ناقشت ندوة حول التنافسية وإدارة المعرفة بدائرة التنمية الاقتصادية برأس الخيمة أمس الأول التطورات التي شهدها الاقتصاد العالمي بعناصر إنتاجه التقليدية التي امتدت لعقود طويلة، وكيف بدأت في التلاشي أمام التطورات المعاصرة في إطار العولمة الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية والتطورات المذهلة في تقنية المعلومات والمعرفة والتي أدت إلى إيجاد عناصر منافسة جديدة فرضت نفسها على القطاعات الحكومية والخاصة في مقدمتها التنظيم وإدارة المعرفة وهما عنصران أساسيان للمنافسة الجديدة للاقتصاد المعرفي الذي نسفت خلاله أسس المنافسة التقليدية التي كانت تقوم على مبدأ البقاء للأقوى حيث كانت الشركات الكبرى تحت هذا الشعار تبتلع الشركات الصغرى، بينما اليوم ترفع المنافسة شعاراً آخر هو البقاء للأسرع.

تغييرات جذرية... وقال الشيخ محمد بن كايد القاسمي نائب رئيس دائرة التنمية الاقتصادية برأس الخيمة إن التحديات التي يعيشها العالم كبيرة وأقلها تحديات العولمة وما رافقها من تطورات متسارعة في مجال تقنية المعلومات والاتصالات وغيرها وتحديات الأزمة العالمية وما صاحبها من ركود وانحسار اقتصادي يعيشه العالم حتى يومنا هذا ومن أجل التغلب على هذه التحديات لابد من إحداث تغييرات جذرية وجوهرية في كافة المجالات المعرفية والمهارية والسلوكية المختلفة خصوصاً إذا ما علمنا أن اقتصاد الغد يبنى بالاعتماد على هذه المجالات والأدوات . التي أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك فاعليتها وأسسها العلمية في الدول المتقدمة صناعياً وبعض الدول النامية المتقدمة، لأنها تمازج بين الأساليب الإدارية الحديثة والمبادرات الخلاقة وبين المهارات الفنية للموارد البشرية من أجل النهوض بمستوى الأداء من خلال اعتماد مفاهيم إدارة الجودة الشاملة والعمل على تطبيقها بالمشاركة الجماعية للعاملين والإدارات.

إضافة إلى التعاون على كسب القطاع الخاص كشريك رئيسي للدوائر الحكومية المحلية والاتحادية في الظروف الراهنة ودعمه من أجل التخلص من تداعيات الأزمة المالية العالمية والمساهمة في عملية التنمية الاقتصادية الشاملة.

وما التنافسية الايجابية إلا واحدة من المفاتيح الأساسية التي تشكل إدارة المعرفة أحد أهم الأدوات الداعمة لها، لا يخفى أن التنافسية إطار جامع لمختلف الشروط اللازمة للسياسات الخاصة بالتحدي الاقتصادي وفتح الأسواق والاندماج في الاقتصاد العالمي، وتعتبر أداة مهمة في تشكيل السياسات الاقتصادية والاستثمارية والتصديرية، حيث تعكس قدرة الدولة على تحقيق معدلات عالية ومتنامية لمستوى دخل الفرد وعلى تقديم أفضل الخدمات لشعبها لتتمكن من تعزيز المنافسة في السوق الدولية.

وهذا ما تحقق فعلاً في الإمارات وخير دليل على ذلك الدرجة المتقدمة التي حصلت عليها في التقرير العالمي للتنافسية 2009-2010، حيث احتلت المرتبة (23) من مجموع (133) دولة بواقع (92,4) درجات، لتصبح بذلك واحدة من أكثر الاقتصادات تنافسية في المنطقة العربية والشرق الأوسط بفضل مستوى التطور الذي بلغته.

اقتصاد المعرفة

وتناول الدكتور منصور العور رئيس جامعة حمدان بن محمد الإلكترونية بدبي وهو المتحدث الرئيسي في الندوة أهمية اقتصاد المعرفة بالنسبة للدول وذكر أن أهميته تنبع من كوننا نمتلك عناصر هذا الاقتصاد، وهي العقول البشرية حيث لدينا الفرصة للاستفادة من هذه العقول في التطوير وإدارة المعرفة، في الوقت الذي لا نملك فيه قواعد الاقتصاد التقليدي القديم.

وتحدث العور عن مفهوم المعرفة والفرق بينها وبين والمعلومات وعمليات إدارة المعرفة وقياس فعالية إدارة المعرفة وتأثيرها على القدرة التنافسية للمؤسسات، وأشار إلى أن هناك عدة مفاهيم للمعرفة منها أنها تطبيق واستخدام المعلومات بطريقة ما على نحو مفيد، ومنها أيضا أنها معلومات تم تحليلها وتفسيرها لتحقيق دراية جديدة وفهم عميق لأحد الموضوعات، كما تم تفسيرها على أنها حصيلة خبرة ومعلومات ودراسة مستفيضة لتحقيق المعلومات المناسبة والقابلة للتطبيق والتي تقوم في معظمها على الخبرة، وكل التفسيرات السابقة توحي بمفهوم جديد هو أن المعرفة تبدأ حيث تنتهي المعلومة.

وتطرق الدكتور العور إلى الفرق بين المعلومات والمعرفة وحددها في ثلاثة أوجه، الأول منها أن المعلومات تستند على أسس حسابية وهي البيانات أما المعرفة فتقوم أساسا على التحليل والاستنتاج لان المعلومة توجد على الورق سواء كتاب أو مستند أو بطريقة الكترونية واستخدام هذه المعلومات هي المعرفة، والفرق الثاني هو أن المعلومات عنصر من عناصر المعرفة ولكن العكس غير صحيح، فالمعلومات توضح الأحداث أما المعرفة فتوضح لنا كيف حدثت ولماذا.

وأوضح أن الفرق الثالث بين المعلومة والمعرفة هو الإنسان الذي يمكنه أن يحصل على المعلومات من مصادرها سواء كانت وثائق او انترنت بمفرده دون أن يحتاج إلى مساعدة الغير ولكنه يحتاج إلى صاحب المعرفة أو الخبير بها ليقوم بشرحها وتحليلها، حتى يمكنه أن يستنتج منها ويحقق الاستفادة المرجوة من ورائها. أما إدارة المعرفة فهي تشمل عمليات المعرفة داخل المؤسسة بشقيها المعرفة الظاهرة ٍِّهيكيُّ ًٌٌَُّملهم وهي عبارة عن المعلومات الموجودة داخل الوثائق والتعاميم والأجهزة الالكترونية داخل المؤسسة، والمعرفة الضمنية وهي المعرفة الموجودة داخل عقول أصحاب الخبرة.

وقال ان الباحثين اختلفوا في وصف وبيان العمليات اللازمة لإدارة المعرفة التي تندرج في ست نقاط أساسية هي تحديد المعرفة وأهدافها وطرق اكتسابها وتخزينها وتوزيعها ثم تطبيقها. وعن دور العرب في الاقتصاد المعرفي في المستقبل، أكد أننا كعرب لا نملك مقومات الاقتصاد المتكامل القائم على عدة عوامل خاصة الاقتصاد الصناعي في المقابل فنحن نمتلك اقتصاداً معرفياً لا يعتمد على الآلة بل على العقول البشرية، ونحتاج إلى إدارة فاعلة، لتحقيق قفزات للأمام، وهو لن يتحقق إلا بالعمل والجهد الدؤوب خلال الفترة المقبلة لان دول العام تتطور وتتقدم ونحن لابد أن نكون كذلك.

تغير مفهوم المنافسة

ولفت إلى ان مفهوم المنافسة قد تغير، ففي المنافسة التقليدية للاقتصاد التقليدي كانت الشركات الكبري تأكل الشركات الصغرى، وفي الاقتصاد المعرفي فإن الأسرع بات يأكل الأبطأ بصرف النظر عن حجم المؤسسة، وضرب مثالا بقناة الجزيرة التي بدأت في مبنى صغير ومن ثم استطاعت أن تغير مفهوم الخبر وتخطت الكثير من المحطات الإخبارية العالمية عن طريق عنصر السرعة.

وأشار إلى ان العالم اليوم بات يتصارع على جذب العقول في الوقت الذي بدأت فيه هذه العقول الاتجاه نحو اقتصادات جديدة بعوامل الجذب التي تقدم لها، وذلك من واقع المؤشرات الأميركية التي تشير إلى انخفاض العقول المهاجرة إليها لصالح اقتصادات أوروبا واقتصادات بعض الدول النامية التي بدأت تدرك أهمية تهيئة المناخ المناسب لجذب هذه العقول، مؤكدا أن الحرب القادمة لن تكون بالأسلحة مثلما ستكون على العقول.

وأوضح العور أن قيادة الإمارات اهتمت بعناصر المعرفة والتميز والجودة فصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يقول إن من شروط سداد الرأي توافر المعرفة وهو ما تقوم عليه اليوم أسس الاقتصاد الجديد الذي يقوم على المعرفة كركيزة أساسية تضمن له القدرة على المنافسة والصمود وتحقيق المكاسب، لكن علينا ان نحدد وبدقة ما هي طبيعة المعرفة التي نحتاجها في بلادنا والأفراد الذين يمتلكونها وذلك لخدمة الأهداف الرئيسية للمعرفة.

ولهذا فان سموه أمر بتكوين مجلس التنافسية على مستوى القطاع الاتحادي، لتطبيق المعرفة والاستفادة منها واستعمالها، فقد كانت المؤسسات قديما تطبع كتبا كثيرة تحتوي على عدة جداول لا تستفيد منها، واليوم تغيرت هذه المعايير في ظل الاقتصاد المعرفي.

وعن الحكم على نجاح المؤسسة في تطبيق المعرفة بصورتها الصحيحة قال إن المؤسسات لن يكتب لها النجاح إلا إذا تحققت النتائج وزادت القدرة التنافسية والجودة والقيمة المضافة ثم القدرة والتميز.

جلسات الندوة

إدارة المعرفة الحكومية: الفرص والتحديات

تحدث في الجلسة الأولى للندوة التي أدارها المهندس محمد صقر الأصم مدير عام بلدية رأس الخيمة الدكتور زياد محمد كحلوت مستشار الجودة والتميز ببرنامج دبي للأداء الحكومي المتميز عن إدارة المعرفة الحكومية: الفرص والتحديات، وذكر أن مفهوم التنافسية قد تغير في الفترة الأخيرة وأدى ذلك إلى اختصار الكثير من الخطوات لصالح الجهد الجماعي، وضرب مثالا بالفرق بين ترانزيت الطائرات قديما واليوم وكذلك الوقت المستغرق لتغيير وصيانة سيارات السباقات، وذكر أن ديننا الإسلامي أعلى شأن العقل والفكر والمعرفة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم »إذا مات ابن ادم انقطع عمله إلا من ثلاث.

ولد صالح يدعو له أو صدقة جارية أو علم ينتفع به« وتناول الدكتور التيجاني عبد الله بدر المستشار الاقتصادي لغرفة تجارة وصناعة أبوظبي دور المعرفة في الاقتصاد المعاصر والفرق بين الاقتصاد التقليدي والاقتصاد الحديث. وتناول المتحدثون في الجلسة الثانية كيفية وضع استراتيجيات التنافسية المستدامة للاقتصاد وإدارة المعرفة بين التطبيق والمعايير وقدم الدكتور علاء جرادات محاضر أول في الإدارة بجامعة ميدلسكس دبي دراسة لأهم نماذج ومعايير إدارة المعرفة.