أجمع مفكرون وقادة أعمال على قدرة قمة أجندة العالم التي تحتضنها دبي على صياغة واقع الاقتصاد العالمي في ظل الظروف الصعبة التي تعيشها أسواق المال العالمية حالياً.

وتواصلت أمس أعمال قمة مجالس الأجندة العالمية التي ينظمها المنتدى الاقتصادي العالمي بالتعاون مع حكومة دبي بمشاركة ما يزيد على 700 من أبرز المفكرين وأكثرهم تأثيرا في العالم من الوسط الأكاديمي وقطاع الأعمال والقطاع الحكومي والمجتمع المدني لبحث ومناقشة بعض أهم القضايا الملحة على جدول الأعمال العالمي. وقال أندريه شنايدر المدير التنفيذي ومسؤول عمليات المنتدى إن التجمع الذي تحتضنه دبي يعد فرصة قيمة لإعادة التفكير وصياغة وبناء الاستراتيجيات من أجل تحسين واقع العالم. وركزت الجلسة الثانية على مسألة التغير المناخي. وكشف الخبراء أن العالم يحتاج إلى 100 مليار يورو على الأقل خلال السنوات العشر المقبلة للاستثمار في مشاريع إنتاج الطاقة البديلة، وأنه إذا ما تواصلت هذه الجهود وفق المخطط له فإن العالم سيعتمد بنسبة 30% على الطاقة البديلة في 2020.

استثمارات ضخمة

وقال كايو كوتش ويسر، نائب رئيس مجلس الإدارة في مجموعة دوتشيه بنك، المملكة المتحدة، وعضو مجلس الأجندة العالمية حول التغير المناخي ردا على سؤال للبيان بأن هناك عدة مشاريع قام القطاع الخاص بالاستثمار مثل دوتشيه بنك بمبالغ معقولة تصل 5 مليارات دولار خلال السنوات الماضية في الطاقة البديلة.

وكشف عن مشروع مسودة قرار في الاتحاد الأوروبي لإطلاق سوق بورصة للكربون، ومن المتوقع أن يرى النور في 2012. وقال إن من المشاريع المقترحة على مستوى دول حوض البحر المتوسط تشمل بناء وحدات لتوليد الطاقة الشمسية في القارة الإفريقية ومد خطوط أنابيب لشحن الطاقة منها إلى أوروبا مرورا بشمالها وشرقها.

توقيت مناسب

واجمع الخبراء خلال مؤتمر صحافي على أن الوقت مناسب لرصد المزيد من الاستثمارات من أجل مكافحة ظاهرة الاحتباس الحراري والانتقال إلى الطاقة البديلة. وأشاد بالجهود التي بذلتها الصين في توليد الطاقة البديلة، والخطة المعلنة لديها لتحويل جميع السيارات للعمل بالطاقة الكهربائية في 2020. متوقعا أن تفاجئ الصين المجتمع الدولي بالانجازات التي تنوي تحقيقها مستقبلا.

وقالوا إنه يجب أن تجمع سياسة التصدي بفعالية لتغير المناخ بين الحد من انبعاث الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري على مستوى العالم، لتجنب ما لا يمكن إدارته، وبين جهود التكيف على المستوى الإقليمي والوطني والمحلي.

الضرر البيئي

وأشار بافان سوخديف، مدير مبادرة الاقتصاد الاخضر التابعة لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، أنه يوجد تحد مزدوج يتمثل في خفض انبعاث الغازات الكربونية المضرة على مستوى العالم مع تلبية احتياجات الطاقة والنمو المستدام لأشد سكان العالم فقرا في الوقت ذاته. وينبغي ألا تؤدي ظاهرة تغير المناخ إلى وقف التقدم الاقتصادي للبلدان النامية أو خفض وتيرته.

تكلفة

ودعا إلى أن ايجاد عالم صديق للبيئة أضحى أمرا ممكنا، فتغير المناخ يزيد من حجم التكلفة والمخاطر التي تواجه التنمية، لكن وجود سياسة عالمية ناجحة في التعامل مع المناخ من شأنها أن توفر فرصا اقتصادية جديدة للبلدان النامية.

وقال ويسر إن تأجيل اتخاذ إجراء للحد من تغير المناخ حاليا سيكون له تكلفة ضخمة على المجتمع إذ ترتفع مستويات ثاني أكسيد الكربون مع احتمال وقوع تأثيرات كارثية. ويعد استثمار 2 في المئة من إجمالي الناتج المحلي العالمي سنويا على مدار الثلاثين عاما المقبلة لإبقاء تركيز ثاني أكسيد الكربون أقل من 450 جزءا من المليون أقل تكلفة بكثير مقارنة بالانتظار حتى يتم تجاوز حدود حرجة، ويواجه المجتمع ما لا يمكن إدارته.

وأشار إلى إن البلدان النامية أكثر عرضة لتغير المناخ، إذ أن الفقراء هم أكثر من يتعرضون للمخاطر نتيجة زيادة التقلّبات السريعة والمفاجئة في الأحوال المناخية (مثل الفيضانات ونوبات الجفاف والعواصف).

أنشطة البشر

ومن المتوقع أن يؤدي تغير المناخ الناجم عن أنشطة البشر إلى زيادة تقلب الأحوال المناخية ويؤثر تأثيرا سلبيا على الإنتاجية الزراعية في مختلف المناطق المدارية وشبه المدارية، إلى جانب انخفاض كمية المياه وتدني نوعيتها في معظم المناطق الجافة وشبه الجافة، وزيادة تفشي الملاريا وحمى الدنغ وغيرهما من الأمراض التي تنقلها الحشرات في المناطق المدارية وشبه المدارية، وكذلك الإضرار بالأنظمة البيئية والتنوع الحيوي فيها.

وعلاوة على ذلك، فقد يؤدي ارتفاع منسوب سطح البحر نتيجة للزيادة المتوقعة في درجات الحرارة إلى تشريد عشرات الملايين ممن يعيشون في مناطق منخفضة، مثل دلتا غانغ ودلتا النيل، إلى جانب اختفاء الدول الجزرية الصغيرة من على الخريطة. وقد سُجلت بالفعل زيادة حمضية المحيطات نتيجة زيادة دخول ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي للمحيطات في المحيط الجنوبي، مما يعرض للخطر سلاسل الغذاء البحري وكذلك الشعاب المرجانية، وأيضا المجتمعات المحلية الساحلية التي تعتمد عليهما في الأمن الغذائي وكسب الرزق.

ويعكف المجتمعون على إعداد الإطار الاستراتيجي عبر مشاورات مكثفة مع أصحاب المصلحة المباشرة ومن بينهم البلدان النامية المتعاملة مع الاجندة وشركاء التنمية (وكالات الأمم المتحدة وبنوك التنمية الإقليمية والمانحين الثنائيين) والقطاع الخاص والمجتمع المدني. ويوضح الإطار نهج مجموعة البنك الدولي في الاضطلاع بتفويضها الرئيسي المتمثل في تقديم المساندة للتنمية المستدامة والحد من الفقر في ضوء الحقيقة الجديدة المتمثلة في مناخ متغير له تأثيرات رئيسية على التنمية ويتطلب تحركا عالميا.

وأشار ستيف هاورد رئيس مجموعة المناخ البريطانية وعضو مجلس الأجندة العالمية حول التغير المناخي إلى أن هناك تقدما كبيرا في التمويل الجديد والمبتكر مثل صناديق الاستثمار في الأنشطة المناخية، وصندوق الشراكة لخفض الانبعاثات الكربونية في مناطق الغابات، ومنتجات إدارة مخاطر المناخ، والسندات صديقة البيئة.

مضيفا أن هناك تراكما سريعا في مجال البحث والمعارف، فقد صدر تقرير البنك الدولي عن التنمية وتغير المناخ لعام 2010 في 15 سبتمبر 2009. ومن المقرر إصدار الدراسة العالمية لاقتصادات التكيف مع تغير المناخ قبل الاجتماعات السنوية مباشرة. وتم مؤخرا استكمال العديد من التقارير الرئيسية التي تتناول قضايا تغير المناخ على المستوى الإقليمي وعلى مستوى القطاعات.

وتصميم دراسات الحالة القطرية لخفض الكربون لاستكشاف الخيارات المتاحة للتنمية القائمة على انبعاثات كربونية أقل كثافة. وتم إعداد دراسة للمكسيك، ويجري الانتهاء من إعداد دراستين للبرازيل والهند، فيما يجري تصميم مجموعة ثالثة لجنوب أفريقيا وإندونيسيا وبولندا.

صناديق الاستثمار

صناديق الاستثمار في الأنشطة المناخية التي وافق عليها مجلس المديرين التنفيذيين للبنك الدولي في يوليو 2008 هي جهد مشترك فيما بين بنوك التنمية الإقليمية والبلدان المتعاملة مع البنك لسد الفجوة التمويلية والمعرفية من الآن وحتى التوصل إلى اتفاق عالمي بشأن تغير المناخ لما بعد عام 2012.

ويتيح شرط الانقضاء التلقائي إغلاق هذه الصناديق بعد سريان هيكل مالي جديد في إطار نظام عملية اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ. ومن خلال ما يزيد عن 3,6 مليارات دولار من تعهدات المانحين، وبعد الموافقة على كل البرامج الخاصة، حفزت صناديق الاستثمار في الأنشطة المناخية أعمالا جديدة منخفضة الانبعاثات الكربونية أو مرنة إزاء تغير المناخ في أكثر من 20 بلدا.

وتوفر صناديق الاستثمار في الأنشطة المناخية التي تتضمن صندوقين متميزين هيكلا شاملا يمكن من خلاله تقديم تمويل ميسر على وجه السرعة وبشكل مرن لأغراض النمو منخفض الانبعاثات الكربونية وأنشطة تحقيق المرونة إزاء تغير المناخ.

ويمول صندوق التكنولوجيا النظيفة تسريع وتيرة التحول إلى مسار النمو منخفض الانبعاثات الكربونية من خلال إجراءات تتسم بالفعالية من حيث مردود التكاليف للحد من انبعاث الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري. وتمت الموافقة على ثلاث خطط استثمارية للتمويل المشترك لصندوق التكنولوجيا النظيفة، ويجري إعداد 11 خطة أخرى.

ويشمل الصندوق الإستراتيجي للمناخ برامج مستهدفة بأموال مخصصة لتوفير التمويل لأساليب تجريبية جديدة مع احتمال التوسع فيها: البرنامج التجريبي للمرونة في التكيف مع تغير المناخ، وبرنامج الاستثمار في الغابات، وبرنامج تعزيز الطاقة المتجددة في البلدان منخفضة الدخل.

سيبلور البرنامج التجريبي للمرونة في التكيف مع تغير المناخ أساليب عملية لدمج هذه المرونة في التخطيط الإنمائي ووضع الميزانيات في برامج العمل الوطنية المعنية بالتكيف. ويتماشى بصورة إستراتيجية مع صندوق التكيف الذي تأسس بموجب بروتوكول كيوتو ويحتفظ بصلات قوية معه.

وفي إطار البرنامج التجريبي للمرونة في التكيف مع تغير المناخ يجري العمل لتحديد الأنشطة والبدء فيها في تسعة بلدان هي: بنغلادش، وبوليفيا، وكمبوديا، وموزامبيق، ونيبال، والنيجر، وطاجيكستان، واليمن، وزامبيا. ويجري تنفيذ برنامجين تجريبيين إقليميين في منطقة الكاريبي وفي المحيط الهادئ.

برامج الشراكة

وبدأ تطبيق برنامج الشراكة لخفض الانبعاثات الكربونية في منطقة الغابات بتعهدات تبلغ 8,109 ملايين دولار للاستعداد لخفض الانبعاثات الناتجة عن إزالة الغابات وتدهورها، و50 مليونا لتمويل صندوق الكربون الخاص بالبرنامج الذي يشمل 37 بلدا قدمت ثلاثة منها مقترحات للاستعداد لخفض الانبعاثات.

وتساند وحدة الخزانة بالبنك الدولي تدفق التمويل المبتكر لاستثمارات صديقة للمناخ، بما في ذلك عن طريق سندات البنك الدولي للتبريد -وهي سندات خمسية دولارية مرتبطة بالتخفيضات المعتمدة للانبعاثات والناتجة عن مشروعات خاصة لخفض الغازات المسببة للاحتباس الحراري في الصين وماليزيا، والسندات الخضراء (665 مليون دولار عبر إصدارين لمشروعات التكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثار الظاهرة) وسندات إيكو-3-بلس (لتقديم 390 مليون دولار عبر ثلاث عمليات لأنشطة صديقة للبيئة).

وتشمل منتجات إدارة مخاطر المناخ برنامج تسهيل لإعادة التأمين ضد الكوارث في منطقة الكاريبي والتحوط من أحوال الطقس، وبرنامج لإدارة مخاطر الطقس في أميركا الوسطى، يشمل هندوراس وجواتيمالا ونيكاراجوا. استكمل البنك عملية البيع الأولي للتخفيضات المعتمدة للانبعاثات لصالح صندوق الأمم المتحدة للتكيف في مايو ويونيو 2009 وجمع 2,20 مليون دولار.

دبي ـ كفاية أولير، محمد بيضا، علي الصمادي