لا يخفى على أحد مدى ما وصلنا إليه من تطور ملموس في إعداد الكوادر والقيادات الشابة بالدولة. لقد تحول شبابنا من مستهلك إلى منتج بنور العلم والإرادة و إلى شموع تنير لنا طريق المستقبل بالعمل والسعي وراء الرزق. وكما هي فطرة البشر، فقد أعطى الخالق سبحانه وتعالى القوة للشباب والحكمة للكبار، لكل دوره ومسؤوليته في عمر محدد.

وكما أوصانا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بالاستمرار في العطاء والعمل لأخر لحظة حين قال: «إذا قامت على أحدكم القيامة وفي يده فسيلة فليغرسها»، فالحياة تستمر بالعطاء الذي لا ينضب والأجيال التي تتواصل.

لدينا نماذج كثيرة لتلك الشموع التي تضيء بعطائها الممتد للوطن والأبناء والأحفاد. ولأنه لا يوجد في قاموس الاقتصاد أي مفهوم يضع حدا لعطاء الإنسان وقيمته المادية والفكرية. أجد أن كلمة التقاعد في ثقافتنا المتداولة بدأت تأخذ منحى مغايرا للأهداف التي نسعى جميعا لتحقيقها اقتصاديا واجتماعيا. فعندما يصبح التقاعد هدفا في حد ذاته للبعض وهم في كامل صحتهم وعطائهم، نحرم الدولة من الاستفادة من الكفاءات والخبرات التي قامت بإعدادها على خير وجه.

لست ضد مبدأ التقاعد ولا أدعي الإلمام بجوانب الموضوع ولكن البعض يعتقدون حين يصلون إلى تلك المرحلة في حياتهم إن دورهم انتهى. ولكن نحن نطفئ تلك الشموع بأيدينا رغم حاجتنا لها.

فأنا أعمل يوميا مع مدراء و مسئولين منهم من تجاوز الستين وهم شعلة نشاط وطاقة لا تنضب. وأعرف أيضا أن الدول الأوروبية بدأت في زيادة سن التقاعد إلى 65 سنة خاصة بعد أن أكدت الدراسات عن «الزهايمر» أن أعلى نسبة من المصابين به هم من غلب على أسلوب حياتهم الخمول وقلة الحركة.

الواقع يؤكد أنه عندما يصل المواطن إلى مرحلة تقل فيها قوته البدنية، تبلغ طاقة عطاؤه بالفكر والحكمة ذروتها نتيجة للخبرات التي اكتسبها في سنوات عمله الطويلة، خاصة مع ما نراه من أداء متميز في الدوائر الحكومية التي أصبحت تدار بأساليب تنافسية ومنتجة. فرغم مرور السنين وتغير الأحوال فان تلك الشموع لا تخبو بل يزداد عطاؤها بنقل العلم والخبرة إلى الجيل الذي يليهم.

ربما لم تتح الفرص للمتقاعدين من المواطنين القادرين للاستمرار في العطاء بالشكل المناسب من قبل، ولكن القرار الحكيم لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بشأن تعيين المتقاعدين لدى الجهات الحكومية بإمارة دبي للاستفادة من خبراتهم رسالة واضحة لكل مواطن و مسئول بأن يستمر في العطاء، كل حسب قدراته الفكرية والبدنية. فلتتكاتف آلاف الشموع في المسيرة الاقتصادية لبناء الوطن.

نائب رئيس مجلس الإدارة الرئيس التنفيذي لمجموعة س. س. لوتاه

Yahya@lootah.com