مازال سرطان الثدي الذي يعد من أكثر السرطانات التي تصيب المرأة في المجتمعات الغنية والسبب الرئيسي للوفاة بين النساء في العلم الغربي والدول المتقدمة محور اهتمام الأطباء والباحثين في شتى أنحاء المعمورة، ومازالت الأسئلة تثار حوله وتتجمع حول أسباب نشوئه وتكاثره وانتشاره وتؤرق المتابعين والمهتمين والساعين لكشف ملابسات هذا المرض الخبيث وإيجاد الأجوبة الشافية والمطلوبة بشدّة حالياً من قبل الأوساط الصحية والاجتماعية، لما يمثّله من مشكلة حساسة ومتفاقمة.
وقد أضحى الموضوع برمّته محور اهتمام الأوساط العلمية والاجتماعية وبات الجميع يسعى لاكتشاف ما يمكن كشفه للإحاطة بجميع جوانبه والمشكلة أنه ما يعرف حتى الآن لا يفي بالمطلوب والمعلومات المتداولة في الأوساط العلمية لا تساعد في الإجابة عن الكثير من الأسئلة المتراكمة.
إذ يصعب تفسير سرعة وكثافة انتشار سرطان الثدي في المجتمعات الغربية وتدني نسبته في أميركا اللاتينية وفي جزر الهند الغربية وأوروبا الشرقية وآسيا وفي منطقة المحيط الهادي. كما يصعب، أيضاً، تفسير وجود بعض العوامل ذات العلاقة المباشرة أو غير المباشرة بنشوء المرض، مثل عمر المرأة عند الحمل لأول مرة، وعدد الأولاد لديها، ونسبة الدهون في جسمها، ونوعية وجباتها الغذائية، ومزاولتها للنشاطات الرياضية، أو إصابتها بخلل جيني أو طفرة وراثية عائلية.
لهذا ولكل ما يعتريه الموضوع من غموض وتساؤلات، تتركز الدراسات المختصة والأبحاث العلمية الحالية حول إمكانيات واحتمالات البحث والكشف عن العلاقات المباشرة وغير المباشرة بين سرطان الثدي والعوامل التي ثبت وجودها ضمن لائحة الأسباب المحتملة لنشوء السرطان ونموه وانتشاره في خلايا الثدي وأنسجته وهي -حالياً وحتى يومنا هذا-: دور الهرمون الجنسي الأنثوي (الإستروجين) ودور العوامل الخارجية (كالإشعاع) ودور العوامل الوراثية ونوعية الوجبات الغذائية.
«الاستروجين» وعلاقته بالسرطان
«الاستروجين» هو المتهم الأساس حالياً في كثير من حالات سرطان الثدي وذلك بسبب دوره المعروف في تحريض خلايا أنسجة الثدي والأعضاء التناسلية على النمو واحتمال تورطه -بسب خلل ما- في تحفيز الخلايا على النمو «العبثي» والانتشار بطريقة «خبيثة» وغير «مقيدة ومنضبطة».
هذا الاحتمال القوي أدّى إلى ما يمكن أن يساعد العلماء على تفسير بعض العوامل المرتبطة بعمل «الإستروجين» والتي تزيد من احتمال الإصابة بسرطان الثدي والتي تتضمن بداية حدوث الدورة الشهرية قبل عمر التاسعة، وانقطاع الطمث بعد سن الخامسة والخمسين، وإنجاب الطفل الأول بعد سن الأربعين، أو عدم إنجاب أطفال أو إنجاب القليل منهم.
وقد لاحظ الباحثون أنه في كل العوامل السابقة يتعرض الثديان لكمية أكبر من «الإستروجين» ولفترات أطول، كما لاحظوا ذلك أيضاً في حالات النساء البدينات اللواتي أظهرن معدلات من نسبة «الإستروجين» في الدم أعلى من النساء العاديات أو النحيفات.
الوجبات الغذائية
أما الوجبات الغذائية التي تحتوي على كميات عالية من الدهون فإنها وبنفس الطريقة السابقة والمستندة على دور «الإستروجين» في «تحريض» خلايا الأنسجة الثديية تزيد وبشكل بارز من احتمالات الإصابة بسرطان الثدي، وذلك لما اكتشفه الطب حديثاً من أنه عندما تتناول المرأة وجبة عالية الدسم وقليلة الألياف ينتج جسمها كمية كبيرة من «الاستروجين» الذي بدوره تزداد نسبته في الدم ويتراكم في الأنسجة وخاصة في الثدي.
وقد أجريت الكثير من الدراسات الإحصائية والمقارنة حول هذا الموضوع وكلها أجمعت على أن نسبة سرطان الثدي تتزايد كلما كانت الوجبات الغذائية مشبعة بالدهون وقليلة الألياف وتتدنى كلما كانت الوجبات الغذائية قليلة الدهون وكثيرة الألياف.
عوامل خارجية بيئية
هناك عوامل أخرى صنفتها الأبحاث العلمية على أنها عوامل «خارجية» أو «بيئية» ومنها ما هو متعلق بالتعرض لمصادر الإشعاع أو التعرض لآثار المبيدات الحشرية أو الآثار الناتجة عن استخدام السيليكون في عمليات الثدي إذ أثبتت الأبحاث أن السيليكون يسبب أوراماً خبيثة في حيوانات الاختبارات وأنه قد يجعل اكتشاف سرطان الثدي في مراحله الأولى أصعب لأنه قد يخفي بعض أنسجة الثدي عند أخذ وتحليل الصورة الإشعاعية.
في النهاية، أظهرت الأبحاث وجود أنواع معينة من سرطان الثدي تظهر وتنمو وتتوارث في عائلات محددة بطريقة عمودية من جيل إلى جيل أو بطريقة أفقية، نتيجة توارث خلل جيني محدد.
وتمكن العلماء والباحثون أخيراً من اكتشاف بعض الجينات التي تسببت بشكل مباشر في الإصابة بهذا النوع من السرطان، ولقد قسّم العلماء العاملون في هذه الأبحاث هذه الجينات إلى ثلاث مجموعات: المجموعة الأولى تضم جينات لديها نزعة قوية للإصابة بسرطان الثدي ـ إذا تعرضت لطفرات ـ وتصيب عادةً نسبة قليلة من مجموع المصابين بسرطان الثدي ولقد سميت هذه المجموعة بالجينات القوية النادرة الانتشار (كجين ب53).
المجموعة الثانية هي أكثر شيوعًا من الأولى والجينات فيها قوية وسميّت لذلك بمجموعة الجينات القوية المتوسطة الانتشار (كجيني: ب. ر. س. أ 1 و2)، أما المجموعة الأخيرة فهي أكثر انتشاراً من سابقاتها ولكنها جينات ضعيفة وسميت بمجموعة الجينات الضعيفة الأكثر انتشاراً (كجين متلازمة أتاكسيا-تلانجيكتازيا).
العوامل الوراثية بريئة
الجدير بالذكر أنه عند تكرّر حدوث حالات سرطان الثدي في عائلة ما يمكننا القول بأنه ليس بالضرورة أن يكون سبب هذه الإصابات المتكررة وجود عوامل وراثية قوية في تلك الأسرة، بل من الممكن جداً أن يكون السبب تضافر عدة عوامل مع بعضها البعض (أي الوراثة المتعددة الأسباب) أو نتيجة تعرض كل المصابين في العائلة لمواد إشعاعية أو كيميائية «مسرطنة».
ولقد تبين مؤخراً أن معظم المصابين بسرطان الثدي يعانون مما يعانون منه بسبب تراكم واجتماع عوامل وراثية وبيئية مختلفة مع بعضها البعض وتعاونها على «تحريض» الخلايا ودفعها للنمو والانتشار بشكل «خبيث»، أما الأقلية من المصابين الباقين فكانوا من الذين لديهم عوامل وراثية بحتة أو بيئية فقط.
