في عالم صناعة محركات الطائرات تتنافس ثلاث شركات : شركة رولزرويس البريطانية وشركة جنرال إليكتريك الأميركية وشركة برات آند ويتني الأميركية. وتتنافس الشركات الثلاثة في مجال الحصول على أوامر توريد محركات الطائرات إلى الشركات العالمية وفي مقدمتها شركتي بوينج وإيرباص، وقد استغلت الشركتان هذا التنافس بين شركات تصنيع المحركات للحصول على تخفيضات كبيرة في الأسعار.

وهو الأمر الذي جعل الشركات الثلاث المنتجة للمحركات تغير من سياستها للتغلب على الآثار السلبية لهذه المنافسة خاصة على إجمالي إيراداتها وهامش أرباحها، وقد غيَّرت الشركات المغذية سياساتها لتنتقل من المنافسة إلى النقيض وهو الاحتكار، وبالتحديد اللجوء إلى أسلوب احتكار إنتاج وتوريد المحرك لطراز معين من الطائرات، وقد أدت هذه السياسة الجديدة إلى بعض النجاح، ولكنها عقدت من خيوط المنافسة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية في مجال صناعة الطائرات.

اختراقات من كلا الجانبين

فقد نجحت شركة «جنرال إليكتريك» الأميركية في احتكار إنتاج وتوريد محرك الطائرة الأوروبية «إيرباص 340» ذات المحركات الأربعة، ولكن بسبب تخوف الأوروبيين من هذا النوع من الاحتكار الأميركي فقد فشلت الشركة الأميركية «جنرال إليكتريك» في احتكار توريد محركات الطرازات الأخرى من الطائرة الأوروبية إيرباص.

وهو ما أتاح للشركة الأوروبية «رولزرويس» أن تصبح المحتكر الوحيد لباقي أنواع محركات إيرباص، وترتب على ذلك تنشيط الصناعة الأوروبية في هذا المجال في مقابل الصناعة الأميركية، وإلى جانب ذلك نجحت الشركة الأميركية «برات آند ويتنى» في احتكار توريد محركات الطائرة الإيرباص الجديدة (إيرباص 318) التي ستدخل الخدمة عام 2002.

ورغم أن الأوروبيين حاولوا التعاقد مع شركة جنرال إليكتريك الأميركية؛ لتوريد نفس المحرك لنفس النوع من الطائرة الأوروبية، إلا أن الشركتين الأميركيتين «جنرال إليكتريك» و»برات آند ويتنى» اتفقتا على تجنب المنافسة بينهما في هذا المجال، وأن يتعاونا في مجال تطوير هذا المحرك لمنافسة الشركة البريطانية «رولزرويس».

وبذلك أصبحت خيوط عملية المنافسة الأميركية الأوروبية في مجال الطائرات أكثر تشابكاً وتعقيدًا، خاصة إذا أخذنا في الحسبان خدمات ما بعد البيع مثل الصيانة وتوريد قطع الغيار. ولم يكن احتكار صناعة المحركات وحده الذي عقد المنافسة بين بوينغ الأميركية وايرباص الأوروبية فلم يتوقف الأمر عند حد التعقيد بل تعداه إلى إشعال المنافسة وخاصة في ظل تزايد كوارث الطيران.

الطائرات الجديدة

فطائرة الجامبو التي تنتجها شركة إيرباص الأوروبية تنافس وبشدة طائرة البوينج 747 التي شهد طرازها العديد من الكوارث خلال السنوات الأخيرة، ومع تكرار حوادث طائرة البوينج ابتداء من حادث شركة « تي دبليو إيه » أصبح ترمومتر المنافسة الأميركية الأوروبية يتحرك صعوداً وهبوطًا متأثرًا بتلك الكوارث.

ورغم المحاولات الأميركية لإبعاد الاتهام عن صناعة الطائرات الأميركية، إلا أن الاتحاد الأوروبي عمل جاهداً من خلال ما لديه من خبراء للتأكيد على أن أسباب هذه الكوارث يعود إلى وجود عيوب فنية في تصميم وتنفيذ طائرات البوينج، بل إن الأوروبيين تمادوا في ذلك وأكدوا أن كوارث بوينج بدأت في مجال الفضاء بعد كوارث مركبات الفضاء وأشهرها كارثة المركبة الفضائية «مارس بولارلاند» التي تحطمت قرب المريخ في ديسمبر 1999.

مصائب قوم عند قوم فوائد

وقد أدت الكوارث التي حدثت لطائرات البوينج الأميركية والشكوك حول سلامتها من الناحية الفنية إلى شعور صناعة الطائرات الأوروبية بالفخر، حيث ارتفعت أسهمها في البورصات العالمية وزادت الثقة في صناعة الطائرات الأوروبية سواء من جانب الدول التي ترغب في عقد صفقات لشراء طائرات ركاب أو من جانب المسافرين على هذه الطائرات، إلا أن الشعور الأوروبي بالفخر لم يدم طويلا بدءا بحادث طائرة الكونكورد التي احترقت بعد إقلاعها من مطار شارل ديجول في باريس في أغسطس من عام 2000 ووصولا بحوادث طائرات إيرباص المتتابعة والتي شهدناها مؤخرا مما جعل صناعة الطائرات الأوروبية في موقف لا تحسد عليه هي الأخرى .

وبالرغم من أن طائرة الكونكورد من إنتاج فرنسي - بريطاني مشترك ولا تشترك فيها معظم الدول الأوروبية مثل شركة الإيرباص، إلا أن ذلك لا يهم كثيراً في مجال المنافسة الدولية في حقل إنتاج الطائرات؛ لأنه في الغالب يتم عقد مقارنة بين جودة التكنولوجيا الأوروبية والأميركية.

تلك الحوادث المتقاربة لطائرات إيرباص إيه 330 جعلت التكنولوجيا الأوروبية تتعرض للتشكيك هي الأخرى ففي يونيو الماضي من هذا العام هبطت طائرة استرالية من طراز إيرباص إيه 330 تحمل على متنها 203 ركاب اضطراريا في جزيرة جوام غربي المحيط الهادي بعد اشتعال النيران في قمرة القيادة بعد أربع ساعات من الطيران وسبق ذلك سقوط طائرة من ذات الطراز تابعة للخطوط الجوية الفرنسية في المحيط الاطلسي قتل جميع ركابها البالغ عددهم 228 شخصا .

كما اضطرت طائرة روسية ايرباص إيه 320 للهبوط في نوفو سيربيسك غربي سيبريا بعد تصدع الزجاج الأمامي لقمرة القيادة، فيما أجبرت طائرة تابعة لشركة إيروفلوت كان على متنها 122 راكبا بما فيهم أفراد الطاقم في رحلة داخلية بين إيركوتسيك والعاصمة الروسية موسكو على تحويل مسارها بسبب التصدعات في زجاج الطائرة، فيماعادت طائرة ايرباص اسبانية اخرى الى الكناري بعد اكتشاف مشاكل في محركها.

واضطرت طائرة صينية أخرى من طراز ايرباص للهبوط ايضا في موسكو بعد تعطل محركها وعلى الرغم من أنه لم يصب أحد من ركاب بعض من حوادث تلك الطائرات بأذى إلا أن سلسلة الحوادث تلك كانت كفيلة بترك آثار سلبية على سمعة طائرات ايرباص دعت ناطقا باسم إيرباص المنتجة لهذه الطائرات إلى التأكيد على أن طائرات إيرباص من طراز 330 و340 المستخدمة من قبل مختلف شركات الطيران في العالم آمنة وأن شركة إيرباص لن تفكر بالطلب من مالكي تلك الطائرات إيقافها عن العمل.

دبي ـ «البيان»