تزايد الطلب على سوق الخدمات الاستشارية القانونية في منطقة الخليج، كنتيجة منطقية لارتفاع عدد الشركات والأفراد الذين يواجهون أوضاعا مالية متأزمة الناجمة عن أزمة السيولة العالمية، وما صاحبها من مشاكل عديدة تتعلق بتسويات المديونيات، وتمخض عن هذا الوضع في رأي عبد العزيز الياقوت المدير الإقليمي للشرق الأوسط في شركة «دي إل إيه بايبر» «الرائدة في مجال الاستشارات القانونية، تزايد الإقبال على خدمات الديون، ودلل على قوة هذا الطلب في حديثه الخاص إلى «البيان الاقتصادي» بأنه حصل في يوم واحد على أربع طلبات لجدولة الديون، كما يختزل العملاء مطالبهم الخاصة بإعادة الهيكلة في مطلب رئيسي، وهو إعادة هيكلة الديون، الأمر الذي يؤشر على تزايد إلحاحية هذه المشكلة بالنسبة لبعض الشركات والأفراد في منطقة الخليج.

ويرصد هنا عبد العزيز الياقوت معالم تزايد الطلب على خدمات إعادة هيكلة الديون بقوله: هناك طلب ملح من الشركات لإعادة هيكلة ديونها، ولكن من المتعين أن ننظر إلى إعادة الهيكلة بجانبيها المالي والتشغيلي، إذ تعني إعادة هيكلة الديون في معناها المبسط خفض الفائدة وتمديد فترات السداد، ولكن إعادة هيكلة الديون ليس حلا كافيا، فهناك أصول تملكها الشركة المتعسرة والتي ينبغي العمل على تحسن أدائها، وهو ما يعني أنه من المتعين على الشركة المتعسرة أن تتبع نهج إعادة الهيكلة التشغيلية، ومن ثم، تشتمل عملية إعادة الهيكلة على شقين، أحدهما مالي والآخر تشغيلي. ويستدرك في حديثه قائلا: يمكن تلمس حقيقة ازدهار حجم أعمالنا من واقع اللقاءات التي أجريناها مع كثير من العملاء الذين أبدوا رغبتهم في العمل معنا مرة أخري، فعلى سبيل المثال، قمنا بتنظيم ورشة عمل في الكويت تناولت موضوع إعادة هيكلة، واستقطبت حضورا واسع النطاق، وشاركت عددا من الشركات العالمية المتخصصة، وبالفعل، بدءنا مباشرة عدة مشروعات جديدة في مجال إعادة الهيكلة، وذلك بعدما تريثت عددا من الشركات في تنفيذ مشروعاتها لحين انتهاء احتفالات عيد الأضحى، وبالتالي، استفادت هذه الشركات من أشهر موسم الصيف ورمضان المبارك في مراجعة أوضاعها، ومتابعة معطيات السوق.

وقد أثر ازدهار سوق الخدمات الاستشارية القانونية بالإيجاب على شركة «دي إل إيه بايبر» أسوة بالشركات الأخرى العاملة في مجال الاستشارات القانونية، فعلى الرغم من مرورها في بدايات الأزمة المالية العالمية بوقت عصيب، اجتازت خلاله عملية إعادة هيكلة شاملة، إلا أنها أصبحت الآن ـ بحسب أقوال عبد العزيز الياقوت _ في وضع يؤهلها للتطلع إلى الفرص التي تتيحها الأزمة، خاصة في مجال تقديم الخدمات القانونية لعمليات الهيكلة. وتعتبر دي إل إيه بايبر مؤسسة قانونية عالمية يعمل لديها أكثر من 3500 محام في 67 مكتبا و29 بلدا. ومن خلال مكاتب المؤسسة في أنحاء آسيا وأوروبا والشرق الأوسط والولايات المتحدة، يقدم مستشاروها مجموعة شاملة من الخدمات للشركات المحلية والإقليمية والدولية، وتحتل «دي إل إيه المركز الأول في العالم حسب الدخل الإجمالي وفقاً لتقرير النشاط العالمي للاستشارات القانونية.

ويشرح عبد العزيز الياقوت كيفية تحول مسار أعمال شركته من التراجع إلى الازدهار بقوله: قام الكثير من العملاء بإلغاء المشروعات، خاصة تلك النوعية الضخمة من المشروعات، وأدى هذا الأمر إلى تقليص دخل الشركة بشكل كبير، خاصة في مطلع الربع الأخير من العام الماضي، وجاء هذا التراجع بوتيرة سريعة وحادة. بيد أن هذا التراجع قد استقر في أواخر الربع الأول من عام 2008، وشاهدنا زيادة في حجم أعمالنا مع حلول الربع الثاني، وذلك نتيجة للإجراءات التي جرى اتخاذها، وبالتالي، أخذ حجم الأعمال في المرحلة الحالية في الصعود بوتيرة سريعة.

الهيكلية المالية

وينظر المنطق السائد في منطقة الخليج - والكلام ما زال له - إلى عملية إعادة الهيكلة على أنها إعادة هيكلة الديون أو إعادة الهيكلة المالية، بيد أن عملية إعادة هيكلة الديون يعد جزءا صغيرا من عملية متكاملة، ولكن يصر البعض على أن ما يريده هو إعادة هيكلة الديون فقط، ونحن بدورنا نرفض مثل هذا المنطق، فمن غير الممكن أن تنجح في إعادة هيكلة ديون من دون أن تنجح في إعادة هيكلة أساليبها في التشغيل.

وينبع ازدهار الطلب على خدمات إعادة جدولة الديون من تزايد حالات الإعسار المالي غير المعلن بين الشركات والأفراد كنتيجة لأزمة السيولة العالمية، بيد أن بعض هذه الشركات ترفض الإفصاح والإعلان عن تعسرها خشية إلحاق الضرر بسمعتها، وبالتالي، تقع هذه المشكلة ضمن دائرة المشاكل الخفية التي قد تحتاج إلى بعض الوقت لكي تطفو على السطح.

ويرى عبد العزيز الياقوت أن حجم مشكلة الإعسار المالي في منطقة الخليج أكبر مما هو معتقد في الوقت الحالي، وذلك بالنظر إلى أن بعض الشركات ترفض الإفصاح عن ميزانيتها الحقيقية، وتقوم بتمديد وجدولة تسديد أقساط قروضها، ولكن تظل المشكلة قائمة من دون حل، فربما تستطيع الشركات شراء عامل الوقت لإخفاء حقيقة أوضاعها المالية، ولكن في نهاية المطاف، فإن من يحجب ضوء الشمس، ويتوهم أن الشمس غير مشرقة، فهو لا ينفي حقيقة سطوع الشمس. فالإفلاس هو الإفلاس، والتعثر هو التعثر، ولن يحل المشاكل، اعتماد أسلوب التواري خلفها، والزعم بأنها غير موجودة.

وتقع مسئولية هذا المشكلة ليس فقط على الشركات التي لا تقر علنا بوجود مشاكل تعسر مالي، ولكن تمتد المسئولية إلى تبني دول الخليج أطرا قانونية للإعسار متقادمة، على نحو يجعلها أداه قتل للشركات المتعسرة بدلا من أن تكون طوق النجاح بالنسبة لها في الحفاظ على بقائها وقيم أصولها.

ويعرب هنا عبد العزيز الياقوت عن استغرابه بأنه رغم معاناة بعض شركات الاستثمار من التعثر المالي، إلا أنه لم تجرأ شركة واحدة على الإعلان عن إفلاسها، ويتحدث هنا عن الأسباب التي تجعل الشركات المتعسرة غير راغبة في الإفصاح عن حقيقة وضعها المالي بقوله: تواجه بعض شركات الاستثمار حالة من التعثر المالي، مما يضعها واقعيا في مواجهة مشاكل حقيقية، ولكنها لا تقر بهذه المشاكل، وهو ما يعود إلى أسباب عديدة، من بينها.

عدم قدرة بعضها على الاعتراف بهذه المشاكل، وانعدام الرغبة لدى البعض في العمل على مواجهة المشاكل، إلى جانب، تقادم قوانين الإفلاس في منطقة الخليج، والاعتماد الكبير على الحكومات في حل المشاكل المالية، رغم أنه قد لا يتوافر لدى بعض الحكومات الخليجية حجم الأموال الذي يمكنها من حل مشاكل الشركات المدينة، بحكم أنها مثقلة بالكثير من المشاكل الخاصة بها.

البنية القانونية

وفي رأي عبد العزيز الياقوت أن البنية التحتية القانونية في الدول الخليجية لم تكن مستعدة لمواجهة القضايا القانونية المترتبة على الأزمة المالية العالمية، وبالتالي، وجدت الشركات نفسها في مواجهة خيارين، فإما أن تستعين بمحامين استشاريين من الخارج، وهم ليسوا على معرفة عميقة بالبيئة الثقافية والقانونية في المنطقة، وإما الاستعانة بالمحامين المحليين الذين يمتلكون الفهم والوعي بالقوانين المحلية، ولكنهم يفتقرون إلى الخبرات في مجال إعادة هيكلة الشركات، وهو الأمر الذي أدى نشوء حاجة إلى تأسيس كوادر من المحامين المحليين الذين لديهم خبرة في مجال إعادة الهيكلة.

ويدعو عبد العزيز الياقوت إلى سن قوانين جديدة للإعسار ضمن حزمة متكاملة من الإصلاحات الاقتصادية، تكفل التعامل مع القضايا والإشكاليات بمقاييس عالمية، وتعزز موقعها كلاعب مالي عالمي، وتدعم الثقة بينها وبين اللاعبين الماليين الآخرين في العالم، كما يدعو إلى تغيير العقلية السائدة التي تنظر إلى الإعسار على أنه مسألة مشينة، بأن ينظر إليه على أنه فرصة لجلب التغييرات التي من شأنها أن تحافظ على بقاء الشركات، وحماية أصولها.

دروس الأزمة

ويعتقد عبد العزيز اعتقادا جازما بأن الحكومات الخليجية جادة في نهجها الإصلاحي، ويحدوها في هذا الصدد رؤية طويلة الأجل بشأن ما تصبو إليه، بيد أن الأزمة المالية العالمية أظهرت وجود حاجة ملحة لتطوير القوانين، فهذه هي المرة الأولى التي تواجه فيها الدول الخليجية أزمة حقيقية، باستثناء الكويت التي واجهت أزمة سوق المناخ، فالمهم أن تتعلم الدول الخليجية من دروس الأزمة، بوضع القوانين المناسبة وتطبيق المقاييس الحكومة الجيدة، وبالتالي، هناك الكثير الذي يجب أن تقوم الدول الخليجية بفعله.

ويؤمن كذلك عبد العزيز الياقوت بأنه سيتوافر لدى الدول الخليجية الكوادر القانونية المحلية المؤهلة للتعامل مع قضايا إعادة هيكلة الشركات في الأسواق المحلية والدولية على حد سواء، وذلك على الرغم أن الأمر قد يستغرق بعض الوقت.

سوق المشتري وليس البائع

اعتبر عبد العزيز الياقوت سوق الخدمات الاستشارية بأنه سوق البائع وليس المشتري، مشيرا إلى أن السوق يمر بمرحلة تصحيح سعري، يحدد فيه العملاء أسعار الخدمات، مشيرا إلى أن شركات المحاماة تقوم بخفض رسومها لكي تتجاوب مع الأوضاع الجديدة في السوق.

وقال عبد العزيز الياقوت إن شركته تقدم الخدمات بسعر معقول على نفس مستوى أسعار الشركات الاستشارية العالمية، ولكن يجب التأقلم والتكيف لكي تعكس الشركة حقائق وأوضاع السوق، مشيرا إلى أنه رغم تأثر الشركة بتداعيات الأزمة المالية العالمية، إلا أنها الآن في وضع آمن نسبيا.

وكشف عبد العزيز الياقوت اعتزام شركته فتح المزيد من المكاتب في المستقبل، مشيرا إلى أن شركته تمتلك شبكة من المكاتب تغطي الكثير من دول العالم، تشتمل على 69 مكتبا في نحو 27 دولة، وأنها تهدف إلى توفير حزمة متكاملة من الخدمات الاستشارية القانونية، وأن نكون جزءا من النسيج المجتمعي في أي دولة نتواجد فيها.

وأوضح عبد العزيز الياقوت أن الشركة تعتزم تعزيز تواجدها في دبي وأبوظبي وتقوية تواجدها في البحرين، مشيرا إلى أنها شركة الاستشارات القانونية الوحيدة التي تمتلك تواجدا في جميع دول مجلس التعاون الخليجي، كما أنها قادرة على أن تقدم للمنطقة مزيجا من المحامين المحليين والدوليين.

دبي ـ مجدي عبيد