ما بين دبي ولندن، تتدفق الكثير من الدماء في شرايين صناعة المال في هاتين المدينتين اللتين أضحتا قبلة للمستثمرين والمؤسسات المالية والمصرفية على مختلف مشاربها وأنواعها، فبقدر ما تحمل صناعة المال في دبي قسمات بريطانية، فأنه وبالقدر ذاته، تركت دبي بصمات واضحة على صناعة المال في لندن، ولكن على الرغم من ذلك، لم تتحول المدينتان إلى نسختين متطابقتين لبعضهما البعض، بل احتفظت كل واحدة بنكهة متميزة عن الأخرى.
وهو ما جعل المراقبين لتطور صيرورة العلاقات التفاعلات بين هاتين المدينتين، يتساءلون عن كيفية جعل العلاقات بين المدينتين نموذجا للعلاقات بين المراكز المالية الإقليمية الصاعدة، وذلك على غرار صناعة المال في دبي، وتلك العتيدة ذات الطبيعة العالمية على غرار صناعة المال في لندن. بزوغ دبي وما بين الدعوة إلى تعميق التخصص الوظيفي، وتأسيس آليات للتعايش المشترك بما يفيد تطور الاقتصاد العالمي ،تطل حقيقة فرضت نفسها على صيرورة العلاقات بين المدينتين، وهي أن صناعة المال في دبي لم تعد كما كانت عليه منذ خمس سنوات مضت، بل أضحت تعبر عن بزوغ فاعل قوي له محيطه الجغرافي الذي ينشد أن يكون نشطا فيه.
كما أن هذا الفاعل يتبنى رؤية تنهض على أساس أن ازدهار أدواره ومسئولياته لا تنتقص من أدوار ومسئوليات الآخرين، بل أنه يسعى لأن يكون مكملا لشبكة المراكز المالية العالمية، وهو ما فرض بدوره إشكالية تدور حول كيفية ابتكار آليات تعمق التكامل بين صناعتي المال في كل من دبي ولندن، بحيث لا تبدو كل واحدة منافسة للأخرى، بل مكملان لبعضهما البعض.
وينطلق البحث عن آليات جديدة لتعميق تكامل صناعة المال بين المدينتين من حقيقة بزوغ دبي في فترة وجيزة من الزمن كفاعل مالي إقليمي، وتتجلى هذه الحقيقية بكافة تعبيراتها في نجاح مركز دبي المالي العالمي الذي يمثل قلب صناعة المال في مدينة دبي، في استقطاب البنوك والمؤسسات المالية من كافة أنحاء المنطقة والعالم، مستفيداً من القيمة المضافة التي يتمتع به.
وقد شهد مركز دبي المالي العالمي نمواً كبيراً كتجمع للقطاع منذ تأسيسه في عام 2004، إذ ارتفع عدد الشركات المسجلة في المركز بمعدل نمو سنوي مجمع قدره 127%، ليتجاوز 850 شركة. وتضم قائمة المؤسسات التي تزاول أعمالها في المركز معظم البنوك ومزودي الائتمان الكبار في العالم، وقد أسس العديد من هذه المؤسسات مقراً إقليمياً في الحي المالي الذي يعمل فيه حاليا 14 ألف موظف مختص.
ولم يقتصر نمو مركز دبي المالي العالمي على الحجم فقط، بل تنوعت أيضاً الأنشطة المالية التي تتم مزاولتها انطلاقا منه، حيث بادرت المؤسسات في الاقتصادات المتطورة والأسواق الجديدة الناشئة على حد سواء إلى توسيع وتعميق خبراتها ومواردها في المركز. ففي عام 2008، الذي عصفت فيه الأزمة الاقتصادية بالعالم، سجل مركز دبي المالي العالمي أكبر نمو سنوي على الإطلاق في عدد الشركات الجديدة المسجلة. وبالتالي، فإن مركز دبي المالي العالمي اليوم هو أكثر تنافسية مما كان عليه العام الماضي.
تجمع صناعة المال في دبي علاقات وثيقة مع الأسواق العالمية، وذلك لأسباب عدة. أولاً، معظم البنوك وشركات إدارة الأصول الرئيسية في الأسواق الناشئة والمتطورة حول العالم لها حضورها القوي في المركز. وبالطبع، فإن وجود هذه الشركات يتيح توطيد العلاقات مع الأسواق المالية الرئيسية في العالم. يضاف إلى ذلك، أن معظم البنوك الاستثمارية الكبرى على مستوى العالم هي أعضاء في بورصة «ناسداك دبي»، التي توفر قنوات اتصال واسعة مع أسواق المال العالمية.
وفي الإطار ذاته، وقع مركز دبي المالي العالمي مذكرات تفاهم من أجل التعاون مع المراكز المالية والجهات التنظيمية الرائدة في العالم، كما أسست سلطة دبي للخدمات المالية شبكة عالمية واسعة للتعاون التنظيمي من خلال توقيع ما يزيد على 45 مذكرة تفاهم ثنائية مع جهات تنظيمية أخرى، بالإضافة إلى العديد من مذكرات التفاهم متعددة الأطراف، مثل مذكرة التفاهم مع المنظمة الدولية لهيئات سوق المال (ةدسد).
الأموال العربية
وعلى التوازي، تألقت صناعة المال في لندن في الإضطلاع بدور مهم على صعيد استيعاب فوائض العائدات النفطية الضخمة التي تزخر بها منطقة الخليج. حيث استقطبت مدينة لندن الكثير من المؤسسات المالية العربية والمستثمرين الخليجيين، وذلك بحكم نجاحها في إرساء علاقات طويلة الأجل مع دول منطقة الخليج.
وهو ما يعود ليس فحسب إلى عمق سوقها المالي الذي تمكن من جذب مئات من أفرع المصارف الأجنبية، بشكل فاق الكثير من المراكز المالية في العالم، بل يعود كذلك إلى تكثيف المصارف العاملة في مدينة لندن نشاطها في عمليات الاقتراض والإقراض العابرة للحدود ،حيث تعد المقاطعة المالية للمدينة والتي تغطي مساحتها ميلا مربعا واحدة من أهم مراكز الأنشطة المصرفية الاستثمارية والخاصة.
وقد عرفت مدينة لندن على مدار حقب التاريخ بانفتاح شهيتها على المسائل المتعلقة بإدارة الأموال، وعلى مدار تاريخها، أظهرت المدينة مرونة فائقة في التأقلم والتكيف مع المفاهيم والأفكار الجديدة المتعلقة بالتمويل.
وقد تبنت الحكومة البريطانية موقفا مرحبا بعمليات الاستحواذ التي تقوم بها الشركات بما في الخليجية لأصول الشركات البريطانية، وجاء هذا الترحيب بناء على تفهم بأن الأموال الخليجية التي يجري ضخها في استثمارات خارجية تعد بمثابة إشارة على سياسات الحكومات في المنطقة الهادفة إلى جعل قاعدة ومصادر عائداتها أكثر تنوعا لتقليل الاعتماد المفرط على النفط كمصدر للدخل.
قسمات بريطانية
ويرصد المراقبون هنا أن تألق صناعة المال في دبي لم يكن منفصلا ومستقلا بشكل عن ما يجري من تطورات في صناعة المال في لندن، وهو ما يتجلي في حقيقة أنه يتم تنفيذ معظم الأعمال في مركز دبي المالي العالمي باللغة الإنجليزية (كون معظم العقود الدولية هي باللغة الإنجليزية)، كما أن محكمة مركز دبي المالي العالمي هي محكمة تعمل باللغة الإنجليزية وفقا للإطار القانوني في دولة الإمارات، كما أن صناعة المال في دبي تزخر بالكثير من الخبرات البريطانية في مختلف شرائح السوق، وهو ما يعني أن تطور صناعة المال في دبي أعتمد على استخلاص الدروس من مختلف الخبرات والنماذج بما في ذلك النموذج البريطاني.
وقد أشر استحواذ بورصة دبي على نسبة مؤثرة من بورصة لندن، وذلك في إطار الصفقة التاريخية التي أبرمتها مع بورصة ناسداك، على الكيفية التي بها أرست بعض عمليات الاستحواذ الأسس لعلاقات مشاركة طويلة الأجل في قطاع الصناعة المالية في المدينتين، ولكن لم يكن هذا الاستثمار سوى جزء يسير من إجمالي استثمارات الإمارات في المملكة المتحدة. إذ دائما ما تميزت العلاقات التجارية بين الدولتين بالقوة والمتانة.
حيث بلغت قيمتها خلال الأشهر الست الأولي عام 2008 إلى 68, 15 مليار درهم، فإذا كانت بريطانيا توفر بيئة أعمال تعتبر الأكثر تحررا في أوربا، فان الامارات توفر هي الأخرى بيئة أعمال تعتبر الأكثر تحررا على مستوى منطقة الشرق الأوسط، وبالتالي، فأن هناك قواسم مشتركة بين الدولتين التي من شأنها أن توفر الأرضية لنمو مستداما ومزدهرا لعلاقات الأعمال فيما بين بعضهما البعض.
الاستثمارات الإماراتية
وتفيد التقديرات هنا بأن قيمة الإنفاق الرأسمالي الإماراتي في الاستثمارات البريطانية قد بلغ 9, 30 مليار درهم، أي ما يعادل 4, 8 مليارات دولار، ويصل إجمالي قيمة الاستثمارات الإماراتية في اسكتلندا إلى حوالي3, 17 مليار درهم.
وعلى خريطة الاستثمارات الإماراتية في بريطانيا، يندرج استحواذ بورصة دبي على حصة مؤثرة في بورصة لندن ضمن فئة عمليات الاستثمار التي نجحت في إرساء علاقات مشاركة طويلة الأجل بين العاصمتين الماليتين، وهو ما يجعل آفاق التكامل بين المدينتين مجالا خصبا لابتكار أساليب وآليات تعزز التكامل بين العاصمتين الماليتين، بحيث تعبر العلاقات فيما بينهما عن حقيقة تغير معطيات صناعة المال العالمية، ببروز دبي كفاعل قوي ومؤثر في مثل هذه الصناعة التي تشكل عصب الاقتصاد العالمي.
التكامل بين الصناعتين
ولعل التساؤل الجوهري المطروح هنا، هو الكيفية التي يمكن بها أن تعمل المدينتان على تسهيل التفاعلات بين صناعتي المال من دون الخروج على قواعد السوق، وهنا تبرز مسئوليات المدينتين في التحفيز على الإدراج المزدوج لإصدارات الشركات والمؤسسات، وتوعية المستثمرين بالمزايا المتاحة في كل من السوقين، والقبول والإقرار بالمزايا التنافسية لكل سوق في مواجهة الأخر، ويري المراقبون لصيرورة التفاعلات بين المدينتين أنه من المهم بمكان تكريس التكامل بين الصناعتين.
بحيث تصبح لندن بوابة للأموال العربية التي تنشد النفاذ إلى فئات الأصول الأوروبية، وتصبح دبي بوابة للأموال الأوروبية التي تبحث عن فرص استثمارية في المنطقة المترامية الأطراف بين الأسواق الغربية وتلك الموجودة في شرق آسيا، وتحت مظلة هذا العنوان العريض، تبقي الساحة خصبة للأفكار الجديدة التي من شأنها أن تضخ المزيد من الدماء الطازجة في شرايين العلاقات بين صناعتي المال في المدينتين.
الأموال الإماراتية تنوع محفظتها الاستثمارية في بريطانيا
نوعت الإمارات محفظة استثماراتها في بريطانيا خلال السنوات الأخيرة من خلال ضخ مليارات الدراهم في فئات الأصول البريطانية، وتتوزع الاستثمارات الإماراتية على نطاق متسع من القطاعات والمجالات، بدءا من نوادي كرة القدم، ومرورا بالفنادق والعقارات الفاخرة، ووصولا بامتلاك حصص مؤثرة في كبريات الشركات البريطانية.
وبلغ الاهتمام الإماراتي بشراء حصص في النوادي البريطانية العريقة أوجه، بشراء مجموعة أبوظبي للتطوير والاستثمار في عام 2008 نادي «مانشستر سيتي» الرياضي البريطاني الشهير، بمبلغ 210 ملايين جنيه إسترليني، كما جرى الإعلان عن شراء الشيخ احمد بن صقر القاسمي رئيس دائرة الجمارك والموانئ برأس الخيمة 60 في المائة من حصة نادي انجليزي عريق بالدوري الممتاز، وتقدم الملياردير «سليمان الفهيم» بعرض لشراء نادي بورتسموث الإنجليزي، وعبرت مجموعة «زعبيل للاستثمار» في أكتوبر 2008 عن رغبتها بشراء نادي «تشارلتون أتلتيك» الإنجليزي والذي يلعب في الدرجة الأولى.
واستقطب قطاع العقارات البريطاني اهتمام الشركات الاستثمارية في دبي، وجرى الضخ في هذا القطاع مليارات الدراهم، فقد أشترت شركة شركة «انترناشونال هوتيل انفيستمنت» فندق متروبولي وقصرا بقيمة تبلغ 130 مليون جنيه إسترليني في عام 2005، وتعتبر شركة إستثمار أحد المساهمين الرئيسيين في الشركة.
كما قامت شركة استثمار في عام 2005 بشراء مبنى شوان ترافالجار سكويرص الاداري في لندن، وفي عام 2006، أشترت شركة «دبي انترناشيونال كابيتال» ذراع الاستثمارات الدولية ل«دبي القابضة» مجموعة فنادق «ترافيلودج» البريطانية من صندوق استثمار «بيرميرا» بقيمة إجمالية تبلغ 675 مليون جنيه استرليني (2, 1 مليار دولار اميركي).
وفي عام 2006، أشترت شركة استثمار مبنى ادلفي الاداري بمنطقة ذا ستراند في لندن بمبلغ يزيد عن 300 مليون جنيه استرليني (569 مليون دولار)، كما أشترت شركة إستثمار الباخرة كوين اليزابيث 2 مقابل 100 مليون دولار ،وتحولت سفينة الرحلات الشهيرة إلى فندق عائم ومتحف لجذب السياح إلى واحدة من الجزر الصناعية بالامارة.
وفي السياق ذاته، قامت شركة دبي إنترناشيونال كابيتال وهي إحدى شركات «دبي القابضة» بشراء « مجموعة توسو»، التي تعد أبرز مشغلي المتاحف والمرافق السياحية التي تستقطب أكبر عدد من الزوار في أوروبا، من مؤسسة «تشارتر هاوس كابيتال بارتنرز»، في صفقة بلغت قيمتها الإجمالية 800 مليون جنيه إسترليني، وتعد «مجموعة توسو» إحدى أبرز المؤسسات الأوروبية المتخصصة في تملك وإدارة المعالم السياحية التي تستهدف جذب الزوار، حيث تستقطب مشاريعها أكثر من 14 مليون زائر سنويا.
وتقوم المجموعة بإدارة وتشغيل العديد من المشاريع ضمن منطقة وسط نخبة من أبرز المدن العالمية بما فيها معارض «مدام توسو» في كل من لندن، نيويورك، لاس فيغاس، أمستردام، وهونج كونج، بالإضافة إلى قلعة «وارويك». هذا بالإضافة إلى امتلاكها لحصة الثلث في مؤسسة العجلة الدوارة العملاقة في لندن (بريتيش ايرويز لندن آي) والتي تقوم بإدارتها أيضاً.
تنافسية صناعة المال في دبي تنهض على مقومات متينة
يتمثل أحد أبرز إنجازات صناعة المال في دبي في إرساء الأسس الضرورية لنمو المؤسسات المالية وتزويدها بمنصة آمنة تحفزها على تعزيز النمو والإنتاجية وتحقيق التوازن بين استقرار وسهولة عمليات التشغيل. فقد استثمر مركز دبي المالي العالمي في بناء إطار تنظيمي وقضائي مستقلين، وبورصتين عالميتين هما:
ناسداك دبي وبورصة دبي للطاقة، وبنية تحتية مادية تماثل أو تفوق أرقى المعايير العالمية، بما يتيح لشركات الخدمات المالية خفض تكلفة مزاولة الأعمال. واستناداً إلى هذه البنية التحتية المادية الراسخة، نجح مركز دبي المالي العالمي في تطوير مجموعة من المؤسسات التي تعنى بالحوافز الرئيسية الكفيلة بتعزيز نمو القطاع، وساهمت هذه المقومات جميعها في إيجاد بيئة تضاهي أفضل البيئات المتاحة في العالم.
فرص ذهبية لمراكز المال الصاعدة
يرى المراقبون أن المراكز المالية الناشئة تحظي بفرص ذهبية لاكتساب مكانة مماثلة للمراكز المالية الراسخة في العالم. كما أنه بات واضحاً أن اقتصاديات دول الخليج وإن تأثرت بشكل محدود بالأزمة المالية العالمية بسبب انفتاحها الاقتصادي والتجاري على العالم، وتتبوأ دبي مكانة رائدة تؤهلها لأن تستفيد بالشكل الأمثل من هذه التطورات.
دبي ـ مجدي عبيد

