طالب محللون بأن لا تقود مؤشرات تحسن وتعافي الاقتصاد العالمي للتحليق في عالم الأحلام بعيدا عن ارض الواقع ليروا حقيقة أن تحسّن الاقتصاد العالمي أخرجه من الركود ولكنه لم يستطع أن يوصله إلى حد الانتعاش بل أن التحسّن اقتصر على إيقاف السقوط الحر للاقتصاد وتعمّقه في الركود لكن لم يرفع الاقتصاد نحو مستويات الانتعاش أو على الأقل مستويات النمو المقبولة.

وانطلاق من هذه الحقيقة لا بد من استذكار حقيقة ان النظرية الاقتصادية تعتبر دورة أعمال الأسهم مرتبطة في دورة أعمال الاقتصاد و تسبق الاقتصاد في الأداء.

وهذا يعني أن موجة التفاؤل التي سادت في الأسواق العالمية والأمريكية في الأسبوع الماضي والتي قادت مؤشر الداو جونز للارتفاع فوق مستوى 10000 نقطة ، قد تنعكس لتتحول الى موجة تشاؤم تقود الأسواق العالمية إلى موجة تصحيح عميقة. فمؤشرات الأسهم قد بدأت انخفاضا ملحوظا منذ عدة جلسات في معظم الأسواق العالمية بعد أن حققت مكاسب هائلة عندما بدأت في الارتفاع منذ ما يقارب السبعة أشهر.

عودة التشاؤم

وقال تقرير صادر عن شركة الفجر للأوراق المالية: نرى أن التشاؤم عاد ليظهر حيث أصبح الكثيرون بما في ذلك المستثمرون ينظرون إلى الاقتصاد العالمي بشكل أكثر دقة مما سبق ليروا أنه رغم خروجه من الركود إلا أنه لن يستطيع تحقيق نمو جيد ليعود إلى نفس أدائه قبل الأزمة الائتمانية .

النمو الذي تحقق في ألمانيا وفرنسا بنسبة طفيفة هي 3 .0% في الربع الثاني والثالث من هذه السنة والذي قد يخرجهما من الركود الاقتصادي التقني إلا أنه لن يحقق لهما النمو والاستقرار الاقتصادي القوي الذي يؤمن استمرار الارتفاعات القوية التي كنا شهدناها في أسواق الأسهم. والسبب في ذلك هو أن مستويات البطالة المرتفعة وتغيّر العادات الاستهلاكية تضعف الاقتصاد العالمي الذي في الأصل ما زال يعاني من تبعات الركود الاقتصادي والأزمة الائتمانية.

وبالتأكيد لولا التحفيز الاقتصادي الذي قامت فيه الحكومات ولولا خطط البنوك المركزية لكان الاقتصاد االعالمي ما زال يتعمّق في ركوده ولهذا نؤكد على أن التحسّن الذي ظهر على الاقتصاد في شتى أنحاء العالم كان بفضل دعم الحكومات في في العالم كله لاقتصاديات الدول العظمى.

مخاوف متزايدة

وعلى الرغم من تسجيل الاقتصاد الأميركي نمواً قوياً خلال الربع الثالث من العام الحالي بلغ 5 .3% ، إلا أن زيادة نسب البطالة وصعوبة شروط الائتمان بالإضافة إلى تزايد المخاوف من التضخم على المدى الطويل والذي سيجبر صناع السياسة النقدية في نهاية الأمر على التوقف عن سياسة التخفيف الكمي ، ستؤدي جميعها إلى عودة الاقتصاد مرة اخرى لتسجيل نمو ضعيف خلال الأشهر القادمة وحتى العودة للركود في حين تتزايد التوقعات بأن الاقتصاد سيصل إلى إمكانية النمو على المدى البعيد خلال الربع الأول من عام 2011.

حاليا البطالة لا زالت ترتفعألا بالتزامن مع تدني مستوى الدخل، وليس هناك ما يدل على أن الشركات ستبدأ في التعاقد والتوظيف في وقت قريب ما لم تبدأ الأنشطة الاقتصادية في الارتفاع والتي من المتوقع أن تبدأ في النصف الثاني من العام المقبل، عندما تنتهي أزمة الائتمان لتبدأ الأنشطة الاقتصادية في الارتفاع بوتيرة قوية.ألا

ضعف النمو

وهنالك عامل آخر وهو ضعف النمو واحتمال العودة للركود في الأشهر القادمة في الولايات المتحدة وأيضا في ألمانيا، حيث تشير التوقعات إلى أن الاقتصاد الألماني سيحقق انكماشا بنهاية العام الحالي بنسبة 5 .4% قبل أن يحقق نمواً ضعيفا بنسبة 5 .1% في العام القادم 2010. ضعف النمو هذا يعود إلى استمرار وجود قروض متعثرة.

وخصوصا في البطاقات الائتمانية في الولايات المتحدة والتي ارتفعت خلال الأشهر الثلاثة الماضية لتصل إلى أعلى مستوى لها منذ 5 أعوام الأمر الذي يشير إلى ان الظروف الاقتصادية لا تزال صعبة وهو ما يجعل المصارف تستمر في تشددها ويرفع من حدة المشكلات المتصلة بالنمو الذي يتطلب اطلاق القروض.

وتتسارع وتيرة ظهور البيانات والأخبار التي تشير إلى أن الاقتصاد العالمي بدأ يخرج من أعمق ركود عرفة الاقتصاد المعاصر منذ قرابة القرن، فالبيانات التي صدرت عن القطاع الصناعي في كل من الولايات المتحدة واليابان تؤكد مسار التعافي لهذا القطاع الحيوي للاقتصاد.

فقد قفزت في الولايات المتحدة طلبات البضائع المعمرة في شهر لتصل إلى 0 .1% مرتفعة من مستوياتها السابقة عند -6 .2% كما ارتفع الإنتاج الصناعي في اليابان للشهر السابع علي التوالي والذي يعتبر أطول فترة تواصل للنمو دون تذبذب منذ 12 عاما.

قلق مستقبلي

وأظهر مسح شهري أجراه مركزا جي. اف.كيه و ان.او.بي استطلاعات الرأي أن ثقة المستهلك البريطاني ارتفعت في اكتوبر إلى أعلى مستوى لها منذ يناير 2008 بفعل تحسينات في الوضع المالي للاسر ونظرتهم الى الاقتصاد على مدى الاثني عشر شهرا الماضية.

وزاد المؤشر الرئيسي لثقة المستهلك لمركز جي.اف.كيه 3 نقاط الي ناقص 13 وهو اداء أفضل قليلا من توقعات المحللين التي كانت تشير الى زيادة الى ناقص 15 وليواصل سلسلة متتالية من الزيادات الشهرية منذ يناير.

ومع هذا فان اراء المستهلكين بشان حجم الزيادة المتوقعة في قوة الاقتصاد على مدى الاثني عشر شهرا القادمة تدهورت بشكل طفيف مقارنة مع سبتمبر الذي كانت فيه الاكثر تشاؤما منذ مايو. وقالت راشيل جوي التي شاركت في اجراء المسح: المستهلكون ما زالوا قلقين بشأن المستقبل ولهذا فان الاتجاه العام نحو الصعود ما زال هشا.

وأظهر المسح الذي اجري لحساب المفوضية الاوروبية أيضا ان اعتقاد المشترين بأن الوقت مناسب الان لمشتريات كبيرة هو الاقوى منذ نوفمبر 2007. ومن المقرر ان ينتهي خفض مؤقت لضريبة المبيعات إلى 15% من 5 .17% في الحادي والثلاثين من ديسمبر في حين ان حوافز خاصة لمبادلة السيارات المستعملة بسيارات جديدة ستنتهي في اوائل 2010.

تحفظ فرنسي

وقالت وزيرة الاقتصاد الفرنسية كريستين لاجارد خلال زيارة لهونج كونج ان الناتج المحلي الاجمالي الفرنسي سينمو في الربع الثالث بما يعادل أو يفوق نموه في الربع الثاني من العام. وخرج الاقتصاد الفرنسي من الكساد في الربع الثاني ونما بنسبة 3 .0% مما فاجأ المحللين.

وأوضحت لاجارد في مؤتمر صحفي في هونج كونج في ختام زيارة استمرت ثلاثة أيام للصين: الناتج في الربع الثالث سيكون عند مستواه ان لم يكن أفضل منه في الربع الثاني. ومن المقرر ان تصدر بيانات النمو الفرنسية يوم 13 نوفمبر.

وفي الأسبوع الماضي كانت صدرت بيانات في أوربا تثبت أن الاقتصاد الأوروبي بدأ يتعافى فعلا وأن معظم القطاعات الاقتصادية قد استقرت فيه وبدأت في النمو خصوصا في ألمانيا و كذلك في فرنسا.

كذلك لم نشهد في عموم الاقتصاد الأوروبي للدول الـ 16 بيانات أشارت إلى انكماش أحد القطاعات بل شهدنا ارتفاعا كبيرا في القطاعات الاقتصادية الأوروبية المختلفة وبما تثبت أن أوروبا قد استقر اقتصادها. ورغم كل ذلك فانه من المبكر القول بأن اثار الأزمة القوية التي ضربت الاقتصاد العالمي قد مسحت نهائيا من سجلات الاقتصاد.

إشارات طفيفة

وأفادت أرقام أن الاقتصاد الأسباني الذي ضربه الركود يظهر إشارات طفيفة على التعافي. وقال البنك المركزي الأسباني إن الناتج المحلي الإجمالي انكمش بنسبة 4 .0% في الربع الثالث من العام الجاري وهو أدنى انخفاض فصلي منذ بدء الركود في عام 2008.

وانكمش الاقتصاد بنسبة 1 .4% على أساس سنوي مقابل 2 .4% في الربع الثاني. كما تراجع انخفاض أسعار المستهلكين أيضا في الشهر الجاري. وأفادت أرقام معهد الإحصاءات الوطني أن مؤشر أسعار المستهلكين في أسبانيا المتوافق مع معايير الاتحاد الأوروبي انخفض بنسبة 6 .0% في شهر سبتمبر عام 2008 مقارنة بنسبة 1% في سبتمبر الماضي.

تناقض ياباني

أعلن بنك اليابان المركزي أمس إنهاء عملياته لشراء ديون الشركات بنهاية هذا العام حيث بدأت البنوك المركزية في العالم البدء في وقف العمل بإجراءات الطوارئ التي اتخذت في أوج الأزمة المالية العالمية. لكن رئيس الوزراء الياباني يوكيو هاتوياما قال ان قرار البنك المركزي بإنهاء خطوات دعم تمويل الشركات تعكس فيما يبدو وجهة نظر تفيد ان الاقتصاد ينتعش بشكل جيد لكن من الصعب التفاؤل بشأن أوضاع الاقتصاد.

وأوضح: من الصعب الاعتقاد بان الاقتصاد الياباني سيواصل تحسنه.

وفي الوقت الذي أصبح فيه من اليسير الآن الحصول على قروض قرر البنك أيضا في نهاية اجتماع استمر يوما واحدا تمديد القروض التي تتمتع بضمانات إضافية غير محدودة للبنوك إلى وقت نهائي حتى يوم 31 مارس.

إضافة إلى ذلك يتوقع بنك اليابان أن يبدأ ثاني أكبر اقتصاد في العالم مواصلة النمو مع بداية العام المالي الجديد الذي يبدأ في الأول من أبريل المقبل في حين أبقى على سعر الفائدة الرئيسي عند 1 .0% دون تغيير. وتعهد البنك بأن تظل أسعار الإقراض متدنية ، بينما توقع عاما آخر من تراجع الأسعار.

وتوقع البنك في تقريره حول تطورات الاقتصاد والأسعار ان تعاني اليابان من كساد لمدة ثلاث سنوات على الأقل بينما ستشهد في الوقت نفسه نموا معتدلا.