بدأت أمس فعاليات مؤتمر ابوظبي الأول للحوكمة الذي عقد تحت عنوان الحوكمة في دولة الإمارات : قراءة الواقع واستشراف المستقبل بمشاركة عدد كبير من المختصين الذين أكدوا على أهمية ما تلعبه الحوكمة في تعزيز عمل الشركات والمؤسسات وزيادة فرص نجاحها من خلال إتباع سياسة رشيدة في جميع أعمالها.
وقال عبد الله الطريفي الرئيس التنفيذي لهيئة الأوراق المالية والسلع في الكلمة الافتتاحية إن اختيار موضوع الحوكمة أو الإدارة الرشيدة محوراً لهذا اللقاء هو في الواقع انعكاسٌ لأهمية المضامين التي يحملها هذا المفهوم وإدراك لما يعبر عنه من إعلاءٍ لقيمة الإدارة الرشيدة ودورها في نجاحِ المشاريع الاقتصادية على وجه العموم. وأكد أن العقد الماضي شهد استخداماً متنامياً لمبادئ الحوكمة؛ فمنذ العام 1997 وفي أعقاب الأزمة المالية الآسيوية -التي وصفها عدد من الخبراء والمختصين في بعض جوانبها بأنها كانت أزمة ثقة في المؤسسات والتشريعات التي تنظم نشاط الشركات- بدأت رؤية الأفراد والمؤسسات في العالم تتبلور معالمها أكثر فأكثر تجاه مسألة حوكمة الشركات والعلاقات التي تربط بين منشآت الأعمال والحكومات؛ ذلك أن العديد من المشاكل التي برزت إلى الواجهة خلال هذه الأزمات تضمنت إخفاء شركات لبعض الأمور المالية عن المساهمين فيها.. مثل الحصولِ على مبالغ هائلة من الديون قصيرة الأجل مع التلاعب في إظهار حقيقة تلك الديون من خلال طرق ونظم محاسبية مبتكرة. وبالنظر إلى ما شهده العالم من وقائع متتابعة تتعلق باكتشافات تلاعب الشركات في قوائمها المالية، ظهر بوضوح أهمية تطبيق «مبادئ الإدارة الرشيدة» حتى في الأسواق المالية للدول التي كانت توصف عادة بأنها أسواق نموذجية متطورة.
الحماية الكافية
وذكر أنه في أعقاب الأزمة المالية العالمية التي حدثت العام الماضي، أصبح هناك اعتراف على نطاق واسع بأن افتقار المستثمرين إلى الحماية الكافية في الأسواق من شأنه التأثير سلباً في تطور ونمو أسواق الأوراق المالية والأداء الفردي للشركات والاقتصاد عموماً.
وقد كان للتركيز المتزايد على تحسين الإدارة الرشيدة أثره في ظهور الحاجة إلى وضع معايير لتقييم مدى تطبيق الحوكمة في مختلف أنحاء العالم، لما في ذلك من أهمية قصوى لدى المستثمرين في أسواق رأس المال الذين يحرصون على الاستثمار في الشركات التي تطبق مستويات أعلى من ضوابط الحوكمة حتى وإن كانت كلفة الاستثمار بتلك الشركات أعلى من غيرها.
وقال الطريفي لقد أخذت دولة الإمارات على عاتقها - حرصا منها على تلافي الوقوع في الأزمات والحد من آثارها- تطبيق قواعد الإدارة الرشيدة على كافة الشركات والمؤسسات العاملة في الدولة باعتباره هدفاً استراتيجيا تسعى إلى إنجازه، وذلك اقتناعا منها بأهمية هذه القواعد في دعم الانضباط المؤسسي وترسيخه فضلاً عن دورها في تعزيز الشفافية والعدالة والاستقلالية والممارسات السليمة للأعمال.
وفي سبيل تنفيذ هذا الهدف الاستراتيجي أصدرت هيئة الأوراق المالية والسلع في العام 2007 «ضوابط حوكمة الشركات المساهمة العامة»، بما يتفق مع المبادئ التي أقرتها المنظمات الدولية المعنية، والتشريعات المقارنة، ويراعي- في ذات الوقت- الإطار القانوني والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الدولة.
وفور نشر القرار في الجريدة الرسمية في مايو من العام 2007، شرعت الهيئة في تطبيقه على الشركات المساهمة العامة بالدولة مع مراعاة التدرج في التنفيذ على مراحل أربع، بدأت من تاريخ النشر.. وبحلول شهر أبريل من العام المقبل ستكون كافة الشركات المدرجة بالأسواق المالية بالدولة قد أنجزت كافة التزاماتها بمقتضى القواعد والمبادئ التي تضمنها القرار.
مبادرات الشركات
وأشاد الطريفي بالعديد من الشركات التي بادرت من تلقاء نفسها إلى تبني هذه الضوابط وسارعت إلى تضمينها في صلب أنظمتها الأساسية بما جعلها ملتزمة بأحكامها قبل الموعد المحدد للانتهاء من التطبيق.
وأشار إلى انه ومع تزايد الإدراك في الدولة بأهمية الانضباط المؤسسي ودوره في حماية حقوق المساهمين والتعامل بينهم جميعاً على قدم المساواة بدأنا نشهد خلال الفترة الأخيرة طرح عدد من المبادرات تستهدف سن قواعد لحوكمة الشركات المساهمة الخاصة وبعض المؤسسات الأخرى والعمل على تطبيقها في وقت قريب. وقال راشد البلوشي نائب الرئيس التنفيذي لسوق ابوظبي للأوراق المالية في ورقة قدمها إن الحوكمة تساهم في زيادة القدرة على تطبيق إدارة الشركات وتطبيق المساءلة وخلق الثروات مشيرا إلى أن الدراسات التي أجريت أظهرت أن الشركات التي تفصل بين ادوار رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي تحقق أداء أفضل مؤكدا أن الحوكمة تؤدي إلى تحسين النمو في دول مجلس التعاون الخليجي وتحسين إدارة الأزمة.
وأكد انه وفي ظل تطبيق الحوكمة سوف تصبح الاستثمارات بأسواق المال الخليجية أكثر جاذبية للمؤسسات العالمية وتمنح الدول تصنيفا أفضل
مجالس الإدارة
وشكلت كلمة خلفان سعيد الكعبي رئيس مجلس إدارة مركز أبو ظبي لحوكمة المؤسسات مجالا حيا للنقاش والتفاعل وتركت هامشا للحوار المستقبلي كونها تناولت الحوكمة من زاوية حساسة وساخنة في هذه المرحلة هي مجلس الإدارة ، ودمج فيها المحاضر المعرفة العلمية والخبرة العملية كرئيس وعضو مجلس إدارة العديد من الشركات والمؤسسات.
وحاول الكعبي في الورقة التي قدمها و التي جاءت تحت عنوان ( مجلس الإدارة وحوكمة الشركات) معالجة الكثير من سوء الفهم المتعلق بمجلس الإدارة ودوره في الشركات، مشددا أن منصب رئيس أو عضو مجلس الإدارة ليس مجرد منصب فخري ، بل تترتب عليه مهام جوهرية ومسؤوليات كبيرة.
وتناول الكعبي في المحاضرة جملة قضايا أساسية تتعلق بدور مجلس الإدارة في إطار الحوكمة ، مستهلا بتقديم تعريف مبسط وواضح للحوكمة وفوائدها للشركات والمعايير الرئيسة لها ثم انتقل إلى تناول مجلس الإدارة بشكل مفصل من حيث المسؤوليات والسلطات والواجبات وأعضاء المجلس من خلال المؤهلات المطلوبة ومعايير استقلالية العضو ولجان مجلس الإدارة وأهدافها ومبادئها العامة والاعتبارات الخاصة التي يجب مراعاتها عن تشكيل اللجان ليستنتج جملة متطلبات أساسية لخلق مجلس إدارة فاعل وقوي يقود الشركة إلى الأداء الجيد والمتطور .
أسباب الاهتمام
وأرجع الكعبي أسباب الاهتمام بالحوكمة على مستوى العالم إلى زيادة الأزمات والفضائح المالية في العالم وانهيار الشركات الكبرى وأزمة دول جنوب شرق آسيا 1997 وأزمة الاقتصاد الأمريكي 2000 وانتشار الخصخصة حول العالم واتساع نطاق الشركات الخاصة وتزايد أعداد المستثمرين وازدياد المنافسة حول العالم واتساع مفهوم اقتصاد السوق الحرة عالمياً.
واستعرض مبادئ الحوكمة طبقا لإصدار منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والتي تتركز على الإطار العام المتمثل بالبيئة والمناخ التشريعي في الدولة تساعد على تطبيق حوكمة الشركات
وصنف الكعبي مجالس الإدارة البعيد عن مفهوم الحوكمة ومبادئها إلى عدة أنوع هي مجلس إدارة (على الورق) ومجلس (التصديق) ومجلس (الأصدقاء) ومجلس ( النادي الريفي) ومجلس (الجوائز) ومجلس ( النفاق).
انتشار واسع
وقال محمد راشد الهاملي مدير عام غرفة تجارة وصناعة ابوظبي لقد انتشر مفهوم الحوكمة انتشاراً واسعاً على الساحة الدولية في السنوات الأخيرة. فقد أثبت أهميته إستراتيجية للمؤسسات العاملة في مختلف القطاعات الاقتصادية في جميع أرجاء العالم. مؤكدا أن الأزمة المالية العالمية برهنت على أن غياب معايير الحوكمة وآلياتها، أدى إلى تفاقم نتائج هذه الأزمة
جدول أعمال دولي
وقالت مريم بطي السويدي نائب الرئيس التنفيذي للشؤون القانونية والإصدار والبحوث في هيئة الأوراق المالية والسلع إن حوكمة الشركات في الوقت الراهن تعد أحد أهم الموضوعات على جدول أعمال المنظمات الدولية والهيئات الاقتصادية والتشريعية في كافة دول العالم على حد سواء ، ذلك أن الأحداث التي شهدها العالم خلال العقدين الأخيرين وضعت هذه القضية على قمة اهتمامات المجتمع والمؤسسات المالية الدولية .
وأوضحت أن دولة الإمارات أدركت مبكراً أهمية حوكمة الشركات فكان هذا الموضوع توجهاً استراتيجياً للحكومة ، ليس فقط على صعيد الشركات المساهمة العامة المدرجة في سوق الأوراق المالية وإنما كذلك بالنسبة للمؤسسات العامة المملوكة للدولة.
وتحدثت السويدي عن التحديات التي تواجهها الحوكمة مؤكدة ان هناك مجموعة من التحديات التي تواجه حوكمة الشركات منها وجود قناعة لدى الشركات والقائمين عليها بضرورة وأهمية وجود إطار يعمل من خلاله مجلس إدارة الشركة و وجود هيئات حكومية منوط بها وضع القواعد ومراقبة مدى التزام الشركات بقواعد الحوكمة من أهم التحديات التي تواجهها حوكمة الشركات،
وأكدت أهمية وجود وسائل إعلام مطلعة تبحث عن الحقيقة مشيرة الى ان موضوع حوكمة الشركات اصبح وسيظل لفترة طويلة محل اهتمام العديد من المؤسسات الدولية والوطنية، خاصة وان تطبيق الحوكمة لا تعني وحسب تطبيق مجموعة من القواعد وتفسيرها تفسيرا حرفيا أو ضيقا، وإنما هي ثقافة وأسلوب في ضبط العلاقة بين مالكي الشركة ومديريها ومن يتعامل معها، لذا فكلما اتسع نطاق تطبيقها كلما تحققت مصلحة المجتمع.
واجبات أعضاء مجلس الإدارة
حدد خلفان سعيد الكعبي رئيس مجلس إدارة مركز أبو ظبي لحوكمة المؤسسات واجبات أعضاء مجلس الإدارة بأربع نقاط أساسية هي: الالتزام من خلال العمل بأمانة من أجل تحقيق مصالح الشركة وضمان التزام الشركة في عملها بالقوانين السارية و المشاركة بفاعلية في اجتماعات مجلس الإدارة وممارسة عمليات الرقابة بكفاءة و الولاء من خلال عدم المشاركة في شركة منافسة وعدم استخدام أصول الشركة ومرافقها من أجل تحقيق منفعة شخصية.
وعدم استخدام المعلومات وفرص المشروعات التي يحصل عليها بموجب صفته الرسمية من أجل منفعة شخصية وعدم قبول الهدايا من أشخاص لهم مصلحة في قرارات معينة من مجلس الإدارة و السرية عبر بناء نظام فعال لمنع حالات إساءة استخدام المعلومات السرية من خلال إخطار الأعضاء المجلس كتابة بعزمهم إجراء صفقات حول الأوراق المالية للشركة أو الشركات التابعة لها.
والإفصاح عن المعلومات المتعلقة بأي صفقات تمت من خلالهم حول هذه الأوراق المالية و تجنب تضارب المصالح إذ يمكن لصراع المصالح أن ينشأ في حال أجرت الشركة صفقة وكان لأي من أعضاء المجلس مصلحة شخصية فيها.
وفي حال قيام أحد الأعضاء بشراء أسهم الشركة بصورة مباشرة أو غير مباشرة و قبول أحد الأعضاء لمنصب في إحدى الشركات المنافسة و دخول أحد الأعضاء في علاقات تعاقدية مع الشركات المنافسة.
ابوظبي - ناصر عارف

