من المقرر أن يصدر المؤتمر السنوي الرابع لمعهد حوكمة التابع لمركز دبي المالي العالمي «حوكمة» و«منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» والذي بدأ أعماله أمس، توصيات تدور في مجملها حول حث الشركات والحكومات في المنطقة على التركيز في عملية إصلاح حوكمة الشركات على التطبيق، فضلا عن توجيه الانتباه إلى أهمية إرساء أنظمة إعسار حديثة تعالج نواحي الضعف التي لم تبرزها الأزمة المالية الحالية.
ودعوة المصارف إلى تأسيس أقسام وإدارات خاصة بتطبيق حوكمة الشركات، إلى جانب وضع خطوط إرشادية فيما يتعلق بمعايير قرارات المصارف الخاصة بالاستثمار والإقراض، وذلك بهدف توسيع نطاق الحوكمة الرشيدة من المصارف إلى عملائها من الشركات، فضلا عن أنه من المقرر أن يصدر مدونة سياسات تتعلق بحوكمة المصارف، وقد تم تصميمها بهدف معالجة تحديات الحوكمة التي تواجهها مختلف أنواع المصارف العاملة في المنطقة، سواء كانت مدرجة في بورصات الأسهم، أو مملوكة للعائلات أو للحكومات، وسواء كانت تقليدية أو متوافقة مع أحكام الشريعة.
ودعا الدكتور ناصر السعيدي رئيس الإدارة الاقتصادية بسلطة مركز دبي المالي العالمي المدير التنفيذي لمعهد حوكمة الشركات (حوكمة) دول مجلس التعاون الخليجي بأن تكون خطوتها التالية في مجال حوكمة الشركات، هي التركيز على المجالات التالية:
أولا: أن تجعل التغييرات القانونية في أنظمة الإعسار في قلب جهودها الإصلاحية، حيث من المقرر أن يطور منتدى الإعسار الإقليمي أدوات ووسائل عملية، من شأنها أن تساعد في تنفيذ إصلاحات أنظمة الإعسار.
ثانيا: يجب أن تكون حوكمة المصارف أولوية على مستوى السياسات الوطنية.
ثالثا: يجب توسيع نطاق حوكمة الشركات لتشمل المشروعات المملوكة للحكومات، ويجب توسيع سلطة مؤسسات المحاسبة الحكومية لتشمل ممارسات حوكمة الشركات داخل المشروعات الحكومية.
رابعا: يجب أن تكون الجهات النظامية نموذجا يحتذى به في تطبيق ممارسات الحوكمة الرشيدة.
مصداقية المعايير
ولفت إلى أهمية وضع مقاييس ومبادئ تتوافق مع احتياجات كل سوق ونشاط اقتصادي على حدة، مع الأخذ في الحسبان أهمية أن تتمتع مثل هذه المقاييس بالمصداقية على الصعيدين المحلي والدولي، خصوصا إذا ما أخذ في الحسبان حقيقة أن حوكمة الشركات تتعلق بشكل رئيسي بجذب الاستثمار الدولي، وتحسين سيولة أسواق الأسهم، وتقليل تكلفة الائتمان ورأسمال بالنسبة للشركات.
وواصل حديثه بقوله: تحتاج عملية إصلاح حوكمة الشركات في منطقة الشركات إلى إعطاء المزيد من التركيز على عملية التطبيق، ومن المقرر أن تقوم مجموعة العمل تتألف من ممثلين عن معهد حوكمة وإتحاد المصارف العربية، وذلك خلال انعقاد جلسات المؤتمر الحالي، بإصدار مدونة سياسات تتعلق بحوكمة المصارف، وقد تم تصميمها بهدف معالجة تحديات الحوكمة التي تواجهها مختلف أنواع المصارف العاملة في المنطقة، سواء كانت مدرجة في بورصات الأسهم، أو مملوكة للعائلات أو للحكومات، وسواء كانت تقليدية أو متوافقة مع أحكام الشريعة.
وتابع بقوله: إن مدونة السياسات لا تهدف إلى تطوير مقاييس جديدة، ولكنها تركز على التطبيق الفعال للمقاييس القائمة والموجودة في المنطقة، كما أنها تعالج أوجه الثغرات التي جرى التعرف عليها وتحديدها من قبل مجموعة العمل، وذلك بوصفها سببا رئيسيا للإخفاق خلال الأزمة المالية العالمية.
وكشف عن بعض توصيات مجموعة العمل بقوله: أن مجموعة العمل قد أوصت بأنه يجب وضع قوانين مفصلة على المستوى الوطني تدعو كل مصرف بأن يطور منظم المصرف خبرة ذاتية له فيما يتعلق بحوكمة الشركات، وأن يصدر خطوطا إرشادية محددة، تمكنه من تقييم المصرف.
وأضاف بقوله: يدعو معهد حوكمة المصارف إلى تأسيس أقسام وإدارات خاصة بتطبيق حوكمة الشركات، إلى جانب وضع خطوط إرشادية فيما يتعلق بمعايير قرارات المصارف الخاصة بالاستثمار والإقراض، وذلك بهدف توسيع نطاق الحوكمة الرشيدة من المصارف إلى عملائها من الشركات.
وأشار الدكتور ناصر السعيدي إلى ان هناك خطا واضحا يفصل بين ممارسات الإعسار وحماية حقوق الدائنين وحوكمة الشركات والنفاذ إلى الائتمان ورؤوس الأموال، لافتا إلى أنه من المقرر أن يتم خلال المؤتمر إصدار دراسة بعنوان «أنظمة الإعسار في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا»، وتشكل هذه الدراسة خطوة أولى نحو زيادة الوعي في المنطقة بشأن الإعسار وحقوق الدائنين، وهي أمور تجلت أهميتها خلال مراحل الأزمة المالية العالمية.
دور الجهات النظامية
وأكد الدكتور ناصر السعيدي أنه على الرغم من وجود شركات في منطقة الشرق الوسط وشمال إفريقيا تنظر إلى الحوكمة الرشيدة على أنها مصدر لتعزيز ميزتها التنافسية، إلا أن الحقيقة البسيطة هي أن تحسينات حوكمة الشركات على مستوى السوق بشكل عام لا تأتي من فراغ، وإنما يتم تعزيزها وتسهيلها من قبل المنظمين، وبالتالي، هناك ثمة حاجة لان تطبق مقاييس الحوكمة الرشيدة من قبل الجهات النظامية لإعطاء المستثمرين الحماية المطلوبة لتشجيعهم على ضخ رؤوس الأموال.
ودعا الدكتور ناصر السعيدي الجهات النظامية سواء كانت ممثلة في منظمي المصارف أو سلطات أسواق المال بتأسيس إدارات خاصة بالحوكمة تتولى متابعة تنفيذ حوكمة الشركات في الكيانات التي تخضع لإشرافها.
ولفت الدكتور ناصر السعيدي إلى أنه ليس سرا أن ممارسات الإفصاح والشفافية في المنطقة مازلت متخلفة عن أفضل الممارسات الدولية، حيث أظهرت دراسات معهد حوكمة أن هناك ثمة حاجة لخلق ثقافة إدارة المخاطر داخل المنظمات والمؤسسات والشركات، وتوفير الموارد والخبرات للإدارات المسؤولة عن مسؤوليات إدارة المخاطر، حتى تقوم بتنفيذ المهام المطلوبة منها، كما أنه من المتعين على مجالس الإدارات أن تشكل لجانا خاصة بإدارة المخاطر، وذلك حتى تكون على ثقة بوجود اتصالات كفوءة عبر المستويات التنظيمية المختلفة.
ودعا كذلك الدكتور ناصر السعيدي إلى تحسن حوكمة الشركات في المشروعات الحكومية، مشيرا إلى أن الشركات المملوكة للحكومات تلعب دورا رئيسيا في اقتصادات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
وتحدث الدكتور ناصر السعيدي عن تأثير الأزمة المالية العالمية على الإصلاحات المتعلقة بحوكمة الشركات، بإشارته إلى أن هناك إقرارا عالميا بأن حدة الأزمة المالية العالمية قد تفاقمت كنتيجة مباشرة لإخفاقات حوكمة الشركات، وسوء الممارسات على أصعدة ومستويات متعددة، وبالتالي، كان اتساع نطاق الأزمة المالية أمرا مثيرا للانتباه.
حيث أن المؤسسات المالية الضخمة التي تعرضت للإخفاق قد تم إنقاذها نتيجة التدخل الحكومي، أو تعرضت للتأميم، ومن ثم، أساءت الأسواق تقدير المخاطر وتسعير قيم الأصول، وذلك بالنظر إلى إخفاق المحللين ووكالات التصنيف الائتماني في توفير معلومات دقيقة في التوقيت المناسب.
وتابع حديثه قائلا: ساهم سوء ممارسات الحوكمة والإخفاقات على مستوى مجلس الإدارة في ضعف إدارة المخاطر والإفراط في الأخذ بالمخاطر، وفيما سمحت السلطات التنظيمية للبنوك الاستثمارية بأن تتسابق فيما بينها في طرح منتجات وصفقات معقدة، وذلك من دون أن تكون على ثقة بأن كلا من البنك والمنظم اللذين يباشران مثل هذه الصفقات، يفهمان بشكل واعٍ المخاطر، فضلا عن توافر المعرفة لديهما بشأن امتلاك الأطراف المقابلة المعنية رأسمال الضروري للأخذ بمثل هذه المخاطر.
وخلص إلى إن مثل هذا الوضع قد أسفر عن فيضان من المبادرات المتعلقة بالحوكمة والتي لم يشهد لها مثيلا منذ انهيار شركة إينرون، أي منذ ثماني سنوات مضت، وفيما تركزت هذه المبادرات في الولايات المتحدة على مسألة تمكين حملة الأسهم، إلى جانب مكافآت المدراء التنفيذيين، قام الاتحاد الأوروبي مؤخرا بإصدار توصيات تتعلق بمكافآت المدراء التنفيذيين.
كما يجري الآن في المملكة المتحدة مراجعة فاعلية وكفاءة ميثاق حوكمة الشركات، كما سلط تقرير الحكومة البريطانية بخصوص حوكمة البنوك الضوء على أوجه القصور المتعلقة بنظم وتطبيقات المكافآت والحوافر، وتركيبة مجالس الإدارات، وإدارة المخاطر، إلى جانب دور حملة الأسهم الرئيسيين.
مبادرات إقليمية
وعدد الدكتور ناصر السعيدي المبادرات التي جرى اتخاذها على الصعيدين المحلي والإقليمي بقوله: أصدر المصرف المركزي الإماراتي ومؤسسة التمويل الدولية مؤخرا مسودة مبادئ توجيهية خاصة بحوكمة الشركات، وتهدف المسودة إلى توفير مصدر واحد للمعلومات لمديري البنوك فيما يخص مبادئ الحوكمة التجارية السليمة وأفضل الممارسات الخاصة بالبنوك .
وكذلك توفير عدد من المعايير المرجعية والمبادئ التوجيهية التي يمكن أن تستخدم كمقاييس معيارية اختيارية وتقييم وتحسن إن اقتضت الحاجة من أطر حوكمتها التجارية، ويتمثل الهدف من المبادئ التوجيهية للحوكمة التجارية هو توفير التوصيات العملية والفعالة والمبادئ التوجيهية إلى مديري البنوك حول كيفية إتباع وتطبيق ممارسات الحوكمة التجارية وتطوير قدرات البنوك في الإمارات على الوصول الأسهل إلى الرساميل الخارجية وتحسين القدرة على اتخاذ القرارات وتحسين سمعتها في الإمارات ومجلس التعاون الخليجي وعلى المستوى العالمي.
وواصل استعراضه لهذه المبادرات بقوله: كما انتهت هيئة الأوراق المالية والسلع من وضع مسودة قرار بشأن ضوابط حوكمة الشركات المساهمة ومعايير الانضباط المؤسسي، ويتضمن المشروع مجموعة من المواد الخاصة بمجلس إدارة الشركة ورئيس مجلس الإدارة ومسؤولية ومهام أعضاء مجلس الإدارة ولجان مجلس الإدارة واستقلاليتها ومكافآت أعضاء المجلس والرقابة الداخلية ولجنة التدقيق والتفويض من مجلس الإدارة وحقوق المساهمين وقواعد السلوك المهني وتقرير حوكمة الشركات وما يتضمنه بخصوص ممارسات حوكمة الشركة وتعاملات أعضاء مجلس الإدارة في الأوراق المالية وتشكيل مجلس الإدارة وأتعاب مدققي الحسابات ولجنة التدقيق وأية معلومات عامة حول الشركة تهم المساهمين والمخالفات والعقوبات، ومن المقرر أن تصبح هذه القواعد ملزمة للشركات المقيدة بحلول الربع الثاني من عام 2010.
وتناول بقية مبادرات الحوكمة التي جرى اتخاذها في المنطقة بقوله: لقد أصدرت المغرب في العام الماضي قانونا يتعلق بحوكمة الشركات، كما أصدرت هيئة الأوراق المالية في قطر قانونا مماثلا في مطلع العام الجاري، ومن المقرر أن تصدر لبنان قانونا لحوكمة الشركات، كما ان هيئة أسواق المال السعودية قد بدأت تدريجيا عملية وضع بعض اللوائح التنظيمية الإلزامية فيما يتعلق بحوكمة الشركات.
وأكد على أن مثل هذه المبادرات تشكل ركائز أساسية في تطوير حوكمة الشركات بالمنطقة، ومع ذلك، فانه من الملاحظ أن معظم هذه المبادرات قد جرى اتخاذها في وقت سابق على تفجر الأزمة المالية العالمية، وأنه من المقدر أن تستفيد دول المنطقة من مراجعة مثل هذه الخطوط الإرشادية في ضوء التطورات الدولية الأخيرة، خاصة ما يتعلق منها بإدارة الأزمة.
التحديات الماثلة
وتطرق إلى صور وأشكال التحديات الماثلة والكامنة بقوله: أنه من المهم التميز بين إصدار مثل هذه الخطوط الإرشادية من جانب، ووضعها على المحك العملي من جانب آخر، إذ يجب عدم التغاضي عن حقيقة أن الأسواق فجرت الأزمة المالية العالمية، في وقت الذي كانت فيه قوانين حوكمة الشركات في غاية التقدم، وبالتالي، يتمثل التحدي الماثل أمام منطقة الشرق الأوسط هو خلق ثقافة الامتثال والتطبيق، وينبغي في الحقيقية توقيع العقوبة في حالة عدم الامتثال.
دبي ـ مجدي عبيد
