تتكاثر الأسئلة حالياً في الأوساط العلمية والبحثية المتخصصة حول مفهوم الساعة البيولوجية الذي ظهر حديثاً في عالمنا المعاصر والذي ثبت وجوده في عالم الإنسان وعالم الحيوان وعالم النبات بدرجات متفاوتة وأهداف متنوعة. وتتفرع هذه الأسئلة الكبيرة إلى أخرى متشعبة أخرى تطرح تساؤلات عديدة حول علاقة الساعة البيولوجية بصحة الإنسان في الحاضر وفي المستقبل.
وأجمع العلماء والباحثون على أن الساعة البيولوجية للإنسان هي جهاز حساس وغامض وغير محدد الشكل والهيئة والصفات، يقوم بتنظيم إيقاع الحياة اليومية ويتحكم بالتمثيل الغذائي والسلوك والنوم والسهر ويعطي الإنسان الشعور بالزمن،بالإضافة إلى أدوار أخرى كالقيام بتنبيه الإنسان لأوقات اليقظة والحاجة لتناول الطعام وغيرها من النشاطات الحيوية الروتينية.
ويظهر أثر الساعة البيولوجية على صحة الإنسان بشكل واضح ومبدئي عندما يختلّ إيقاع الإنسان الحياتي لسبب ما كاضطرابات النوم والسفر الطويل والمناوبات الليلية كما أن هناك ارتباطاً واضحاً بين الساعة البيولوجية للإنسان ودورة النور والظلام على سطح الأرض.
يعتقد الباحثون حالياً أن منشأ الساعة البيولوجية ومكانها الطبيعي هو في منطقة محددة في سط الدماغ تعرف بالنواة فوق التصالبية وتقع فوق نقطة التقاء العصبين البصريين في قاع الجمجمة، تتكون هذه النواة من خلايا عصبية متخصصة ملتصقة ببعضها البعض تتوزع على جبهتين منفصلتين ومتساويتين من حوالي عشرة آلاف خلية، واحدة في النصف الأيمن من المخ والأخرى في النصف الأيسر.
وتعمل الساعة البيولوجية وتتحرك عبر نظام معقد من شبكات الخلايا العصبية التي تقوم بتنظيم الجداول الزمنية عبر التنسيق مع بقية الخلايا وتحديد الأنشطة الجسمانية اليومية والفعاليات البيولوجية الروتينية. كما يرتبط عمل هذه النواة أيضاً بالضوء الذي يؤثر عليها بسبب وجودها فوق نقطة التقاء العصبين البصريين.
يعتقد الباحثون أن هذا الضوء يقوم بتحفيز الخلايا العصبية في النواة بهدف تحقيق التناغم بين الساعة البيولوجية وتعاقب الليل والنهار.
توصل العلماء مؤخراً إلى اكتشاف ما يعتقد أنها الجينات المسؤولة عن عمل الساعة البيولوجية والتي تقوم بضبطها بشكل دقيق وتحديد مسارها اليومي وجدولها العملي المعتاد. ساعد اكتشاف هذه الجينات الموروثة على بدء عمليات البحث عن سبل ناجعة لتشخيص وعلاج الأمراض الناتجة عن خلل الساعة البيولوجية كالأرق وغيره.
كما فتح باباً واسعاً أمام الباحثين للتأكد من النظريات التي نشأت في السنين الماضية حول احتمال تسبب الاضطرابات في عمل الساعة البيولوجية في ظهور أمراض خطيرة كالسرطان في مجموعات محددة من الأفراد العاملين كالممرضات والمضيفات، بسبب طبيعة عملهنّ المرتكز على المناوبات الليلية.
وفي المدة الأخيرة ظهرت دراسات جديدة حاولت الإيحاء بأنه يمكن مواجهة الأمراض السرطانية بـ «التحايل» على خلاياها الخبيثة (بهدف تسهيل أو تسريع «قتلها»)، عبر تعديلات معّينة في الساعة البيولوجية للجسم المصاب بالورم. أسهم مفهوم الساعة البيولوجية في تطور الأبحاث والدراسات حول تحسين نوعية الحياة اليومية التي يعيشها الإنسان وتحسين شروط نشاطاته اليومية.
كما أسهم في فتح آفاق جديدة واستكشاف سبل حديثة في مجالات تشخيص وعلاج بعض الأمراض الصعبة والمزمنة. ويعكف الباحثون حالياً على وضع خطط مستقبلية لمحاولة الإجابة عن الأسئلة الكثيرة المتبقية حول موضوع الساعة البيولوجية وآثارها ومؤثراتها ولكن السؤال الكبير الذي يظلّ.
وسيبقى شاخصًا فوق الرؤوس ومهيمناً على النفوس هو عن هوية الذي ابتدع هذه الساعة وحرّكها وضبطها في عالم الإنسان الحيوان والنبات وربط إيقاعها بتعاقب الليل والنهار وهو الذي ركّب جيناتها الموروثة والمتوارثة وأرساها ونسخها ووضع «شيفراتها» وأبقاها فعاّلةً نشيطةً متحركةً منذ النفس الأول وحتى الرمق الأخير من دون توقف ولا تأخير!.
الجواب معروف وواضح وجلي ، جلاء الشمس الساطعة وسط النهار، و لكن هل ما في هذه الدراسات ما يجيب عن السؤال، وهل من هؤلاء العلماء من مجيب!.
