تشكّل قدرات الحكومة الإلكترونية، التي تقدّم من خلال الحكومات الخدمات للمواطنين والشركات والهيئات الحكومية والموظّفين- جزءاً أساسياً من التطوير التكنولوجي في الدولة. وعلى الرغم من إحراز دول المنطقة تقدماً كبيراً في تنفيذ الحكومة الإلكترونية، ما زالت الطريق أمامها طويلة. وقد وجدت دراسة أجرتها شركة «بوز أند كومباني» أنّه، وبغية النجاح في تنفيذ الحكومة الإلكترونية، ينبغي على دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا اعتماد مقاربة تتمحور حول العميل، وعلى الحكومات وضع خطط تنمية شاملة ومستدامة.
وفي السابق، كانت الخدمات أو المعلومات الحكومية تُقدَّم للعميل فقط في مكاتب الحكومة بحضوره شخصياً. في هذا الإطار، قال رامز شحادة، نائب رئيس في شركة «بوز أند كومباني» والمسؤول عن قطاع استراتيجية تكنولوجيا المعلومات في الشرق الأوسط، تستفيد نماذج الحكومة الإلكترونية من تكنولوجيا الانترنت لتجعل الخدمات الحكومية أكثر فعالية وموثوقية وسرعة ومركّزة على العملاء. وعلى الصعيد العالمي، تساعد الحكومة الإلكترونية الحكومات على التركيز الفعال على العملاء والعبور بدولها نحو مبادرات المعلومات. وتكتسب هذه المسألة أهمية كبرى في ضوء:
* المنافسة العالمية لاستقطاب الاستثمارات وتعزيز التعدّدية في التطوير الاقتصادي الوطني.
* الضغوط التي يمارسها المواطنون والشركات لتحديث القطاع العام.
* الرغبة في زيادة الفعالية والخدمة الموجهة في الإدارات العامة.
* السعي إلى إيجاد وسائل جديدة لتلبية حاجات المواطنين وضمان الشفافية والمشاركة
* ازدياد الثغرة الرقمية بين المناطق الريفية والمدينة.
دعم القدرة
وعلى حدّ قول ريمون خوري، مدير أول في شركة بوز أند كومباني: تشكّل الحكومة الإلكترونية عاملاً حيوياً في دعم قدرة دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على التنافس دولياً، وتسهيل خلق بيئة مؤاتية للاستثمارات الأجنبية، والاستمرار بدعم تطوّر القطاعات الوطنية. وقد تغيّر التردّد الذي شعرت به دول مجلس التعاون الخليجي أساساً تجاه تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، حتى برزت بعض الدول كرائد عالمي في الحكومة الإلكترونية.
ويفتح النمو الاقتصادي والإصلاحات والمشاريع التجارية الجريئة الفرصة لتطوير الحكومة الإلكترونية كجزء من إصلاحات الدولة، واعتماد نظام إداري متطوّر ويركّز على العملاء، لا يحمل الأعباء والتعقيدات المرتبطة بتكامل وصيانة الأنظمة القديمة. وتكمن أعظم فرصة حكومة إلكترونية في التطور الوطني.
وسوف تؤدّي هذه الفرصة إلى زيادة المهارات التكنولوجية والإلمام باستخدام الكمبيوتر التي يتمتع بها المواطنون، وسوف تدعم مبادرات القطاع الخاص. وعليه، صرّح شحادة، سوف يؤدّي انتشار اعتماد تكنولوجيا المعلومات والاتصالات إلى تقليص التكاليف التي تتكبدها الدولة، لا سيما بفضل تحسن الإنتاجية وعملية صنع القرارات بفعالية.
الشروط والعوائق
ويجب أن يتوفّر عدد من العناصر لنجاح برنامج حكومة إلكترونية، منها الاستقرار السياسي والاقتصادي. إلى ذلك، ينبغي على الحكومات اعتماد أجندة تطوير الحكومة الإلكترونية ووضع جدول زمني واضح لتسهيل تنفيذ الأجندة بفعالية. كما يجب أن يكون المواطنون مرتاحين مع فكرة خدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الجديدة التي سوف تنجم عن التنفيذ. وعليه، شرح خوري، يرتبط اعتماد خدمات الحكومة الإلكترونية ارتباطاً وثيقاً بقدرة المجتمع على الاتصال بشبكة الانترنت وإجراء المعاملات والإجابة عن التساؤلات إلكترونياً.
فالحكومة عاجزة عن تحقيق عائدات على استثماراتها من دون قدرة الجهات المعنية على الاستفادة من النموذج الجديد لتقديم الخدمة. لذلك، تُعتبر حملات التعليم والتوعية الفعّالة وغير الرسمية احد الحلول. غير أنه لا بد وأن يترافق بحوافز تسمح لمجموعة أكبر من العملاء بالوصول إلى الانترنت.
وتشكّل الحكومة الإلكترونية منصّة للجهات الحكومية المستقلّة للعمل بطريقة غير مركزية وغير مركّزة، طالما هي قادرة على تحقيق بعض أهداف الأداء. سوف يسهّل ذلك اتخاذ القرارات بدقّة وأداء أكثر فعالية. في هذا الإطار، علّق شحادة، يساعد السماح للقطاع الخاص بالقيام ببعض العمليات في تقديم الخدمات بفعالية وبكلفة أدنى. كما يشكّل تطوير المهام البشرية في القطاع العام مسألة رئيسية في استحداث الحكومة الإلكترونية.
بالإضافة إلى ذلك، تعيق مواطن الضعف القانونية والتنظيمية التقدّم في الحكومة الإلكترونية. في الواقع، قلّة من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تتمتع بالقوانين والتنظيمات التي تسهّل تنفيذ واعتماد حكومة إلكترونية فعّالة وآمنة. إذ يجب تحديد القوانين التي تعيق تنفيذ الحكومة الإلكترونية وإزالتها، لأنّ نظاماً قانونياً وتنظيمياً سليماً يخلق ثقة المستخدم، الأمر الذي يؤدّي إلى تحسين استخدام خدمات الحكومة الإلكترونية.
من ناحية أخرى، قال خوري، لن تحقّق منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا المنافع عينها التي حققتها المناطق الأخرى من العولمة إلاّ بعد اعتماد الحكومة الإلكترونية، لأنها تسمح بتحقيق تقدّم في التجارة الإلكترونية على الصعيدين المحلّي والدولي، وتعزّز بالتالي التجارة الوطنية والعالمية. كما تشكّل الحكومة الإلكترونية عاملاً رئيسياً في تطوير البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الدول وتجعلها أكثر استقطاباً للمستثمرين الأجانب.
وضع المنطقة
تشهد دول المنطقة تفاوتاً في سرعة اعتماد الحكومة الإلكترونية. فقد حقّقت بعض دول مجلس التعاون الخليجي قفزات نوعية وجريئة في اعتماد الحكومة الإلكترونية، بفضل اعتراف قادتها بالحاجة إلى تحديث الدولة.
غير أنّ المعدّلات التي تحققها دول مجلس التعاون الخليجي ما زالت خجولة مقارنة بالمستويات العالمية. كما لم تزل دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الأخرى متأخرة في اعتماد نمط إدارة مخصّص أكثر للعملاء. ولكي تكتسب الحكومات الديناميكية والفعالية والقدرة على التركيز على العملاء، يجب أن تحقق تقدماً، غير أنّ الحكومة الإلكترونية الفعالة ما زالت بعيدة المنال بالنسبة لهذه الدول.
وتبرز الحاجة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى خلق الزخم والمحافظة عليه، الأمر الذي يقوم على أربعة عناصر أساسية:
* الصلاحية: أي القدرة على التغيير، إما بالتوافق أو بتفويض من سلطة أعلى أو بمجموعة من الاثنين.
* الطموح: رغبة أو نيّة للتحسين
* القدرة: رأس المال البشري والمالي المتوفّر أو المطلوب من مصادر إضافية، مُخصص أو مُستخدم لتحقيق التغييرات المرجوّة
* المرونة: القدرة والإرادة على الحصول على المعلومات والاستفادة من الفرص والتأقلم مع التغيّرات
مجلس التعاون
برهن التقدّم الذي أحرزته دول مجلس التعاون الخليجي خلال السنوات الأخيرة عن طموح في تنفيذ الحكومة الإلكترونية. فعلى صعيد الصلاحيات، تستفيد دول مجلس التعاون الخليجي من غياب البيروقراطيات المستقلّة. أما في ما يتعلّق بالقدرة، تتمتع هذه الدول برأس المال المالي وتفتقر إلى رأس المال البشري، ما يفسّر اعتمادها على المهارات الأجنبية. كما لا يألو قادة مجلس التعاون الخليجي جهداً في تحسين برامجهم للتحديث الحكومي وتأقلمها مع أفضل الممارسات الدولية، ما يبرهن عن مرونة هذه الدول.
