إن الصدمة التي خلفتها المتاعب المالية لمجموعتي السعد واحمد حمد القصيبي العائليتين، أخذت تتردد أصداؤها في أروقة مجالس الإدارة في أرجاء المنطقة برمتها.

بالرغم من أن غالبية الشركات العائلية الضخمة تميزت بحسن إدارتها، ورسملتها القوية، فإنها تخضع الآن جميعا لتصبح أكثر انفتاحا وشفافية، وتضع الحوكمة التجارية جنبا إلى جنب مع أفضل الممارسات.

وبدون انتهاج تغييرات هيكلية ضرورية، فإنها ستواجه مصاعب في الازدهار في مرحلة ما بعد الأزمة السوقية. إن الشركات الخاصة المقفلة تعتبر العمود الفقاري لاقتصادات الشرق الأوسط. فهي منخرطة وبقوة في أنشطة التنويع الاقتصادي، وتشكل شريحة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي للقطاع الخاص. وبالرغم من أهميتها، فإنها ما زالت تمارس أعمالها دون توفير حيز كاف من الشفافية.

وأن المعدل الوسطي من الإفصاح المالي على درجة من الضعف بحيث أن إحدى وكالات التصنيف أقرت بأنها لم تكن على دراية بالمشاكل التي تعتري مجموعة السعد حتى قبل 24 ساعة من تخفيض تصنيفها إلى درجة غير المرغوب فيها. وحتى ظهور المشاكل في المجموعتين السعوديتين، كانت الشركات العائلية تعتبر شركات مقترضة آمنة وموثوقة.

وما زال معظمها في حالة جيدة، كما قام بعضها باستثمارات مخاطرة جرى تمويلها باستدانة عالية، غير أن ممارسة الإقراض الإسمي المعروف المبني على السمعة، اهتزت أركانها بقوة. فقد أصبحت البنوك أكثر حذراً وتطالب بمزيد من الشفافية، ومزيد من الضمانات، كما أن بعضها سحب خطوط التمويل لشركات بعينها.

ومكمن الخطر هو أن البنوك في خفضها المتسرع لانكشافها، تخاطر بإحداث مزيد من المشاكل، وتعثرات إضافية غير مستحبة في مؤسسات تجارية مستقرة. وفي ضوء التباطؤ الاقتصادي العالمي الراهن، والانكماش الائتماني، فإن من الممكن حدوث ذلك في أحلك الظروف. فعلى سبيل المثال فإن القروض المقدمة إلى القطاع الخاص في كل من السعودية وقطر والبحرين، انخفضت في النصف الأول من عام 2009، لترتفع ارتفاعا طفيفا في بلدان أخرى في المنطقة.

وقد اضطر أصحاب الشركات العائلية للرضوخ للمستجدات تحت وطأة ضغوط المنافسة المتزايدة، والتشدد في منح القروض والمسائل الوراثية والاستمرارية. وهذه الشركات قادرة على النهوض وبقوة من خلال تبنيها لعقلية أكثر تطورا، وانتهاج أسلوب مؤسساتي في طريقة إدارتها لأعمالها التجارية. ولا يخفى على أحد أن كثيرا من كبريات الشركات العالمية هي شركات يغلب عليها الطابع العائلي، ولكنها تجاوزت ظروفا اقتصادية أشد ضراوة بانتهاجها لثقافة تجارية عالمية.

إن استحداث هيكل حوكمة تجارية منهجي، وفصل الإدارة عن الملكية، والتفريق بين المسائل المهنية والشخصية، وتطوير الكفاءات من داخل العائلة وخارجها، هي مسائل على درجة كبيرة من الأهمية. وينبغي على الشركات العائلية الخاصة المقفلة أن تكون لها مجالس إدارة تضم ثلاثة من الأعضاء المستقلين على الأقل، ذوي باع طويل في النواحي الفنية للاطلاع بمهام التدقيق والتمويل وإدارة المخاطر.

حيث أن أولئك الذين يصرون على ارتداء قناع السرية في أعمالهم سيجدون صعوبة في جمع القروض وتمويل الأسهم، والأكثر أهمية من ذلك أن الشركات العائلية الأكثر شفافية ستتمكن من جذب شركاء محتملين، يكونون قادرين على استشفاف المخاطر الكامنة في الطرف الآخر.

ولقد سلطت أزمة السعد والقصيبي الضوء على شركات عملاقة في الشرق الأوسط، كما لم يحدث قط من قبل.أما كيفية رد فعلها فستكون حاسمة بالنسبة لآفاق نموها المستقبلي، ولازدهار المنطقة ككل. فإذا من اختارت تبني ثقافة حوكمة تجارية عصرية، وانتهاج مبدأ الشفافية والانفتاح، فإن الشركات العائلية ستتمكن من الازدهار في أسواق أكثر تنافسية ستجد نفسها فيها لا محالة، واضعة جملة من المعايير كي تحذو الشركات العائلية الأصغر حذوها.

صحيفة «فاينشنال تايمز»