث عبرها. وفي المكان نفسه، مررت بزوجين وطفلهما، وكان كل منهما يستخدم هاتفه المحمول، الزوجة تتكلم والزوج يرسل رسالة من دون أي يعيرا أي اهتمام للطفل.

بالعودة إلى تاريخنا وعاداتنا، نجد أن التواصل بالكلام هو من أهم سمات ثقافتنا، ولكن يبدو أن التكنولوجيا الحديثة بدأت تحل تدريجياً مكان ذلك، إذ كيف يمكن لزوجين أن يسيرا معاً، بينما يواصلان أحاديثهما مع أناس آخرين؟ وكيف يمكن لأصدقاء أن يجلسوا إلى مائدة واحدة، وكل منهم منهمك في حديث مسافر عبر موجات الأثير؟ وما يصيبني بالذعر ويثير عجبي حقاً هو أن يختار الناس قضاء أوقاتهم بهذه الطريقة. حتى لغتنا أصبحت مطعمة بمفردات لغة الرسائل النصية القصيرة، حيث نختصر الكلمات والعبارات لتناسب الرسالة أو ذوق المتلقي، إلى درجة أصبحنا معها نفتقر إلى فن جميل يدعى الحوار.

أتذكر في طفولتي عندما كانت والدتي تتسلى مع قريباتنا أو جاراتنا، فقد كانت النسوة يتناولن كل ما قد يخطر في البال من أحاديث النساء المعتادة، ابتداء من الأطفال وتكاليف المعيشة وانتهاء بوسائل الراحة الجديدة. ولكن القليل من أبناء جيلي اليوم لا يراوده الحلم بالجلوس لمناقشة مثل هذه الأمور، بل نتحدث عن وظائفنا وخططنا لمواصلة التعليم. ومع ذلك، فإننا لا نناقش هذه الأشياء وجهاً لوجه، بل عبر الهاتف أو الإنترنت. لقد أصبحنا نتواصل عن بعد وبأسلوب يفتقر تقريباً إلى أي لمسة إنسانية. صحيح أننا على اتصال دائم، ولكننا بعيدون بكل المعاني عن الشخص الذي نخاطب.

وعندما تحدثت مؤخراً مع أحمد بن شبيب، المؤسس الشريك لمجلة «براون بوك»، أطلعني على مفهوم جديد يعملون عليه بهدف إحياء المجلس التقليدي لدى جيل الشباب. وفي الحقيقة، فإن هذا النوع من المشاريع هو ما نحتاجه للمحافظة على أساليبنا التقليدية في التواصل مع محيطنا، ومساعدتنا في البقاء على اتصال دائم بجذورنا.