تبرز في الساحة الاقتصادية حرب محتدمة في مجال أسعار الصرف وهي على انقاض الأزمة الاقتصادية العالمية تدور على ثلاثة محاور وتفرض مبارزة غير متكافئة بين الجهات المعنية بأسلحة متفاوتة القوة هي الدولار الأميركي واليورو الأوروبي واليوان الصيني .

ومن واشنطن الى باريس مرورا ببروكسل يطالب الوسط المالي في عواصم الغرب كلها بدولار قوي . وفي الواقع، يخشى الاوروبيون حاليا من هبوط سعر العملة الخضراء الذي قد يرفع قيمة صادراتهم في الوقت نفسه الذي تستجمع فيه اوروبا قواها للنهوض من الأزمة . والصين ايضا لا ترحب بتدهور العملة الخضراء نظرا لاحتياطها الضخم بالعملات الاجنبية وخصوصا من الدولار .

ويعتبر محللون أن ضعف الدولار الذي ينشط الصادرات الأميركية ويدفع الأسر في الولايات المتحدة الى شراء منتجات محلية اقل ثمنا يشكل أحد أهم عناصر الانتعاش الاقتصادي لأول اقتصاد في العالم . وفي المقابل بالنسبة لمنطقة اليورو فإن ارتفاع العملة الاوروبية الواحدة الذي يتسبب به انخفاض الدولار يؤثر سلبا على صادراتها وقد تخنق البداية الخجولة للانتعاش الاقتصادي التي تشهدها بعد انكماش غير مسبوق منذ اكثر من 60 عاما . ومن المتوقع أن تشهد منطقة أوروبا مزيداً من التباطؤ إذا ما استمرت عملاتها في الارتفاع أكثر من المعدلات الحالية .

ارتفاع طفيف

وارتفع سعر الدولار أمس عن أدنى مستوياته منذ 14 شهرا مقابل اليورو وسلة عملات، إذ حد ضعف نتائج الشركات والانخفاض في أسواق الاسهم والسلع الاساسية من اقبال المستثمرين على المخاطرة . وهبطت أسعار العملات المرتبطة بالسلع مثل الدولار الاسترالي والكندي والنيوزيلندي بعد ارتفاع استمر عدة شهور مقابل الدولار الأميركي .

وحدت النتائج المخيبة للآمال التي أعلنتها شركة آي باي وكذلك النتائج التي جاءت أقل من التوقعات التي أعلنتها شركة اريكسون من موجة التفاؤل الاخيرة بشأن آفاق الانتعاش الاقتصادي العالمي . وفي وقت سابق استفاد الدولار من بيانات النمو في الصين .

وبالرغم من تسارع وتيرة النمو أحبطت الارقام البعض في السوق الذين توقعوا نموا أكبر، مما أدى الى عمليات بيع للعملات ذات العائد المرتفع . وارتفع الدولار 0 .4% مقابل سلة من العملات الى 75 .258 متعافيا من أقل مستوى له في 14 شهرا الذي لامسه في الجلسة السابقة عند 74 .940 .

وانخفضت العملة الاوروبية 0 .1% الى 1 .4997 دولار بالرغم من أنها لا تزال بالقرب من الارتفاع الذي حققته نهاية الإغلاق السابق عند 1 .5047 دولار وهو أقوى مستوى لها منذ أغسطس 2008 . ومن بين العملات التي تخضع لمخاطرة أكبر الدولار الاسترالي الذي انخفض 0 .4% إلى 0 .9229 دولار والدولار النيوزيلندي الذي هبط 0 .5% ليسجل 0 .7549 دولار، بينما ارتفعت العملة الأميركية 0 .6% امام الدولار الكندي الى 1 .0490 دولار كندي .

أزمة السيولة

ويعتبر المحللون أن الولايات المتحدة الأميركية، وهي المعنية الأولى بالموضوع، قررت التفرج على الازمة من دون ان تتدخل، وفي خضم ازمة السيولة لم يكن امامها من خيار سوى اغراق السوق بالعملة الخضراء مساهمة طبعا بتدهور قيمته جزئيا، والباقي تكفلت به المضاربات . وبهذا الصدد يقول نوردين نام المحلل الاستراتيجي لدى ناتيكسيس: يمكن للإدارة ان تعمل على الحد من العجز لتحد بذلك من التداول بالدولار، لكن نتائج هذا العلاج ستكون بعيدة الامد . وكان بن برنانكي رئيس الاحتياطي الفيدرالي تحدث في وقت سابق عن التزام واضح ضد العجز .

تحفيز الصادرات

ولكن بعيدا عن اعلانات النوايا، يبدو ان الأميركيين بدأوا يعتادون على تراجع قيمة عملتهم الذي يحفز صادراتهم . ويقول دافيد خضر وهو استاذ في معهد الدراسات السياسية في باريس ان سياسة الاهمال الحميد هذه ليست غريبة عن الولايات المتحدة وهي مبنية على مبدأ اننا نملك العملة المسيطرة ولا تهمنا اسعار الصرف .

وفي منطقة اليورو يبدو ان سوق الصرف متروكة ايضا من دون توجيه او تدخل . فغياب الحوكمة الاقتصادية وتباين وجهات النظر بين الدول الاعضاء الـ 16 في منطقة اليورو عاملان يعقدان اتخاذ اي قرار مشترك . من جهتهم الالمان يتأقلمون مع قيمة اليورو الحالية فهم معتادون على العملة القوية ولم ينسوا بعد حقبة المارك الألماني .

مناورة أوروبا

وبالطبع يستطيع المصرف المركزي الاوروبي، نظرا للاستقلالية التي يتمتع بها الاتفاق مع الاحتياطي الفيدرالي الاميركي للتدخل بشراء كميات كبيرة من الدولار لتحفيز الطلب ورفع قيمته . لكن مثل هذه المبادرات نادرة جدا، فالخطوة الاخيرة من هذا النوع كانت عام 2000 وكان هدفها دعم العملة الموحدة التي كانت متدهورة آنذاك . وفي مرحلة سابقة، عام 1985 بالتحديد، ابرم عدد من المصارف المركزية اتفاقيات بلازا لكبح جماح الدولار الذي كان يشهد ارتفاعا ملفتا .

وبرأي كارول لولار، المحللة لدى مصرف سوسييتيه جنرال الفرنسي لم تجتمع بعد الشروط الكافية لمثل هذا التدخل، ففي العام الماضي وصل سعر صرف اليورو الى 1 .6 دولار ولم يخطط لأي تدخل .

التوجيه النقدي

اما في الصين فالوضع مختلف تماما . فالمصرف المركزي يتدخل دائما للضغط على قوى السوق من اجل المحافظة على مستويات سعر صرف اليوان متدنية ولو بشكل اصطناعي . والهدف من ذلك هو طبعا تحفيز التصدير وبالتالي دعم النمو . فمن دون هذه التدخلات المستمرة، كان لا بد لهذا الفائض التجاري الصيني من أن يؤدي الى ارتفاع سعر اليوان .

ويقول كريستوف بلوت من المرصد الفرنسي الاقتصادي: هذا احد التناقضات العالمية في عالم الاقتصاد . بالتالي تتجه السياسة التي تعتمدها بكين من سيئ لأسوأ . وتعتبر الخزينة الأميركية ان تصلب اليوان مثير للقلق . لذا سيتوجه عدد من القادة الأوروبيين من بينهم حاكم المصرف المركزي الاوروبي جان كلود تريشيه الى الصين لإقناع السلطات بإعطاء مساحة حرية اكبر للسوق .

موقف الإسترليني

وفي خضم هذا الصراع يبدو أن الإسترليني يغرد خارج السرب ويستجيب أكثر لبيانات الاقتصاد البريطاني . وواصل الجنيه الاسترليني خسائره ليسجل أدنى مستويات الجلسة مقابل الدولار واليورو أمس بعد أن جاءت بيانات مبيعات التجزئة البريطانية أضعف من المتوقع . ولم تحقق مبيعات التجزئة نموا في سبتمبر متجاوزة التوقعات بزيادة قدرها 0 .5% بينما كانت الزيادة السنوية التي بلغت 2 .4% أقل من التوقعات بنمو نسبته 2 .8% .

ومن جانب آخر أظهرت أرقام بنك انجلترا تحسنا كبيرا في الاقراض للشركات في أغسطس، لكنه لايزال سلبيا . وتراجع الاسترليني الى 1 .6500 دولار من نحو 1 .6560 دولار الذي بلغه قبل اعلان الارقام مباشرة لينخفض أكثر من نصف في المئة . وارتفعت العملة الاوروبية الموحدة الى 90 .685 بنسا من 90 .25 بنسا .

موازنة النفط

وقلب الوضع المترهل للدولار الكثير من المعادلات الاقتصادية . وكان من اهم الإفرازات لذلك تجدد الجدل الدائر منذ وقت طويل بشأن العملة المستخدمة في تعاملات النفط عقب تقرير نشرته صحيفة بريطانية في وقت سابق من الشهر الجاري أفاد بأن الصين واليابان وروسيا وفرنسا عقدت مباحثات سرية مع دول الخليج للتوقف عن استخدام الدولار الأميركي في تعاملات النفط .

ونفى كبار منتجي النفط التقرير في حينه، إلا أن تراجع الدولار أبقى على السؤال حول ما اذا كان بإمكان الدولار أن يظل العملة الرئيسية للاحتياطيات النقدية العالمية . ورجح منتجون ومسؤولون كبار بشركات النفط ان يظل الدولار العملة المستخدمة في تجارة النفط واستبعدوا التكهنات باستبداله بعملة أخرى .

ويؤكد العديدون استمرار الجدل حول ما اذا كان من المفيد الاعتماد على الدولار كعملة لبيع النفط أو البحث عن سلة عملات . وتنفذ معظم البلدان المنتجة للنفط كافة تعاملاتها التجارية بالدولار . ويرى العديد من الخبراء أن التحول عن الدولار سيكون أمراً صعباً في ظل الظروف الحالية .

وأكد خبير اقتصادي سعودي ان لا حل أمام دول الخليج سوى ربط عملاتها بالدولار لمنع تذبذبها في حالة تذبذب أسعار النفط . وأوضح أن أسعار النفط لن تبقى عند مستوى سعري معين، والدولار منح السياسات النقدية سواء على الصعيد الخليجي أو خلافه مصداقية أكبر وسهولة في العمليات المالية والتجارية . إضافة إلى ذلك تفضل الدول المصدرة للنفط التعامل مع الأنظمة التي تربط عملتها بالدولار .

وتأثرت أسعار النفط أمس من ارتفاع الدولار امام اليورو وسلة عملات وتراجع النفط صوب 80 دولارا للبرميل اذ شجع ارتفاع العملة الأميركية المستثمرين على جني الارباح من أعلى مستوى بلغه في 12 شهرا، والذي سجله في الجلسة السابقة .

وذكرت ام اف غلوبال في مذكرة بحثية: أصبح من المحتم تقريبا أن يتحكم الدولار في أسواق السلع الرئيسية هذه الايام، اذ يبدو أنه ليس هناك عامل آخر يؤخذ في الاعتبار . ومع ذلك يقول المحللون انه في الاجل الطويل سيبقى الدولار في اتجاه نزولي بسبب الايرادات الايجابية للشركات بصورة عامة والتوقعات بإبقاء أسعار الفائدة الأميركية منخفضة .