قال تقرير اقتصادي خليجي إن الأزمة المالية الراهنة جاءت لتلقي ظلالاً ثقيلة على أوضاع الطبقة الوسطى في دول مجلس التعاون الخليجي نظراً للانخفاض الحاد في أسعار الأسهم والعقارات، كما أن الكثيرين من الأفراد استثمروا في هذه الاستثمارات من خلال قروض مصرفية بيد أنه لا توجد إحصائيات عند أعداد الأفراد الذين تضرروا أو أفلسوا من جراء الأزمة.

وأورد التقرير الذي أعده اتحاد غرف دول مجلس التعاون أنه في ظل محدودية المعلومات المتوفرة حول فئات رواتب ومداخيل الأفراد في دول مجلس التعاون الخليجي، من الصعب إعطاء صورة واضحة حول حجم الطبقة الوسطى في هذه الدول.

مداخيل الأفراد

لكن الأكيد أن هذا الحجم هو متحرك وغير ثابت إذا ما وضعنا بالاعتبار ارتباط مداخيل الأفراد الخليجيين باستثماراتهم الخاصة، وبالذات في الأوراق المالية والعقارات.

ويشير التقرير إلى أنه وقبيل الأزمة الراهنة، ارتبطت أوضاع الطبقة الوسطى في دول مجلس التعاون الخليجي بنموذج التنمية الهش القائم على مداخيل النفط، حيث يخضع لتقلبات هذه المداخيل ارتفاعاً وانخفاضاً، وهو الأمر الذي جعل حجم الطبقة الوسطى يتسع ويتقلص كل عدة سنوات. والملاحظ أنه حتى في سنوات الطفرة النفطية، كانت تأثيرات هذه الطفرة وخاصة ارتفاع أسعار الغذاء والعقارات، وخيم على الطبقة الوسطى.

وصحيح أن الخدمات الصحية والتعليمية المجانية أو شبه المجانية كانت تمثل واقياً جيداً أمام تدهور أوضاع الطبقة الوسطى، إلا أن نموذج التنمية القائم على أنشطة الاستثمارات والعقارات والمضاربات والتجارة لم يولد وظائف قادرة على الحفاظ على أوضاع الطبقة الوسطى في امتداداتها العريضة وخلق بون شاسع بين العرض والطلب في أسواق العمل.

ويرى التقرير أنه وفي المدى المنظور، سوف يظل وضع الطبقة الوسطى في دول مجلس التعاون الخليجي مرتبطاً بنموذج التنمية الراهن المعتمد على الاستثمارات والمضاربات في أشكال الاستثمار المتاحة، والتي ترتبط أوضاعها بدورة النشاط الاقتصادي المرتبطة بدورها بأسعار النفط.

وأورد التقرير عدداً من التوصيات المهمة، حيث أكد أن الحفاظ على أوضاع الطبقة الوسطى ورعايتها وتنميتها هو تحدي تنموي بالدرجة الأولى، فإن المطلوب هو إيجاد حلول طويلة الأجل لتنمية الطبقة الوسطى في دول المجلس تعتمد بدورها على تطوير نموذج التنمية الراهن من خلال تنويع مصادر الدخل، وإدخاله أنشطة أكثر إنتاجية وذات قيمة مضافة حقيقية للأفراد العاملين، وليس فقط للمالكين لهذه الأنشطة. ومن شأن هذه الأنشطة توفير وضع اقتصادي مستقر للطبقة الوسطى وتقليل اعتمادها على الأنشطة المضاربية لتحسين أوضاعها.

وتؤكد التوصيات الحاجة لوضع خطط طويلة الأجل لتعزيز أوضاع الطبقة الوسطى تتبنى هذا الهدف الاستراتيجي وتضع الوسائل المناسبة وترصد الموارد المالية والبشرية للقضاء على الفقر المعيشي. أن ضمان نجاح هذه الإستراتيجية يتطلب وجود شراكة فعلية بين الدولة والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني بقصد تضافر الجهود لرفع إنتاجية الأداء في مجالات التوظيف والتدريب والتعليم والرعاية الصحية والاستثمار.

نمو اجتماعي

وأشارت إلى أهمية تحقيق استقرار في الحالة الاقتصادية والاجتماعية. فالحل لا يمكن في التراجع عن النمو الاقتصادي المتسارع عند ارتفاع مداخيل النفط. وما يرافقه من زيادة في أسعار كلف المعيشة والسكن وغيرها، بقدر ما يعني ضرورة تحقيق نمو اجتماعي يتكافأ مع ذلك التسارع في المجال الاقتصادي، بل ويفوقه ويسبقه. وهذا يتطلب بدوره وجود أنظمة للحماية الاجتماعية من شأنها تقليل الفوارق بين الطبقات الاجتماعية وتعيد توزيع الثروة بين الطبقات الأكثر حاجة.

ودعت إلى العمل على خلق شراكة فاعلة بين القطاعين العام والخاص على مستوى التخطيط والتشريع والتنفيذ، بما يسمح بتنمية دور القطاع الخاصة في التنمية، وتوسيع مساحة استثماراته الوطنية والخليجية من خلال برامج التخصيص وغيرها، وإطلاق مبادراته في تنمية المجتمع، وهي جميعها سبل لدعم وتعزيز أوضاع الطبقة الوسطى.

وإلى جانب التخطيط المتوازن، فإن تدعيم ثقافة حماية المستهلك وثقافة الاستثمار السليم والادخار العائلي، ودعم آليات المجتمع في الحفاظ على حقوقه في مواجهة الاحتكار يمكن أن يكون أداة ناجعة في مواجهة غول التضخم، والإسراف في الإنفاق واللهث وراء الربح السريع، ويأتي إلى جانب ذلك عدد من الآليات الاجتماعية المهمة، وذلك من خلال تدريب الأسر التي تقاسي الخوف من شبح الفقر على أن تصبح أسراً منتجة يمكنها أن تخطط لمستقبلها بشيء من الثقة، وهو ما يعبّر عن تحوّل في التفكير الاجتماعي من مجرد توفير المأكل والملبس إلى تطوير أداء وأنماط تفكير الأسر التي تعاني من الفقر وتوفير احتياجاتها من التدريب والتعليم.

تملك المعارف

وتؤكد التوصيات أن تفادي اضمحلال الطبقة الوسطى يبدأ من تمكين المواطنين من تحسين مستواهم التعليمي والتدريبي وخلق وظائف لهم، وتمكينهم من تملك المعارف التي تضمن لها حياة كريمة، وليس اقتصار وظائفهم على الطبقة الدنيا. وهذه التوصية ترتبط بالمناداة بالتوزيع العادل للثروة، وألا تكون محصورة على فئات محدودة. وتدعو إلى وضع حد أدنى لمستوى معيشة العائلة الخليجية يتضمن المعادلة بين كلف الحياة ومستوى الدخل للعائلة ككل.

شركات مساهمة

وترى أن إصلاح النظام الإداري وآليات التوظيف في المجتمع (القطاعين العام والخاص) بما يشجع تكافؤ الفرص وتقليل المحسوبية والواسطة في التعيين. وتشير إلى أهمية فصل الملكية عن الإدارة في القطاعين العام والخاص عن طريق إدخال قواعد الحوكمة التي تضمن حماية مصالح صغار المستثمرين والمساهمين والرقابة على تصرفات وقرارات الإدارة.

ومن التوصيات التي أوردها الاتحاد تشجيع تحول الشركات الخاصة إلى شركات مساهمة من شأنه ضمان استمرارية هذه الشركات والحفاظ على مصالح المالكين والمتعاملين وبالتالي حمايتها من الانهيار والتآكل.

والمحاسبة والشفافية وتطبيق قانون «من أين لك هذا؟» لوقف الطموحات غير المشروعة لفئات من الناس للربح السريع وغير المشروع الذي يعمِّق التفاوت الطبقي، وفي الوقت نفسه يشجع التنافس الشريف وتكافؤ الفرص.

ودراسة إدخال نظم ضريبية مرنة تسهم في إعادة توزيع الثروات والدخل بين الأفراد وتوفر مصادر دخل للحكومة تسهم في صيانة وتطوير مرافق الخدمات الاجتماعية.

بالإضافة إلى منع الاحتكار بالنسبة للخدمات وإطلاق المنافسة الشريفة في توظيف الأموال والتجارة والاستثمار وكل ما من شأنه خلق بيئة صحية للتطور الاجتماعي السليم في المجتمع.

وتؤكد التوصيات أهمية توفير قاعدة بيانات شاملة ودقيقة عن مستويات الدخل للمواطنين في دول المجلس، ورصد التحرك الاجتماعي والاقتصادي وفقاً لمؤشرات دقيقة تبنى عليها الخطط والبرامج للحفاظ على الطبقة الوسطى وتنمية أوضاعها.

أبوظبي ـ «البيان»