أكدت «بوز أند كومباني» أن دول مجلس التعاون الخليجي استطاعت أن تتفادى الانعكاسات الجسيمة للأزمة المالية العالمية إلى حدّ كبير، إلاّ أنّ الأزمة أدركت مواطن الضعف في القطاع المالي.
وقالت في تقرير : على الرغم من تمكّن دول مجلس التعاون من النأي بنفسها إلى حدّ كبير عن تأثيرات الأزمة الاقتصادية العالمية، إلاّ أنّها لم تكن محصّنة بالكامل ضد الانعكاسات السلبية للأزمة.
ومع بدء الاقتصاد العالمي بالتعافي من الاضطرابات المالية التي نجمت عن تداعيات انهيار مصرف ليمان براذر ، يمكن للمسؤولين في دول مجلس التعاون اتخاذ خطوات خاصة بالمنطقة لتسريع وتيرة التعافي وحماية اقتصاداتها من أزمات مستقبلية محتملة، بحسب دراسة جديدة لشركة بوز أند كومباني.
ويعتبر نبيه مارون الشريك في بوز أند كومباني أنّ الأزمة المالية العالمية أبرزت الحاجة إلى مزيد من التنويع في اقتصادات دول مجلس التعاون كما سلّطت الضوء على مكامن الضعف في النظام المالي، التي تتأتى بشكل رئيسي من معدّلات الاستدانة المرتفعة، لذا سيتعيّن على دول مجلس التعاون النظر في مجموعة من الإصلاحات الأساسية تعيد تصميم إدارة وحوكمة الشؤون المالية والاقتصادية، وذلك للاستفادة من ظاهرة التعافي العالمية وبناء أسس متينة للنمو المستدام.
إجراءات غير مسبوقة
ولمواجهة الركود الاقتصادي العالمي الأبرز منذ الحرب العالمية الثانية، اتخذت الحكومات، بما فيها حكومات دول مجلس التعاون، مجموعة من الخطوات والإجراءات غير المسبوقة للتصدي للأزمة وتداعياتها.
ويشير ريتشارد شدياق وهو شريك أيضاً في بوز أند كومباني إلى أنّ المنطقة بدت في مطلع الأزمة وكأنّها بمنأى عن تأثيراتها، إلاّ أنّه بحلول نوفمبر 2008، ظهرت بوادر التأثّر وتبيّن أنّها لن تخرج من العاصفة من دون أيّة خسائر. وقد شهدت الأسواق المالية في دول مجلس التعاون تراجعاً متسارعاً، كما انخفضت أسعار النفط من حوالي 110 دولارات للبرميل الواحد في نهاية الفصل الثالث إلى ما يقارب 40 دولاراً للبرميل الواحد، في وقت تقلّصت عمليات التمويل للقطاع الخاص بشكل كبير.
ونتيجة لذلك، تأثّرت بعض الاقتصادات بالأزمة بشكل ملحوظ، بالإضافة إلى بعض القطاعات غير النفطية وخاصة الخدمات المالية والعقارية والسياحة.
ويعتبر جهاد أزعور وهو مستشار تنفيذي أوّل في بوز أند كومباني أنّ المنطقة برمّتها عانت من تداعيات الانكماش الاقتصاد العالمي وتباطؤ حركة التجارة الدولية وانخفاض التدفقات الرأسمالية إلى المنطقة والتراجع الحاد لأسعار النفط، فضلاً عن الخسائر الجسيمة التي تكبّدتها الصناديق السيادية.
خطط خليجية
من هذا المنطلق، عمد العديد من دول مجلس التعاون إلى وضع خطط عمل لمواجهة الأزمة، حيث أعلنت الإمارات والسعودية والكويت عن مجموعة من الإجراءات المالية، وقد اعتبرت الخطة السعودية من الأكبر في العالم نسبة إلى الناتج المحلي القائم، إذ شكّلت 3, 10 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي للمملكة للعام 2008.
في المقابل، وضعت دولة الإمارات خطتين بقيمة 120 مليار درهم ، ما يتجاوز 12% من إجمالي الناتج المحلي لعام 2008. كما وضعت دولة الكويت تسهيلات بقيمة 2, 5 مليارات دولار أميركي صُمّمت للسماح للمصارف بإقراض حوالي 13 مليار دولار خلال سنتين. من ناحية أخرى، اتخذت السلطات النقدية في دول مجلس التعاون خطوات لضخ السيولة في المصارف وخفض تكاليف التمويل وتعزيز الثقة والتخفيف من شروط الإقراض الصارمة.
ويمكن قياس وقع الأزمة العالمية على اقتصادات دول مجلس التعاون من خلال ثلاثة أبعاد: الأداء الاقتصادي، استقرار القطاع المالي، والتأثير على القطاعات الاقتصادية الرئيسية.
معدلات النمو
وأفاد تقرير «بوز أند كومباني» أنه في ضوء الانكماش العالمي المرتقب في العام 2009، يتوقّع أن تنخفض معدلات النمو في منطقة مجلس التعاون إلى ما دون 3% بالمقارنة مع نسب تجاوزت 6% سنوياً خلال الفترة الممتدة من 2003 إلى 2008. ولوضع حدّ لهذا المنحى السلبي، عمدت حكومات دول مجلس التعاون إلى رفع مستوى الإنفاق العام لتحفيز الطلب المحلي والحفاظ على مستويات إيجابية للنمو الاقتصادي. كما سحبت الحكومات مساهمات من احتياطاتها ومن صناديق سيادية للحفاظ على الاستقرار المالي وتمويل بعض المشاريع الاستراتيجية.
التضخم
أدّى التضخم الهائل الذي ساد خلال السنوات التي سبقت الأزمة إلى إضعاف الأداء الاقتصادي حيث شكّل الخطر الاقتصادي الرئيسي الذي كانت تواجهه دول مجلس التعاون خلال تلك الحقبة. إلاّ أنّ هذا المنحى التضخمي بدأ بالانحسار خلال العام 2009، ما سمح بتخفيف بعض الضغوط التي تواجهها الحكومات في سعيها للحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي.
الميزان التجاري
على الرغم من تراجع قيم الصادرات النفطية ومشتقاتها، تمكّنت اقتصادات دول مجلس التعاون من الحفاظ على فوائض محدودة في الميزان التجاري والحساب الجاري. في المقابل، سجّلت بعض دول مجلس التعاون انخفاضاً في الاحتياطات الخارجية بفعل تراجع التدفقات الرأسمالية التي بدأت بالانحسار منذ مطلع العام 2008. ومن المتوقّع أن يسمح التعافي الجزئي لأسعار النفط في الفصل الثاني من العام 2009 بتحسين الميزان الخارجي لدول مجلس التعاون.
المالية العامة
شكّل التراجع الحاد في الإيرادات النفطية عبئا على المالية العامة، حيث أدّى إلى تقليص كبير للفوائض في الموازنات العامة. وتواجه بعض الدول مثل الإمارات العربية المتحدة والبحرين إمكانية تحقيق عجز في الموازنة لهذا العام. ويشير مارون إلى أنّ الزيادة الهائلة في الإنفاق في مرحلة ما قبل الأزمة وبرامج الاستثمار العام التي أطلقت، قلّصت من مرونة موازنات الحكومات وحدّت من قدرة معظم دول مجلس التعاون على لجم الإنفاق.
النظام المصرفي
أظهرت الأزمة المالية مواطن الخلل في النظام المصرفي في دول الخليج. فقد شكّلت الشركات المالية غير المصرفية نقطة الضعف الرئيسية في النظام المالي بسبب نسبة الاستدانة المرتفعة. أما النظم المصرفية الأكثر محافظة ، فقد كشفت عن قدرة أكبر على مواجهة الأزمات، سيّما وأنّ الانكماش قيّد النمو الائتماني وحدّ من قدرة المصارف على الإقراض.
الأسواق المالية
شهدت الأسواق المالية في دول مجلس التعاون تراجعاً ملحوظاً خلال الفترة الممتدة بين سبتمبر 2008 وسبتمبر 2009، حيث انخفض مؤشر سوق دبي والكويت بأكثر من 50%. غير أنّ الحكومات، بحسب شدياق، تدخلت بأشكال عدّة لتلافي الانهيار، حيث وضعت قيوداً على التداول في الأسواق، وعلّقت البيع بلا ضمان وخفّضت هامش تقلّب الأسعار. وقد ساهمت هذه التدابير والعودة التدريجية للثقة عند المستثمرين في تعافي الأسواق نسبياً.
النفط والغاز
انعكس الركود الاقتصادي سلباً على الاستثمارات الجديدة بما فيها تلك في قطاع النفط والغاز. فباستثناء الاستثمارات المبرمجة في المشاريع النفطية ما بعد الإنتاج، تمّ إرجاء بعض المشاريع الكبرى أو حتى إلغاؤها. أما مشاريع ما قبل الإنتاج فيجري إعادة جدولتها للاستفادة من انخفاض تكاليف المدخلات وانحسار الضغوط الناجمة عن التضخم والوفرة في عرض خدمات الطاقة والمواد المطلوبة لتنفيذ هذه المشاريع.
الشركات العائلية
عانت الاستثمارات الخاصة من انعكاسات الأزمة وتداعياتها، حيث من المتوقّع أن تنخفض نسبتها إجمالي الناتج المحلي في العام 2009. فضلاً عن ذلك، تأثّرت التكتلات العائلية سلباً بفعل استثماراتها في الأسواق الأجنبية واتساع نطاق عملياتها. ويشير أزعور في هذا السياق إلى أنّ العديد من الشركات العائلية الكبرى قد يواجه صعوبات مالية بفعل تراجع جودة الأصول المالية وزيادة المخاطر الائتمانية وغياب التركيز على الاختصاصات الرئيسية لهذه الشركات، فضلاً عن التوسّع في قطاعات تأثّرت بشدة جراء الأزمة، بالإضافة إلى مستويات المديونية المرتفعة.
القطاعات غير النفطية
شهدت الشركات العاملة في القطاعات غير النفطية - كالعقارات والسياحة - ارتفاعاً في الحجم والقدرة قبل الأزمة، حيث كانت تعتمد في تمويلها على الاستدانة المفرطة. وقد تأثّر القطاع العقاري في دول مجلس التعاون بشدّة نتيجة انخفاض الطلب وتراجع الأسعار. أما بالنسبة إلى قطاع السياحة، فتشير آخر توقعات منظمة السياحة الدولية إلى انخفاض عدد السياح الدوليين القادمين إلى منطقة الشرق الأوسط بنسبة 1, 18% في العام 2009. كما سجلّت حركة الفنادق في منطقة مجلس التعاون تراجعاً في الإيرادات وانخفاضاً في معدلات الإشغال.
أفق التوقعات
يتوقّع أن تشهد دول مجلس التعاون تعافياً اقتصادياً ميسّراً مع التحسّن التدريجي للاقتصاد العالمي واستقرار أسعار النفط بين 60 دولارا و95 دولارا للبرميل الواحد في العام 2010. ويقول مارون إنّ تحسّن مستوى الطلب على النفط سيسمح لدول مجلس التعاون بتعزيز ميزانها المالي والخارجي وإعادة بناء احتياطاتها الخارجية.
ومازالت التوقعات الاقتصادية الإيجابية للمنطقة تواجه مجموعة من التحديات، ما يتطلّب من المسؤولين في دول الخليج إرساء توازن صحيح بين النمو والاستقرار الاقتصادي الكلي.
وفي الأمد المنظور، سوف تعتمد المنطقة على بعض المعطيات لضمان استدامة نموّها: تطوّر أسواق النفط وأسعاره وتعافي الطلب العالمي والنتائج الإيجابية لبرامج الدعم وخطط تفعيل الاقتصاد. فضلاً عن ذلك، سوف يبقى تعافي اقتصاديات دول مجلس التعاون الخاصة مرهوناً بعودة الأسواق المالية في المنطقة إلى طبيعتها.
ويبقى الأهم من ذلك كلّه الحاجة إلى إصلاحات هيكلية في السياسات العامة لاستعادة معدلات النمو التي سجلّت في السنوات الماضية ولحماية اقتصاديات الخليج من أيّة اضطرابات مالية مستقبلية. وسوف يتعيّن على صانعي القرار توسيع وتسريع جهودهم الرامية إلى تحقيق مستوى أكبر من التنوّع الاقتصادي.
ويقول أزعور: بالإضافة إلى ذلك، سوف تحتاج دول الخليج إلى إعادة تفعيل الأجندة الإصلاحية واعتماد ممارسات حديثة للإدارة المالية والسعي إلى تنفيذ المشاريع الاستثمارية الملحة في مجال الإصلاحات الاجتماعية شأن نظام التقاعد وسياسات التوظيف وبرامج الدعم والحماية الاجتماعية.
دبي ـ «البيان»
