أكد مصرفيون وخبراء اقتصاديون أن الجهاز المصرفي الإماراتي انتهج سياسة متحفظة ومتوازنة منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية مما قلل إلى حد كبير من درجة تأثره بالآثار السلبية لظاهرة القروض المتعثرة التي عانت منها معظم البنوك بالعالم وفي المنطقة بشكل خاص.

وقال هؤلاء المصرفيون والخبراء إن توجه المصرف المركزي لوضع قواعد لتصنيف القروض والمخاطر بالبنوك العاملة بالدولة خطوة في الاتجاه الصحيح وجاءت في التوقيت المناسب لتحقيق مزيد من الانضباط في القطاع المصرفي.

وأشاروا إلى انه لوحظ خلال السنوات الأخيرة في الفترة التي سبقت اندلاع الأزمة المالية العالمية قيام بعض البنوك العاملة بالدولة بالتوسع الكبير في الإقراض سعيا لتحقيق أعلى مستوى ممكن من الأرباح والاستفادة من النشاط الاقتصادي الكبير الذي تشهده الدولة مما تطلب اتخاذ إجراءات تنظيمية لضمان استمرار الاستقرار وتقليل نسبة المخاطر في تعاملات القطاع المصرفي.

وأعربوا عن اعتقادهم بان معظم البنوك الوطنية بدأت في تجاوز آثار الأزمة المالية العالمية مدللين على ذلك بان معظم البنوك التي أعلنت نتائجها للربع الثالث من العام الحالي أظهرت تحقيق أرباح جيدة وتجاوز المستويات القياسية التي تم تحقيقها خلال عام 2008 على الرغم من احتساب مبالغ كبيرة كمخصصات عامةً تحسبا لأي مستجدات الأمر الذي يجعل البنوك في وضع أفضل لمواجهة أي تحديات ائتمانية مستقبلاً.

وأشاروا إلى انه فيما يتعلق باتخاذ المخصصات والاحتياطيات اتخذت البنوك الوطنية خلال التسعة أشهر الأولى من عام 2009 مخصصات عامة بمليارات الدراهم بزيادات تجاوزت 150% ببعض البنوك عن الفترة نفسها من عام 2008.

وقالوا: إن استمرار البنوك في تجنيب بعض المخصصات لمواجهة الخسائر المحتملة بمحفظة القروض وبعض الاستثمارات سيفيد هذه البنوك على المديين المتوسط والبعيد عند عودة الانتعاش إلى الاقتصاد العالمي والاقليمي وان كان قد أثر سلبا على صافي أرباح بعض البنوك خلال الربع الثالث من العام الجاري، الا ان المخصصات أمر في غاية الأهمية.

التدفقات النقدية

وأكدوا أن تحرك المصرف المركزي كان منطقيا ومتوقعا لوضع قواعد تصنيف القروض والمخاطر للمصارف بعد أن ألقت الأزمة الاقتصادية العالمية بظلالها على الكثير من مؤسسات الأعمال والمال في منطقة الشرق الأوسط حيث عانت تلك المؤسسات من انخفاض الطلب وعدم استقرار التدفقات النقدية وانخفاض هوامش الأرباح وغيرها من الآثار السلبية للأزمة مما أدى لارتفاع نسبة القروض المتعثرة لدى بنوك عديدة بالمنطقة لظهور بعض الحالات أبرزها تعرض العديد من البنوك لمجموعتي سعد والقصيبي السعوديتين.

وقال محمد بشر كبير الاقتصاديين في المصرف المركزي على هامش منتدى دبي الاقتصادي ان نسبة الديون المتعثرة لدول الخليج طبقا لورقة الدكتور مسعود احمد - المدير التنفيذي لدائرة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بصندوق النقد الدولي - تتراوح بين 2- 5,3 % ، لكن هذه النسبة - على حد قوله - تحتاج الى قليل من الدقة، مشيرا الى انه وبحكم موقعه في مصرف الامارات المركزي يستطيع ان يؤكد ان نسبة الديون المتعثرة تتجاوز 5,3 % ولكن ليس بقدر كبير.

اجراءات ميسرة

وأكد فيصل عقيل مدير عام الخدمات المصرفية للافراد في مصرف الامارات الاسلامي أن المصرف ومنذ بداية الأزمة اتخذ مجموعة من الإجراءات الميسرة على عملائه الذين اضطروا لترك وظائفهم مشيرا الى ان المصرف قام بإعادة جدولة لديون المتعثرين وفقا لدخولهم والتزاماتهم المالية الجديدة . وقال ان هذه الإجراءات تتضمن فترة سماح للذين تركوا وظائفهم دون أي زيادة عليهم ايضا اعادة جدولة الاقساط على فترات اطول من المتفق عليها مشيرا الى ان السوق المصرفي بدأ يشهد استقرارا كبيرا خلال النصف الثاني من العام الجاري

العملاء شركاء

وأفاد فيصل كلداري مدير عام قطاع الأعمال في بنك دبي التجاري بأن البنك ومنذ تاسيسه يتعامل مع عملائه كأنهم شركاء في نجاحه ولذلك فان سياسة البنك لم تتغير دوما في التخاطب مع عملائه المتعثرين وترتيب جدولة جديدة لهم وفقا لتدفقاتهم النقدية الجديدة .

وقال ان البنك دوما يختار عملاء ذوي سمعة ائتمانية قوية ولذلك فان عدد المتعثرين لم يتجاوز النسب المخفضة التي يسجلها البنك خلال السنوات الماضية مؤكدا ان البنك يسعى للحفاظ على عملائه في اوقات الازمات التي تمر عليهم لافتا الى ان معظم عملاء البنك المتعثرين تم عمل تسوية واعادة جدولة لديونهم

سياسات متحفظة

واكد هاني البدراوي نائب الرئيس الاول رئيس مجموعة الخدمات المصرفية للافراد ببنك الاتحاد الوطني انه من الملاحظ ان بنوك الامارات بشكل عام تنتهج سياسات متحفظة في الاقراض وازداد هذا التحفظ بعد اندلاع الازمة المالية العالمية حيث طبقت البنوك توجيهات وتعليمات المصرف المركزي المتعلقة بالاحتياطيات والمخصصات للقروض المتعثرة وشبه المتعثرة.

واشار الى ان المقترحات الجديدة للمصرف المركزي المتعلقة بقواعد تصنيف القروض والمخاطر قسمت الاحتياطات وفقا لتدرج كل حالة وردود فعل كل عميل مقترض فيما يتعلق بالسداد والالتزام بفترات السداد والضمانات المقدمة.

واعرب البدراوي عن اعتقاده بان حالات التعثر لم ترتق حتى الان الى مستوى الظاهرة الخطيرة كما ان حالات التعثر لم تزدد بنسب كبيرة مشيرا الى ان بعض المقترضين من شركات وافراد تعرضوا لحالات نقص بالسيولة نتيجة انخفاض الموارد النقدية وطلبوا من البنوك المقرضة لهم تخفيض قيم اقساط السداد وبالتالي زيادة فترات السداد وهذا امر قد يحدث في فترات عديدة ولايشكل خطورة على الجهاز المصرفي.

تقليل نسب المخاطرة

من جانبه اعرب الدكتور همام الشماع المستشار الاقتصادي بشركة الفجر للأوراق المالية عن ارتياحه لتوجه المصرف المركزي نحو وضع قواعد واضحة لتصنيف القروض المصرفية والمخاطر مؤكدا اهمية هذه الضوابط وضرورتها لتحقيق مزيد من الاستقرار بالقطاع المصرفي الاماراتي وتقليل نسب المخاطرة خصوصا في دولة ذات اقتصاد قوي وديناميكي ومنفتح مثل دولة الامارات.

ودعا الشماع الى وضع مزيد من الضوابط في هذا المجال بالزام المصارف بأخذ تحفظات في قيمة الاصول التي ترهن مقابل القروض خصوصا الاصول العقارية والاوراق المالية نظرا لان كل الاصول معرضة للتقلبات في قيمتها عند حدوث اية متغيرات لذلك من الافضل ان لاتؤخذ القيم السوقية للاصول المرهونة لذلك يفضل وضع قواعد لنسب التحفظ الواجب اتخاذها لكل نوع من انواع الاصول المرهونة ويتم تحديثها من وقت لاخر وفقا للمستجدات المالية والاقتصادية والسوقية.

أنظمة رقابية فعّالة ونهج حذر في إدارة المخاطر

أكد المصرفيون والخبراء أن القطاع المصرفي في الإمارات يتمتع بالاستقرار نتيجة لقوة وفاعلية الأنظمة الرقابية المتبعة، والتي ساهمت في تعزيز دور النظام المصرفي في ظل الظروف الاقتصادية المضطربة على الصعيد العالمي مشيرين إلى أن سياسات إدارة المخاطر التي تتبعها البنوك الوطنية وعدم التعرض للمنتجات الاستثمارية الخطرة تعكس النهج الحذر المتحفظ الذي ازداد تمسك هذه البنوك به في الاونة الاخيرة.

وأوضحوا ان استمرار البنوك في تجنيب بعض المخصصات لمواجهة الخسائر المحتملة بمحفظة القروض وبعض الاستثمارات وان كان قد أثر سلبا على صافي أرباح بعض البنوك خلال الربع الثالث من العام الجاري.

تحقيق ـ عبد الفتاح منتصر- محمد هيبة