لو عدنا بالذاكرة عبر التاريخ الإسلامي، لوجدنا أن تطبيق الحوكمة الرشيدة يعود إلى فجر الإسلام. فقد كان الخليفة عمر بن الخطاب أول من بادر إلى إرساء دعائم القوانين التجارية، وتأسيس أنظمة الوقف، وإنشاء الخزينة العامة (بيت المال)، واعتماد التقويم الهجري، وإجراء إحصاء سكاني، وتعيين ولاة لمساعدته في تطبيق هذه القوانين. ونظراً لانتهاجه منهج العدل بين المسلمين وغير المسلمين على حد سواء، فقد لقب بالفاروق لتفريقه بين الحق والباطل.
واستناداً إلى أخلاقه القويمة وقيادته الحازمة، أصبحت القوانين والقيم التي وضعها مثالاً يحتذى به اليوم في الحوكمة الرشيدة. فقد كانت معاييره في تعيين ولاته تعتمد على ذوي مؤهلات قيادية. فكان يتخذ قراراته بما يرضي الله أولاً وأمته ثانياً، كما أبى محاباة كبار القوم. وكان لتعاقب القرون أثره الواضح في إصابة هذه الممارسات بالوهن. وفيما عكفت بعض الشركات على إرساء مفاهيم الحوكمة الرشيدة، إلا أن ممارستها لم ترقَ إلى مستوى توجيها منظمة التعاون والتنمية.
وتعتبر الحوكمة الرشيدة للشركات فلسفة هرمية إلى حد ما، أي أن الآخرين لن يتصرفوا بالطريقة المثلى ما لم يروا في قياداتهم مثالاً يحتذى به. فقد كان العديد من الشركات عرضة لعمليات الاحتيال، والصفقات القائمة على الفساد والجشع، وسوء استخدام السلطة، واختلاس الأصول. ولكن، لو تم تشجيع الأفراد ضمن تلك الشركات على تطبيق مبادئ حوكمة الشركات، لجاءت النتيجة مغايرة تماماً.
وفيما نقترب ببطء من تخطي مفاعيل الأزمة العالمية، فإنه يتيح لنا فرصة ذهبية لترتيب بيتنا الداخلي. كما يمكننا على أعتاب العام الجديد أن نتطلع إلى تحسين ممارسات الأعمال وفقاً لقيم شركاتنا، وبالتالي إيجاد ثقافة جديدة لضمان استدامة هذه الشركات.
ويقدم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، لنا جميعاً خير مثال في هذا الشأن؛ فقد أخذ سموه على عاتقه زيارة مكاتب القطاعين الحكومي والعام لمتابعة مدى الالتزام بمعايير وأخلاقيات العمل، واتخاذ إجراءات فورية بحق المخالفين للنهج الذي رسمته الحكومة.
وفي الحقيقة، فإن تطبيق الحوكمة الرشيدة يتوقف بالدرجة الأولى على مدى تحمل الأفراد لمسؤولياتهم، وإدراكهم لما قد تكون عليه عواقب تصرفاتهم. فكما قال الخليفة عمر ذات مرة: لو أن رجلاً له عشر عادات إحداها سيئة، لأذهبت العادة السيئة التسع الطيبة الأخرى. والسؤال الآن: طالما استطاع عمر بن الخطاب تطبيق هذه القيم قبل أكثر من 1500 سنة، فما الذي يمنعنا من الحفاظ عليها حية في عصرنا هذا؟
كاتبة إماراتية
