قال عبد الله آل صالح، مدير عام وزارة التجارة الخارجية، إن الإمارات تجاوزت أسوأ مراحل الأزمة المالية العالمية بأقل الخسائر، وأكد آل صالح في حوار خص به «البيان الاقتصادي» أن الإمارات نجحت بحكمة قيادتها ومتانة إقتصادها في ترك الأزمة وراءها مما سيتيح لها تحقيق مكاسب اقتصادية هامة خلال المرحلة المقبلة.

وأضاف أن وصول إجمالي التجارة الخارجية غير النفطية للإمارات خلال الأشهر الستة الأولى من العام الحالي إلى 310 مليارات درهم يعكس أهمية الإمارات كبوابة تجارية أولى لدول المنطقة، كما يعكس مكانتها في خريطة التجارة العالمية، ويؤكد أيضا أن تأثيرات الأزمة المالية العالمية على الاقتصاد الإماراتي محدودة.وأكد أهمية قطاع التجارة الخارجية واعتبره أحد أهم القطاعات الاقتصادية التي تربط الاقتصادات الوطنية بالاقتصادات العالمية. ويرى آل صالح أنه رغم تأثر التجارة العالمية بالظروف السلبية السائدة، إلا أن بيانات التجارة الخارجية للإمارات للنصف الأول من عام 2009 تحمل مؤشرات ايجابية.

وقال إن الحكومة تعمل حاليا على إعداد قانون للاستثمار الأجنبي بهدف تطوير البيئة الاستثمارية وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، في الوقت الذي تعمل أيضا على حزمة أخرى من القوانين والتشريعات التي تساعد جميعها في تطوير مناخ الأعمال وتحسين البيئة التنافسية للإمارات. وأكد أن جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة يعد ضمن أهم السياسات التي اتخذتها الإمارات نظرا لمنافعها الكبيرة للاقتصاد الوطني. وفيما يلي نص الحوار: هل يمكننا القول إن الإمارات قد تجاوزت المرحلة الأصعب من الأزمة المالية العالمية؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هي المؤشرات الملموسة على ذلك؟

لقد تمكنت الإمارات من تجاوز أسوأ مراحل الأزمة المالية العالمية بأقل الخسائر. وبكل ثقة نستطيع القول إن الإمارات نجحت الآن بحكمة قيادتها ومتانة اقتصادها في ترك هذه الأزمة في الوراء، مما سيتيح لها تحقيق مكاسب اقتصادية هامة خلال المرحلة المقبلة، خاصة وأن بعض القطاعات بدأت النمو قبل موعدها مثل الطيران والخدمات المالية وغيرها، التي نجحت في إعادة هيكلة مؤسساتها وغيرت استراتيجياتها وطريقة تفكيرها وعملها وبالتالي دخلت مرحلة النمو من جديد، الأمر الذي سيضيف للإمارات ميزة تنافسية كبيرة في المستقبل القريب، وسيساهم أكثر في تعزيز الثقة بالاقتصاد الوطني الذي سيصبح أكثر قدرة على مواجهة التحديات المختلفة خلال الفترة القادمة.

وبالطبع هناك الكثير من المؤشرات المحلية والعالمية التي تدعم هذا الاتجاه، منها وصول إجمالي التجارة الخارجية غير النفطية للإمارات خلال الأشهر الستة الأولى من العام الحالي إلي 310 مليارات درهم، مما يعكس أهمية الإمارات كبوابة تجارية أولى لدول المنطقة، ويعكس مكانتها في خريطة التجارة العالمية، كما يؤكد أن تأثيرات الأزمة المالية العالمية على الاقتصاد الإماراتي محدودة.

كما قادت حزمة الإجراءات والإصلاحات التي قامت بها حكومة الإمارات خلال الأشهر الماضية لتسهيل ممارسة الأنشطة التجارية إلى تبوء الإمارات المرتبة 33 عالميا والثالثة عربيا في تقرير ممارسة الأعمال لعام 2010، الصادر حديثا عن مؤسسة التمويل الدولية والبنك الدولي، لتصعد بذلك 14 درجة عن ترتيبها في تقرير العام الماضي . وصعدت الإمارات إلى المرتبة 23 في تقرير التنافسية 2009 -2010، لتتقدم بذلك ثماني درجات مقارنة بتقرير العام الماضي، بعد أن عززت الدولة من مستويات تحسن تقييم المؤسسات وارتفاع مستوى الجهوزية التقنية والقدرة على الابتكار.

كما صنف استطلاع مؤشر نيلسن لثقة المستهلك الإمارات في المركز السابع بين أكثر البلدان تفاؤلاً بالتعافي الاقتصادي للربع الثاني من العام الجاري. وفي نفس الإطار، صنف تقرير تمكين التجارة العالمي للعام 2009، والصادر عن منتدى الاقتصاد العالمي، الإمارات في المرتبة 18 من بين 121 من اقتصادات العالم، والأولى على مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بحسب مؤشر تمكين التجارة الخاص بالمنتدى، مما يشير إلى مواصلة الإمارات لدورها كمركز تجاري نشط وتمكنها من المحافظة على قوتها ومكانتها الاقتصادية.

كما تشير إحصائيات التدفقات النقدية من الدولة وإليها والمتعلقة بالاستثمارات والتجارة إلى أن مرحلة القاع في مؤشر هذه التدفقات كانت في شهر مارس 2009، في حين بدأ المؤشر بالارتفاع بشكل تصاعدي ومنتظم منذ ذلك التاريخ.

مساهمة القطاع الخاص

كيف تقيمون مساهمة القطاع الخاص في الناتج الإجمالي المحلي للدولة، وهل هناك حاجة لمضاعفة ذلك؟

القطاع الخاص الإماراتي يعد نموذجا على مستوى دول المنطقة نتيجة لما حققه من انجازات على مدى السنوات الماضية، وذلك بفضل الدعم المستمر من القيادة والحكومة واستراتيجية الإمارات في التنويع الاقتصادي وقدرات هذا القطاع وإمكاناته في تعزيز عملية البناء والتنمية.

ويساهم القطاع الخاص بحوالي 40% من إجمالي الناتج المحلي، وهو شريك مهم في جهود تنويع الاقتصاد الوطني، في الوقت الذي تحرص فيه الإمارات من خلال برامجها الاستثمارية على توسيع قاعدة الانفتاح أمام القطاع الخاص المحلي إلى جانب الأجنبي لتعزيز المساهمة الفاعلة في الإنتاج وسوق العمل، إذ استحوذ القطاع الخاص على 58% من إجمالي الاستثمارات المتحققة في الدولة.

وبكل تأكيد هناك حاجة دائمة لتطوير أداء القطاع الخاص وزيادة دوره في النشاطات الاقتصادية للدولة ورفع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي للدولة.

تجربة الإمارات

هل طرأ أي تغيير على أسلوب الاستثمار الأجنبي المباشر نتيجة الأزمة الحالية؟

أكدت تجربة الإمارات في ميدان التنمية الاقتصادية خلال السنوات الماضية صوابية النظرة الاستراتيجية للقيادة الحكيمة في تعزيز مسيرة النمو الاقتصادي من خلال التكامل الاقتصادي الإقليمي والدولي والاستفادة من التطورات الحاصلة في الأسواق العالمية، إذ يعد جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة ضمن أهم السياسات التي اتخذتها الإمارات في هذا الميدان نظرا لمنافعها الكبيرة للاقتصاد الوطني.

وأود هنا الإشارة إلى تقرير الاستثمار العالمي 2009 الذي أطلقته منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية - الانكتاد مؤخرا، والذي أكد احتفاظ الإمارات بجاذبيتها للاستثمار الأجنبي المباشر مقارنة بالكثير من دول المنطقة ودول العالم المتقدمة.

كما تعد الأرقام الأخيرة التي سجلتها الإمارات في هذا المجال انجازا كبيرا في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية، إذ جاءت في المرتبة الثالثة على مستوى دول جنوب وشرق آسيا. كما تخطت الإمارات دولا عريقة كأفضل موقع عالمي للاستثمار الأجنبي المباشر وفق توقعات الاستثمار العالمية 2009-2011 الصادرة عن الانكتاد، وأصبحت ضمن أفضل ثلاثين موقعا عالميا للاستثمار الأجنبي المباشر.

وتعمل الحكومة حاليا على إعداد قانون للاستثمار الأجنبي لتطوير البيئة الاستثمارية وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، في الوقت الذي تعمل أيضا على حزمة أخرى من القوانين والتشريعات التي تساعد جميعها في تطوير مناخ الأعمال وتحسين البيئة التنافسية للإمارات.

تأثير المخاطر العالمية

إلى أي مدى يمكن أن تؤثر المخاطر العالمية على خطط الشركات الأجنبية في مجال الاستثمار الأجنبي المباشر؟

تسهم اتجاهات الأسواق المالية الدولية في الوقت الحالي في حالة عدم اليقين في قرارات الاستثمار على المدى الطويل. ولا شك أن المخاطر الضخمة التي حملتها الأزمة المالية العالمية لن تكون مقتصرة على قطاع معين وإنما ستشمل جميع القطاعات ومنها الاستثمار. إذ أن خطورة هذه الأزمة وشموليتها فرضت على العديد من الشركات إعادة التفكير في استراتيجياتها فيما يتعلق بالاستثمار الخارجي.

كما أن التغير الذي طرأ على سلوك منح القروض وإعادة التقييم العام لمخاطر الائتمان أدى إلى زيادة أوجه عدم اليقين والمخاطر الجديدة في الاقتصاد العالمي، وبالتالي تأثير سلبي على الاستثمار الأجنبي المباشر. بالإضافة إلى أن بطء معدل النمو الاقتصادي في البلدان المتقدمة ـ وهي أحد المحركات الأساسية لتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في السنوات الماضية ـ بصورة ملحوظة منذ الربع الأخير من عام 2007 ساهم في انخفاض تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر على مستوى العالم عام 2008 بنسبة 10% مقارنة بمستواها عام 2007.

تحديات تواجه الدول النامية

ما هي التحديات التي تواجه الدول النامية التي تعتبر أن الاستثمار الأجنبي المباشر مصدراً هاماً من مصادر التمويل الأجنبي؟

لا شك أن الاستثمار سيظل البوابة الاقتصادية لتنمية الدول النامية عموما والمنطقة خصوصا، لذلك لا بد من تعزيز الإصلاحات الاقتصادية في الدول النامية وإحداث تغير نوعي نحو استقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة عبر تطوير القواعد والنظم الاقتصادية لجذب المزيد من الاستثمارات. الشيء الآخر في هذا المجال والذي يرتبط ببعد زمني آني يتمثل في ضرورة تكثيف الدول النامية لاجراءات استعادة الثقة بأسواقها بعد الأزمة المالية العالمية لتعزيز تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة .

إن الإمارات تنبهت منذ مرحلة مبكرة إلى أهمية خلق توجهات واضحة ومشجعة للاستثمار الأجنبي من خلال الاهتمام بعناصر الإنتاج والبناء وتقنية المعلومات والخدمات والسياحة وغيرها من العناصر، في الوقت الذي نجحت في استقطاب الاستثمارات الأجنبية من خلال العديد من المبادرات الناجحة والتي أصبحت مثالا يحتذى بها في مناطق كثيرة من العالم مثل المناطق التجارية الحرة. لذلك نجد أن الإمارات تواصل الآن استقطاب الاستثمارات الأجنبية رغم عوامل التشاؤم المسيطرة على المستثمرين في أنحاء كثيرة من العالم في الأزمة المالية العالمية .

المستثمرون الأذكياء

في ضوء الآثار الكبيرة للأزمة على اقتصادات الولايات المتحدة وأوروبا، هل تتوقعون قيام المزيد من الشركات الغربية بنقل أعمالها إلى الإمارات؟

إن كل أزمة مالية تمنح فرصاً استثمارية مميزة، والمستثمرون الأذكياء يرون عادة أبعد من هذه الأزمة. إن الأزمة الحالية فتحت فرصاً كثيرة أمام الإمارات التي أثبتت أنها تتمتع بالأمان والاستقرار حتى خلال الأزمة، كما تعززت جاذبيتها كوجهة للعمل والتجارة بين الشركات الغربية، خاصة وأنها تعد من أوائل الدول التي تخلصت من الأزمة العالمية بأقل الخسائر، وتتمتع سوقها الآن بفرص استثمارية كثيرة يمكن الاستفادة منها . ووفق تقرير الاستثمار العالمي 2009 الذي أطلقته منظمة الإنكتاد فإن عدد المشاريع التي نفذتها الاستثمارات الأجنبية داخل الدولة خلال عام 2008 بلغ حوالي 480 مشروعا بزيادة تصل إلى 70% مقارنة بعام 2007 في حين بلغ عدد تلك المشاريع خلال الربع الأول من العام الجاري 136 مشروعا .

إن هذا الحرص للشركات العالمية على التواجد في أسواق الإمارات لم يحدث جزافاً، بل إنه يعكس متانة الأسس التي يقوم عليها الاقتصاد الوطني وارتفاع قدراته التنافسية مقارنة بكثير من دول المنطقة، وهو نتاج مجموعة من عوامل الجذب التي تتمتع بها بيئة الأعمال الإماراتية وفي مقدمتها فلسفة الحرية الاقتصادية التي تبنتها الدولة وتوافر البنية التحتية العصرية وارتفاع مرتبتها على سلم التنافسية العالمية، إلى جانب التشريعات الجديدة ذات الصلة التي تعتزم إصدارها وتوافر المؤسسات الاقتصادية والمالية المتطورة علاوة على ما تنعم به من أمن واستقرار اقتصادي وسياسي واجتماعي. هذه العوامل مع غيرها مثل انخفاض فرص النمو في الأسواق العالمية تشكل بدون شك عوامل مشجعة ومحفزة للشركات العالمية للاستثمار في الإمارات.

نسبة النمو المتوقعة

ما هي نسبة النمو المتوقعة في اقتصاد الدولة خلال العام المقبل، وهل سيكون ذلك مقبولاً في ظل ظروف الأزمة الحالية؟

تعد توقعات نسبة النمو في أوقات الأزمات الاقتصادية من الأمور الصعبة والتي تحمل في جوانبها كثيرا من الاحتمالات والافتراضات مقارنة بالأوقات العادية، لكن في نهاية الأمر تستند تلك التوقعات إلى حقائق يمكن الاستناد إليها في عمليات التقييم والتوقعات .

وفي حالة الاقتصاد الإماراتي، والذي تخطت نسبة الانفتاح الاقتصادي فيه حدود 170% عام 2008، ورغم كون العملية ليست باليسيرة، إلا أنه يمكن الإشارة إلى وجود عوامل داخلية وخارجية تدفع بقوة للتوقع الإيجابي لمعدلات النمو في عام 2009 والأعوام القادمة. إذ أنه من حيث طبيعة وهيكل الاقتصاد الوطني فقد تخطت نسبة مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي حاجز 60% مما يقلل من آثار انخفاض العوائد النفطية مع وجود الموارد الكافية للوفاء بمتطلبات الاستثمار من جهة وإمكانية تحقيق معدلات عالية من الاستهلاك النهائي لتنشيط الطلب المحلي، وخير مثال على ذلك تجاوز معدلات الاستهلاك النهائي في كثير من الأحيان معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي ومعدلات السكان مما يعبر عن ارتفاع مستوى المعيشة ووجود طاقة ادخارية.

كما أن تطوير وبناء الهياكل الأساسية وإقامة العديد من الصناعات في المجالات النفطية والكيماوية ومواد البناء والصناعات الهندسية والغذائية والورق و النسيج تشير إلى قدرة ذلك الهيكل على امتصاص الآثار السلبية للازمة. كما أن الأزمة مكنت الاقتصاد الوطني من تجاوز عامل التضخم الذي تخطى 11% عام 2008 والذي كان يؤرق صانع القرار الاقتصادي في الدولة و يهدد ايجابيات التنمية.

وبالنسبة للعوامل الخارجية والتي تعد من أهمها السياحة فقد حدثت سياحة عكسية واستقطبت الفعاليات السياحية بالدولة نسبة كبيرة من السياحة الإقليمية، كما أن انخفاض أسعار عوامل الإنتاج أعطى الفرصة لانخفاض تكلفة المنتج المحلي وزيادة تنافسيته، إذ أظهرت بيانات التجارة الخارجية للنصف الأول من العام 2009 نمو الصادرات مع حدوث انخفاض في الواردات، وبلغة الحسابات القومية المكونة للناتج المحلي الإجمالي يؤدي ذلك إلي زيادة نسبة مساهمة صافي التجارة الخارجية في تكوين الناتج المحلي الإجمالي مما يعني زيادة درجة التأكد في تحقيق معدلات نمو موجبة. وتصب كل هذه العوامل جميعاً في صالح التوقعات بتحقيق معدلات نمو إيجابية في العام الحالي، نتوقع أن يكون ضمن حدود تتراوح بين 3 % - 4%.

فرص الخارج والداخل

اتجهت الإمارات إلى استكشاف فرص الاستثمار خارج حدودها قبل الأزمة المالية العالمية، هل انخفض هذا النشاط الخارجي في ظل انكماش الاقتصاد العالمي، وهل ستتحول الاستثمارات إلى داخل الدولة؟

الاستثمارات الوطنية في الخارج تعد جزءا من استراتيجية تنويع مصادر الدخل الوطني وهي تندرج ضمن مؤشر الناتج القومي الإجمالي الذي يقيس أداء عوامل الإنتاج المحلية الموظفة في الخارج، كما أنها تعد جزءا من الحركة التفاعلية المجدية بين اقتصاد الإمارات واقتصادات العالم.

إن الشركات الإماراتية تعمل باستمرار على اقتناص الفرص الاستثمارية الاستراتيجية المجدية أينما كانت مادامت تصب في مصلحتها ومصلحة الاقتصاد القومي، وهي يمكن أن تستفيد حاليا الركود الاقتصادي العالمي الذي يخلق فرصا استثمارية مجدية لرؤوس الأموال الإماراتية والخليجية عموما، وهناك العديد من التجارب والفرص الناجحة للاستثمارات المحلية في الخارج تمت خلال الأزمة المالية.

إن الاستثمارات الخارجية قدمت للإمارات الكثير من المنافع وساهمت في دفع جهود التنمية في الداخل، لكن من الضروري في إطار الاستفادة من دروس الأزمة المالية العالمية إعادة تقييم تجارب الاستثمار في الخارج عبر مراجعة الأولويات الاستثمارية وإعادة النظر في بعض الاستثمارات وليس كلها، لأن معظم الاستثمارات الخارجية كانت مفيدة وهي استراتيجية بطبيعة الحال، وبالتالي فإنه من المهم توجيه رؤوس أموال الاستثمارات الخارجية غير المجدية للسوق المحلي الذي يزخر بأنواع كثيرة من الفرص المجدية والمفيدة.

الوجهة العالمية المقبلة

ما هي الوجهة العالمية المقبلة التي ستقوم الوزارة بالتركيز عليها فيما يتعلق بفرص الاستثمار، وهل هنالك مناطق معينة تهتمون بها؟ وما هو السبب في ذلك؟

العالم أصبح قرية صغيرة، ورأس المال يتجه نحو بيئة الاستثمار المشجعة والمحفزة والتي تحمي الاستثمار الأجنبي وتضمن الاستقرار السياسي ومعدلات نمو مرتفعة وعملة مستقرة وقوية وتبتعد عن البيئة القائمة على العراقيل الإدارية والبيروقراطية والفساد الإداري، فأينما وجدت مثل هذه البيئات فإن الاستثمارات سواء التابعة للصناديق السيادية أو للقطاع الخاص تتجه نحوها دون أي تخوف، لأن الجدوى من عملية الاستثمار في هذه الحالة تكون قائمة ومدروسة وفق أسس اقتصادية وعلمية.

وفي هذا الإطار تقوم وزارة التجارة الخارجية حاليا بمشروع رصد كل الاستثمارات الإماراتية في الخارج، والتي يقوم بها القطاع الخاص الإماراتي لمعرفة حجم هذه الاستثمارات والقطاعات التي تستثمر بها والدول المستثمرة فيها، بالإضافة إلى معرفة المعوقات التي تواجه هذه الاستثمارات، مما سيساعد متخذي القرار لصياغة استراتيجيات وبناء سياسات استثمارية وتجارية كافية وسليمة.

هل لديكم أية أرقام عن حجم الاستثمارات الخارجية للإمارات؟

كما قلنا آنفا، فإن وزارة التجارة الخارجية تقوم حاليا بمشروع رصد كل الاستثمارات الإماراتية في الخارج، والتي تقوم بها القطاع الخاص الإماراتي لمعرفة حجم هذه الاستثمارات والقطاعات التي تستثمر بها والدول المستثمرة فيها، وبالتالي ليست هناك أرقام دقيقة حول الاستثمارات الخارجية للإمارات حاليا.

تكامل خليجي عربي

هل تعتقدون أن منطقة الخليج والدول العربية ستكون الوجهة المقبلة للاستثمارات الإماراتية خلال الفترة المقبلة، لا سيما وأن الاقتصادات الغربية لا تزال تعاني من الركود؟

لاشك أن الاستثمارات الإماراتية في الخارج تتمتع ببعد خليجي وعربي، وأن هذا البعد اتسع في السنوات الأخيرة في ظل تعزيز خطوات التكامل بين الاقتصادات الخليجية والإصلاحات الاقتصادية الجارية في الدول العربية، ويمكن أن تتسع أكثر خلال الفترة القادمة مع زيارة الفرص الاستثمارية المجدية، خاصة وأن استثمارات الشركات الإماراتية محل ترحيب دائم من الدول الخليجية والعربية كون هذه الشركات تحرص باستمرار على تطبيق أساليب احترافية في العمل وتعتمد على المصداقية في تنفيذ المشاريع، وهي لم تتأثر بالأزمة مثلما هو المشهد على الساحة العالمية، كما أنها تمتلك حاليا سيولة جيدة لتعزيز أدائها القوي وتقف اليوم على أرضية صلبة تجعلها أكثر قدرة على الاستفادة من الفرص الاستثمارية الجيدة في الدول العربية والعالم.

الخطط الاستراتيجية للدولة

ما هي الخطط الاستراتيجية للدولة خلال المرحلة المقبلة من الانتعاش الاقتصادي بعد الأزمة الحالية؟

لا شك أن الأزمة المالية العالمية قدمت للدول الكثير من الدروس والعبر، لكن من جهة أخرى ورغم التداعيات السلبية للأزمة العالمية، إلا أن اقتصاد الإمارات حافظ على قوته وتنافسيته، وذلك بفضل الإدارة الناجحة لهذه الأزمة من جانب القيادة الرشيدة، وهذا ينعكس بوضوح في تزايد الثقة الدولية بالاقتصاد الوطني . إن أهم ما يميز الاقتصاد الإماراتي بعد الأزمة أنه قادر على مواجهة التحديات المختلفة من ناحية.

ومواكبة متطلّبات التنمية في الداخل من ناحية ثانية، وليس أدل على ذلك سوى القانون الذي أصدره صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة -حفظه الله- الخاص بتعديل قانون الشركات التجارية والمتضمن تحرير الشركات ذات المسؤولية المحدودة من الحد الأدنى لرأس المال الذي حدده القانون السابق ب150 ألف درهم وانتفاء الحاجة إلى الحصول على شهادات مصرفية مما يعد خطوة مهمة نحو جذب مزيد من الاستثمارات الجديدة ويشكل انطلاقة جديدة واعدة لمسيرة قطاع الأعمال في الإمارات.الآن، وبعد أن تركت الإمارات الأزمة وراءها، فإن تعزيز وتيرة النمو الاقتصادي وزيادة فاعلية القطاعات الإستراتيجية وتطوير استراتيجية التنويع الاقتصادي في ضوء التطورات العالمية الأخيرة تعد عناوين بارزة للعمل في المرحلة القادمة.

كما أن الحكومة تولي أهمية خاصة لتطوير البنية التحتية للاقتصاد الوطني من أجل التعامل بحرفية عالية مع مختلف المتغيرات الاقتصادية الإقليمية والعالمية وللمحافظة على المكانة الاقتصادية المرموقة للدولة على المستوين المحلي والعالمي.

وفيما يتعلق باختصاص وزارة التجارة الخارجية فإن الوزارة ستقوم بالتركيز على إنعاش التجارة الخارجية مع الدول النامية وتعزيز الشراكة التجارية معها والتنسيق مع الجهات المعنية بالدولة والقطاع الخاص لضمان تنافسية صادرات الدولة إلى الأسواق العالمية، بالإضافة إلى التركيز على الترويج التجاري للدولة بهدف جذب المزيد من الاستثمارات والتكنولوجيا والتقنيات المتقدمة بغية ضمان استمرار معدلات نمو مرتفعة للنمو الاقتصادي وتعزيز الثقة بالاقتصاد الوطني وتطوير قدراته التنافسية على المستوى العالمي.

على الرغم من الحديث عن تطورات في مجال استئناف القروض، لا تزال العديد من مصارف الدولة متحفظة. إلى أي مدى يمكن أن يؤثر هذا التحفظ سلباً على الاقتصاد الوطني؟ وهل هنالك ما يبرره؟

البنوك المحلية واصلت إقراضها والتزمت بدورها الحيوي في الاقتصاد الوطني رغم التداعيات السلبية التي سببتها الأزمة المالية العالمية ، إذ لم يمنع نقص السيولة وحالة فقدان الثقة التي سادت الأسواق هذه البنوك من الوفاء بالتزاماتها تجاه الاقتصاد الوطني.

الدروس المستفادة

ما هي الدروس المستفادة من المشاكل الاقتصادية خلال الاثني عشر شهراً الماضية؟

من الواضح أن الأزمة المالية التي شهدها العالم فرضت نفسها على الأجندة العالمية طوال عام، نظرا للتداعيات الخطيرة التي خلفتها على الاقتصادات العالمية والمجتمعات المحلية باختلاف مستويات تطورها ومكانها الجغرافي في العالم.

ورغم مضي أشهر طويلة من الأزمة، إلا أن العالم كافة عاجز حتى الآن عن فهم أبعادها ونتائجها بشكل كامل. ومع ذلك هنالك بعض الدروس العامة التي يمكن استخلاصها من هذه الأزمة منها أهمية التركيز على تنمية الاقتصاد الحقيقي، مثل الصناعة والخدمات الإنتاجية، والتدرج في تطبيق سياسات التحرر الاقتصادي والاندماج في الاقتصاد العالمي وضبط إيقاعها مع تنامي طاقات القطاعات الإنتاجية وتحسين قدرتها التنافسية.

تحديات المرحلة المقبلة

ما هي التحديات التي ستواجه اقتصاد الإمارات خلال المرحلة المقبلة؟

رغم نجاح الإمارات في تجاوز الأزمة بأقل الخسائر، إلا أن الأزمة المالية العالمية تحمل الكثير من التحديات على اقتصاد الإمارات خلال الفترة القادمة. لكننا نستطيع القول إن الأسس الاقتصادية السليمة للإمارات على مدى السنوات الماضية كفيلة بمواجهة هذه التحديات وتجاوزها ومنحها القدرة على تعزيز المكاسب ومواصلة النمو الاقتصادي كما في السنوات الماضية إن لم تكن أكثر.

لذلك يتمثل الهدف الرئيسي في مواصلة الإستراتيجية الاستباقية تجاه جميع التحديات القادمة وخلق المزيد من المبادرات الإيجابية لتعزيز الثقة والتنافسية. كما أنه من الضروري في هذه المرحلة تعزيز الروابط الاقتصادية والتجارية النشطة على المستويين الإقليمي والعالمي والاستفادة من الفرص المتنوعة في أسواق العالم والتي تصب في مصلحة اقتصادنا الوطني وتقوية قدراته التنافسية. في هذا الإطار تؤدي وزارة التجارة الخارجية دوراً حيوياً من خلال قيامها بتوسيع البرنامج التجاري للدولة ومواصلة البحث عن المزيد من الاستثمارات الداخلية والخارجية وتشجيع التجارة على مستوى دول الخليج وتعزيز مجالات العمل الجديدة مثل الطاقة البديلة والسياحة والتعليم وغيرها.

استثمارات بمليارات الدولارات في النفط والغاز

أكد عبد الله آل صالح، مدير عام وزارة التجارة الخارجية، أن السنوات المقبلة ستشهد المزيد من الاستثمارات الإماراتية في قطاع النفط والغاز. وقال: لقد أعلنت شركة بترول أبوظبي الوطنية - أدنوك خلال الفترة الماضية عن خطط لرفع الطاقة الإنتاجية من النفط والغاز وتطوير حقول النفط وقدرات التكرير ضمن خطة توسعية تبلغ كلفتها عشرات المليارات من الدولارات. كما أعلنت مرارا بعض الشركات التابعة لها عن استمرار العمل في كافة مشاريعها الاستثمارية بالتعاون مع شركائها الدوليين، سواء شركات النفط العالمية أو الشركات الهندسية، مما يعني استمرار الاستثمارات في هذا القطاع الحيوي.

مؤشرات إيجابية لتجارة الإمارات الخارجية

تحمل بيانات التجارة الخارجية للإمارات للنصف الأول من عام 2009 مؤشرات إيجابية، وذلك رغم تأثر التجارة العالمية سلبياً بظروف الأزمة المالية العالمية، وتشير البيانات إلى زيادة حجم صادرات الدولة بنسبة 24%.

وقال عبد الله آل صالح، مدير عام وزارة التجارة الخارجية: رغم أن هذه النسبة كانت اقل من معدل نمو الصادرات في عام 2008 والبالغ 66%، إلا انها في نهاية الأمر نسبة إيجابية لمعدل النمو يمكننا معها القول انه من المتوقع أن تصل قيمة الصادرات في نهاية عام 2009 إلى حوالي 744 مليار درهم، مما يزيد من فرصة زيادة نسبة مساهمة الصادرات في حجم التجارة الخارجية إلى 11% عام 2009 بدلاً من 8% في عام 2008.

كما أن نشاط إعادة التصدير ورغم تأثره بالأزمة العالمية، إلا أن ظهور مؤشرات ايجابية لبدء انحسار الأزمة المالية منذ النصف الثاني من العام الجاري ساهم في تنشيط تجارة إعادة التصدير، وبالتالي نتوقع زيادة نسبة مساهمة إعادة التصدير في التجارة الخارجية للإمارات.

وأضاف: إن حجم التجارة الخارجية إلى الناتج المحلي لأي دولة يعبر عنه بدرجة الانفتاح الاقتصادي. من هذا المنطلق يمكن القول إن اقتصاد الإمارات يتميز بانفتاح اقتصادي كبير بلغت نسبته حوالي 173% عام 2008.

20% انخفاض متوقع في حجم الواردات العام الجاري

توقع عبد الله آل صالح، مدير عام وزارة التجارة الخارجية، حدوث انخفاض في حجم الواردات بنسبة 20% أي بقيمة 113 مليار درهم في عام 2009 استنادا إلى بيانات النصف الأول من العام الجاري، مما سيؤدي إلى تحسن العجز في الميزان التجاري لصالح الإمارات بنسبة 26% وحدوث ترشيد تلقائي للواردات.

الميزان التجاري لأي دولة عبارة عن الصادرات مخصوما منها الواردات، وتحقيق فائض في الميزان يعني تفوق الصادرات والعكس في حالة العجز. وباستقراء الميزان التجاري غير النفطي للدولة خلال ال 28 سنة الماضية يمكن تقسيم تلك الفترة إلى مرحلتين الأولى 1981 - 2003، حيث كان المتوسط العام للعجز التجاري في حدود 44 مليار درهم أي بنسبة 14% من الناتج المحلي الإجمالي للإمارات، والمرحلة الثانية بداية من 2004 حتى 2008 أي خلال السنوات الخمس الأخيرة فقد كان متوسط قيمة العجز التجاري 196 مليار درهم أي بنسبة 21% من الناتج المحلي الإجمالي بما يوازي 5,4 ضعف المتوسط خلال الفترة السابقة، مما نتح عنه زيادة في نسبة مساهمة الواردات في إجمالي حجم التجارة الخارجية بمعدل 70%، مما أعطى مؤشرات لصانع القرار للنظر في ترشيد الواردات رغم ارتباطها بمعدل التنمية الذي شهدته الإمارات.

حوار ـ كفاية أولير