رغم أن التمويل متناهي الصغر ليس مفهوماً جديداً، غير أنه لم يحظ حتى الآن بما يستحق من اهتمام، ولاسيما في هذا الجزء من العالم. وهو ليس عملاً خيرياً أو تجارياً بالمعنى السائد، وإنما عمل إنساني يوظف مبالغ صغيرة لتمويل المشاريع الاجتماعية الداعمة لأفراد الطبقة الدنيا في الهرم الاجتماعي.
ويكتسب التمويل متناهي الصغر أهمية كبرى في عالم ما بعد الأزمة، خاصة وأن المؤسسات والأفراد الذين لديهم نية صادقة للاقتراض وتسديد ما يقترضون هم من لا يسعهم الاقتراض أصلاً، كما أن الذين يتمتعون بقدرة واضحة على الاقتراض والسداد هم من لا يرغبون بذلك أساساً. وأما الذين ما زال لديهم ما يخسرونه، فهم على الأرجح أولئك الذين تدفعهم نزاهتهم إلى الاستمرار في التسديد.
وحين يتعلق الأمر بالتمويل متناهي الصغر والائتمان، فإن النساء هم الداعم الأكبر لهذا المفهوم، بحسب «بنك جرامين». وعلى سبيل المثال، يؤكد فرع البنك في بنغلادش أن 94% من المقترضين هم من النساء، كما أن98% من القروض يتم تسديدها بالكامل، مما يجعل معدل استرداد هذه القروض هو الأعلى في أي نظام مصرفي.
ولا بد من التأكيد على أن التمويل متناهي الصغر ليس مؤسسة خيرية، كما أن الأفراد الساعين وراءه ليسوا متسولين، بل أشخاص يبحثون عن فرصة لتحسين أوضاعهم. إننا أحوج ما نكون إلى استثمار روح الريادة لدينا، والتفكير بمشاريع صغيرة ومتوسطة بدل المحاولة المستمرة لأن تكون مشاريعنا هي الأكبر، والأفضل، والأكثر إبهاراً، والأعرض، والأطول وما إلى هنالك من صيغ التفضيل التي يروق لنا أن نسبغها على أنفسنا. يجب أن نعمل على أن تكون مشاريعنا هي الأكثر حكمة وذكاء وربحية وعطاء ووفاء للمجتمع.
ويمكن تطبيق نموذج بنك «جرامين» في الإمارات، بحيث تستفيد منه النساء اللواتي قد لا يحصلن على الدعم اللازم. ومن خلال تمويل المشاريع التي يرغبن بتنفيذها، ستتوفر لهن فرصة العمل وفقاً لخططهن في بيئة لائقة لإدارة أعمالهن الخاصة، بدلاً من العمل موظفات لدى مؤسسة قد لا تراعي الإمكانيات التي يمتلكنها.
وفي ظل الأوضاع الراهنة لعالمنا، وغياب الشفافية في عالم الشركات، والمكافآت المجزية الممنوحة لأشخاص جعلوا مئات المليارات تضيع أدراج الرياح، فإن الفرصة لم تكن مواتية كما هي اليوم لأن يكون أفراد الطبقة الدنيا في الهرم الاجتماعي الشرارة التي تطلق ثورة مالية عالمية، تنأى بالعالم عن الصفقات المصرفية الضخمة لتجعله أكثر قرباً من التمويل متناهي الصغر.
