قال طلال أبوغزالة رئيس المجموعة العربية للخدمات المهنية الدولية إن الاقتصاد العالمي يغرق في دوامة مشتقات مالية سيئة تقدر بنحو 500 تريليون دولار وأن عملية التخلص منها تحتاج إلى عبقرية كبيرة، مشيراً إلى تفاؤله بشأن أوضاع الاقتصاد العربي الذي كان أقل تأثراً بالأزمة بسبب غلبة الاقتصاد الحقيقي على أسواق المشتقات المالية.
ونصح، على هامش اليوم الثالث لمؤتمر المحاسبين العربي الذي عقد بفندق الحبتور جراند بدبي، الشركات والهيئات العربية بعدم الانجراف وراء شراء حصص في المؤسسات الغربية وقال إن اقتصادات أوروبا وأميركا تواجه مشاكل عضوية يصعب التخلص منها على المدى الغريب لذلك فإن أية محاولات لشراء حصص هنالك تعتبر مجاذفة كبيرة.
عملة النفط
وحول الجدل الدائر عن عملة تسعير النفط رأى أبوغزالة أنه لا مناص من استخدام عملة بديلة في الزمن القريب، مشيراً إلى أن الدولار أصبح يخضع لمعادلات غير منطقية وأن تأرجحاته المستمرة تلقي بظلالها على أسعار النفط في الأسواق العالمية. وتوقع أن يصل سعر برميل النفط إلى أكثر من 100 دولار في الفترة المقبلة وذلك لأسباب سوقية موضوعية منها الحاجة لموارد الطاقة. وأوضح: يجب أن ننتقل إلى عملات جديدة في تسعير النفط حيث أصبح انخفاض الدولار الأميركي يشكل عقبة أمام الدول المنتجة.
واعتقد أن اعتماد الدولار كمعيار لتسعير النفط لم يعد أمراً حكيماً خصوصاً إذا ما نظرنا إلى وقائع أهمها ارتفاع حجم الدين الأميركي العام إلى 20% من الناتج الإجمالي بسبب عمليات التحفيز الاقتصادي الحالية. وكان جون ماينارد كينز قد قال قبل نحو 60 عاماً أنه لا بد من الانتقال إلى عملة عالمية مشتركة وليس التخلي عن الدولار وأصبح قادة العالم من فرنسا إلى الصين يطالبون بالانتقال إلى عملة معيارية جديدة تستند إلى العملات الحالية.
خلل استثماري
ورأى أبوغزالة أن المؤسسات الغربية تمارس عمليات احتيال واسعة النطاق مدعومة بتقارير مشوهة تظهر انتعاشا غير صحيح لجذب رؤوس الأموال الأجنبية وخصوصاً العربية. وقال إن مشكلة الاستثمارات العربية تكمن في البعد النفسي وليست البيئة الاستثمارية. ووفقاً لأبوغزالة فإن معظم البلدان العربية تهتم بقوانين تشجيع الاستثمارات الأجنبية ولا تعطي مساحة واسعة من الاهتمام بالمحفزات التي يجب أن تقدم للمستثمر الوطني .
وهذا هو أحد أهم الأسباب التي أدت إلى هروب رؤوس الأموال العربية. وظل رأس المال العربي لفترة طويلة هو الذي يبني الاقتصاد الغربي في حين أن البلدان الغربية تتبادل الاستثمارات فيما بينها ولا تضخ استثمارات تذكر في الدول العربية، فعلى سبيل المثال تشكل رؤوس الأموال الأميركية في بريطانيا 70% من مجمل الاستثمارات الأميركية في الخارج وعلى ذات المنوال تتركز 70% من استثمارات بريطانيا الخارجية في الولايات المتحدة الأميركية.
وأكد أبوغزالة أن مصلحة العالم العربي تكمن في الاستثمار الداخلي الذي يعتبر في نظره أكثر أماناً من توجيه الأموال نحو المؤسسات الغربية المنهارة. وقال إن الولايات المتحدة وأوروبا ترغبان في جذب الاستثمارات العربية دون أن توجها أموالهما نحو الدول الأخرى.
ورأى أن هجمة التسويق الاستثماري التي تقوم بها المؤسسات الغربية حالياً هي أكبر كذبة في التاريخ وتهدف إلى جذب الأموال العربية نحو مؤسسات فاشلة. وأشار إلى وجود خلل توازني في التبادل الاستثماري بين الغرب والبلدان العربية وقال إن الاسثمارات العربية في الخارج تبلغ 10 أضعاف الاستثمارات الأجنبية في العالم العربي.
مسؤولية الأزمة
وحمل أبوغزالة المؤسسات المالية الأميركية مسؤولية الأزمة وقال إن غياب الرقابة الحكومية أدى إلى عمليات انفلات واسعة النطاق هزت النظام العالمي بمجمله. وأشار في هذا الصدد إلى غياب سلطة مجلس الاحتياطي الأميركي بسبب طبيعة تكوينه حيث انه يعتبر مؤسسة مختصة بوضع السياسات بعيداً عن ممارسة الدور الرقابي الأمر الذي جعل المصارف وغيرها من مؤسسات التمويل للتصرف بمعزل عن أية إجراءات رقابية.
وأكد أن ذلك دفع إلى حدوث خلل كبير تمثل في وجود مشتقات مالية مبهمة تشكل نحو 10 أضعاف مجمل الناتج الإجمالي العالمي الذي لا يتعدى ال60 تريليوناً. ووفقاً لذلك جرت عمليات تبادلات وهمية واسعة النطاق في أسواق المال دفعت من لا يملك يبيع لمن لا يملك مما أدى إلى عمليات إفلاس واسعة النطاق يجري التستر على الكثير منها لمنع حدوث انهيار كلي.
الملكية الفكرية
ودافع أبوغزالة عن احترام الملكية الفكرية في العالم العربي مشيراً إلى وجود قوانين كافية تنظم ذلك لكنه قال إن هنالك أمرين بحاجة إلى معالجة سريعة وهما تنفيذ الإجراءات الرقابية وتفعيل الأنظمة القضائية الخاصة بذلك. وطالب بضرورة تطبيق أحكام رادعة على عمليات القرصنة الفكرية.
وقال: يبرز الحديث عن الشفافية في زمن أصبح التعريف هو المشكلة الحقيقية الأمر الذي يؤدي إلى طرح سؤال مهم حول أسباب عدم وجود تعريف محدد للعديد من المصطلحات التي يتم تداولها حالياً والتي تثير المزيد من الجدل. ومن هنا تأتي أهمية الحاجة إلى تطوير المعايير الدولية خصوصاً فيما يتعلق بعملية الإفصاح عن الحسابات والتعاملات السرية. ولا يجوز انتقاد المعايير المحاسبية في العالم العربي بمعزل عما يحدث في المحيط العالمي بمجمله.
تحولات كبيرة
وسرد أبوغزالة عددا من الأمثلة التي تدل على حدوث تغيرات كبيرة في الاقتصاد العالمي. وقال إن الولايات المتحدة الأميركية أعلنت للمرة الأولى في تاريخها على أن ازدهارها سيعتمد في المستقبل على الصين التي تعتبر أحد أهم الأسواق الاستهلاكية في العالم نظراً لضخامة عدد سكانها الأمر الذي يجعلها تشكل نقطة محورية مهمة في معادلة الإنتاج والاستهلاك والصادرات. ورأى أن التغييرات تحدث بشكل متسارع على عكس التوقعات السابقة.
وقال: تحدث كتاب أميركي عن نهاية العالم بحلول 2012 لكننا نرى أن العالم انتهى فعلياً في 2008 عندما اندلعت الأزمة المالية العالمية الحالية. وأضاف: كان مجرد الحديث عن تحولات في مجال القرار الاقتصادي يعتبر حلماً في السابق إلا أننا رأينا كيف أن عالم اليوم المتغير دفع بدول مثل الهند والصين وروسيا إلى الواجهة بعد أن كانت الولايات المتحدة تنفرد وحيدة بالقرار الاقتصادي.
وأضاف: المؤسف أن العالم العربي لا يزال يعيش بالمفاهيم الاقتصادية القديمة ويتجاهل المتغيرات الحالية. ويجب أن ندرك أن النظام المالي لم يعد هو ذلك الذي كان سائداً قبل إندلاع الأزمة وأصبح يقوم على مفاهيم جديدة حيث أدركت أميركا في أعقاب الأزمة أن مصلحتها تقوم على الإزدهار العالمي حتى تضمن المصانع الأميركية أسواقاً لمنتجاتها.
وعن الفوائد التي يمكن أن يجنيها الاقتصاد العربي من الأزمة، قال أبوغزالة: ما حدث حول مشكلة الاقتصاد العالمي إلى ما هو أشبه بالاخطبوط الذي لا يمكن التخلص منه إلا بعد مرور سنوات عديدة، لكن الأمر في المنطقة العربية أقل حدة حيث ان حجم الاقتصاد الإنتاجي الحقيقي يفوق نسبة أسواق المشتقات المالية التي تكاد لا تمثل نسبة تذكر من الناتج الإجمالي العربي على عكس الوضع في الولايات المتحدة الأميركية .
حيث تشكل المشتقات المالية نحو 70% من مجمل الناتج الاقتصادي. وأشار إلى أن تحجيم دور البنوك الغربية وإضعاف دورها التنافسي في المنطقة العربية يعد من أبرز الفوائد التي تمخضت عن الأزمة المالية العالمية. وأوضح في هذا الصدد أيضاً أن الأزمة أوجدت نوعاً من الوعي الاستهلاكي سيؤدي إلى تحويل المؤسسات المصرفية إلى الجوانب الاستثمارية وسيبعدها عن الانغماص في تجارة المنتجات الخطرة.
دبي - كمال عبدالرحمن
