رصد تقرير صادر عن «باركليز لإدارة الثروات» ازدياد تفاؤل الاقتصاديين خلال الأشهر القليلة الماضية بشأن تعافي الاقتصاد العالمي.
وقال مايكل ديكس العضو المنتدب ورئيس قسم البحوث والاستراتيجية في باركليز لإدارة الثروات: نحن نشارك هؤلاء الاقتصاديين هذا التفاؤل خصوصاً وأن التعديلات القليلة على توقعاتنا كانت أكثر إيجابية منها سلبية. لو تحدثنا عن الأسواق النامية أولاً، فقد كنا نتوقع دائماً أن آسيا ستكون في طليعة المناطق المتعافية خاصة الصين في ظل جهود السلطات لتعجيل طريق العودة إلى النمو السريع.
وقد كان تصاعد النمو في الاقتصاد الصيني في الربع الثاني مذهلاً بشكل خاص، ما جعلنا نرفع توقعاتنا للناتج القومي الإجمالي الصيني للعام 2009. كما توقعنا أيضاً أن تحذو الهند والبرازيل حذو الصين، ولكن بوتيرة أبطأ. غير أن ارتفاع الناتج القومي الاجمالي البرازيلي في الربع الثاني الذي بلغ 2% فاجأ الجميع، ما حفز المزيد من التعديلات الإيجابية على التوقعات.
وتابع متسائلا: ماذا عن الاقتصادات المسماة بالمتقدمة؟ لا تبدو هذه التسمية لائقة هذه الأيام، نظراً لوقوع هذه الدول في صميم الأزمة المالية وكونها الأكثر تأثراً بها. وبناء على ذلك، كان من المتوقع أن تحد آثار الأزمة من وجود أية ميول طبيعية نحو التعافي الاقتصادي. وتطغى مؤشرات سلبية طويلة الأمد جراء مستويات الدين المرتفعة للأسر، وميزانيات المستهلكين والشركات المدمرة، والمخاوف من تداعيات مستويات الدين العام المرتفعة.
حلقة فعّالة
وقال مايكل ديكس: في الواقع، لقد سارت الأمور بشكل مدهش لغاية الآن، حيث دخلت الاقتصادات والأسواق في حلقة فعّالة إذا صح التعبير حيث نتج عن الارتفاع في قيمة الأصول الأكثر مجازفة إشارات نحو التعافي الاقتصادي، ما عزز ثقة المستثمرين والأعمال، وأطلق دورة جديدة لردود الفعل الإيجابية.
وأضاف: يعدّ الإعلان عن بيانات الناتج القومي الإجمالي، والذي يصدر فقط بشكل ربعي وغالباً ما يأتي متأخراً، أحد المشاكل التي تواجه المحللين الذين يتتبعون الاقتصاد. لذا، ومن أجل توفير تحليل أكثر دقة من حيث الوقت، قمنا بتصميم مقياس تقديري للناتج القومي الإجمالي الأميركي، وذلك من خلال تحديد النزعة المشتركة بين جميع السلاسل الزمنية الـ 140 للاقتصاد الكلي التي تصدر كل شهر.
ويشير تقديرنا الشهري للناتج القومي الإجمالي الأميركي إلى أن التعافي من الهبوط شديد في نهاية العام الفائت وبداية هذا العام سيكون أكثر ميولاً نحو الاسترداد السريع بعكس توقعات الكثير من المتشائمين الذين ظنوا أن الاقتصاد سيتخبط في القعر لمدة طويلة.
واستدرك مايكل ديكس قائلا: لكن يجدر بنا أن نتحقق من عواطف السوق خلال الفترة الماضية من العام قبل النظر في إمكانيات النمو، في حين أن التطابق بين ارتفاع شهية المستثمرين على المجازفة والتوقعات الاقتصادية هو ما يؤدي إلى وجود الحلقة الفعالة التي تحدثنا عنها بين الاقتصاد الكلي والأسواق. ولكن هل يمكننا أن نفترض أن هذه الحلقة ستستمر، وربما تزداد قوة، أم أنها ستضعف، أو حتى تنقطع؟
قوة داعمة
وقال ديكس: يبدو أن استمرار التعافي في النشاط الاقتصادي شبه حتمي خلال الشهر أو الشهرين القادمين، ما يولّد حافزاً لإيقاف إلغاء الوظائف في الولايات المتحدة. ويشير واقع التجارة الدولية التي بدأت بالانقلاب، خصوصاً للأسواق النامية الأكثر تأثراً بالتجارة، إلى إمكانية أن تشكل حلقة المخزونات قوة داعمة للناتج القومي الإجمالي. ومع تقلص المخزون وازدياد نسبة الطلبات، تعتزم الشركات تسريع عملية الانتاج مجدداً وإعادة رفع المخزون إلى مستوى يتلاءم مع الطلب بشكل مستدام. ولكن المهم حقاً بعد الربع أو الربعين القادمين هو مستوى الطلب في الاقتصادات المتقدمة الرئيسية.
ففي النهاية، على الرغم من المجال الكبير لزيادة نسب الاستهلاك في الاقتصادات النامية بشكل أسرع، غير أن حصتها القليلة (حوالي 20%) من الاستهلاك العالمي تعني أنها غير قادرة فعلياً على أن تعوض عن باقي العالم في حال تراجع المستهلكين الأنجلو ساكسونيين.
النزعات الاستهلاكية
ورصد ديكس أربعة عوامل رئيسية في تحديد النزعات الاستهلاكية في الدول المتقدمة، كما يلي:
أولاً: ثبات في الأجور الحقيقية. فقد كان نمو الأجور مستمرا في السابق، على الرغم من البطالة المتنامية، بينما أشار الهبوط في أسعار النفط إلى هبوط إجمالي في الأسعار، ما رفع القوة الشرائية الحقيقية للأسر الأميركية (إلى جانب البرنامج التحفيزي). ولكن ستؤدي المستويات المرتفعة للبطالة إلى هبوط في تسوية الدفعات. لذا فمن المرجح أن يهبط النمو في الأجور الاسمية. وفي نفس الوقت، قد تؤدي النسب المتصاعدة في التضخم الإجمالي إلى هبوط الأجور الحقيقية في نهاية هذا العام وخلال العام 2010.
ثانياً: سيتوقف الدعم المالي في العام القادم. وفي ظل تكدس المخاوف المالية العامة، من شبه المؤكد أن تتحول التسهيلات المالية إلى تضييقات مالية. ولذا ستتحول عقلية المستهلكين إلى التفكير بالخسارة (ربما على المدى الطويل)، بالمقارنة مع الاستفادة (على المدى القصير فعلياً) التي تواجدت خلال هذا العام، بفضل خطط دعم قطاع السيارات، وتقليص ضرائب القيمة المضافة، والإعانات الداعمة للدخل.
نسبة البطالة
وتابع قائلا: لن تتحول جميع الايجابيات إلى سلبيات كما في النقطتين السابقتين. في الواقع، هناك بعض السلبيات التي نتوقع أن تتحول إلى إيجابيات مع دخولنا في العام الجديد، فالعامل الرئيسي الثالث هو أن نسبة البطالة ستتوقف عن التأثير على النمو. ففي حين أن التذبذب في سوق العمالة الأميركي أسفر عن خسائر فادحة في الوظائف، فإننا نتوقع، الآن مع التعافي، حصول ارتفاع بسيط في التوظيف الإجمالي في العام 2010، ما من شأنه أن يحدث تأثير إيجابي على الدخل الحقيقي لقطاع الأسر إجمالاً.
وعن العامل الرابع قال: إن مؤثرات الثروة قد تحدث زيادة في الاستهلاك ولكن بشكل طفيف. سيساعد بذلك الارتفاع في الأسواق الائتمانية وأسواق الأسهم، ولكن نتائج مؤثرات الثروة وهي التأثيرات على إنفاق المستهلكين الناجمة عن تغيرات في قيمة الثروة المالية والحقيقية على السواء تحدث تغييراً طفيفاً وبطيئاً على إنفاق المستهلك، حيث تأخذ عادة حوالي ثلاث سنوات قبل ظهور التأثيرات بعيدة الأمد.
وأضاف:إجمالاً، نواصل اعتقادنا بتقدم التعافي الاقتصادي خلال الفترة المتبقية من هذا العام وبداية العام القادم، على الرغم من بعض المطبّات الظاهرة التي قد تغير مسار هذا التقدم. ومع بداية العام 2010، نتوقع أن تزداد الشكوك حول استدامة النمو الحسن (الذي يفوق التوقعات).
بالإضافة إلى ذلك، نتوقع أن تواجه أسواق الأصول عالية المجازفة صعوبات كثيرة لتحقيق المزيد من النمو. واختتم قائلا: كلما استمرت هذه النهضة، وارتفعت أسعار الأسهم، ازدادت امكانية تحول صناع السياسة المالية في هذا العالم الجديد إلى التركيز على إيقاف تحول الارتفاع في أسعار الأصول إلى تضخمات اقتصادية. لهذا السبب، نبقى حذرون بما يتعلق باستدامة التحسن في سوق الأسهم خلال العام 2010.
ومع التوقعات بعدم محافظة وتيرة التقدم في التعافي الاقتصادي على نشاطها، سيواجه صناع السياسة المالية مهمة شائكة خلال السنوات القادمة. ويمكن تشبيه مهمتهم كمجموعة تسير على حبال مترابطة ببعضها، حيث الحفاظ الدقيق على التوازن هو مفتاح استدامة التقدم.
(الوكالات)
