لكي يفهم المرء تعقيدات الهجرة يتعين عليه أن يصغي لمليار قصة، واحدة من كل واحد من هؤلاء الذين يتحركون عبر المعمورة.
فما يبدو كتحرك جماعي هو في الغالب مشروع فردي لرجال ونساء تحركهم نزعات فردية من شوق مشترك لصياغة حيوات افضل وينتقلون سيرا على الأقدام أو بالحافلات أو السكك الحديدية أو بالقوارب. وغالبا ما تحاط رحلاتهم بالأخطار وتمتلئ بالعوائق التي تجعل من الرحلة تأخذ أسابيعا أوشهورا وربما سنوات.
والهجرة تلم بكافة الأقطار تقريبا والكثير منها هي في الوقت نفسه بلدان تصدر المهاجرين وتستقبلهم ونقطة لعبورهم.
وقد صارت الهجرة بأكثر من أي وقت اختيار حياة عادة ما تدفعها فوارق الديموغرافيا والدخل وفرص العمل. بيد أن ثمة أشياء أخرى تسبب الهجرة: الصراعات والاضطهاد السياسي والديني وتغير المناخ والاوبئة مثل الايدز والكوارث الطبيعية مثل الزلازل وموجات المد البحري تسونامي. وبحسب تقديرات برنامج الامم المتحدة للتنمية البشرية الصادر عام 2009 فإن هناك نحو مليارا من البشر أو واحدا من كل 7 في العالم هم من المهاجرين.
وقد تحدى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي العديد من المفاهيم الخاطئة عن الهجرة ودفع بأن الهجرة يمكن أن تساهم بشكل مباشر في التنمية البشرية وتشجع الأمم على الانفتاح وتخفف من القيود على الحركة.
الهجرة يمكن أن تزيد من دخل المواطنين وترفع من مستواهم الصحي والتعليمي. وقال التقرير الاكثر أهمية ان تكون قادرا على تقرير اين تعيش هو عامل أساسي للحرية البشرية.المفاجأة الأولى هي ان غالبية المهاجرين يتحركون داخل حدود بلدانهم.
ويقدر عدد المهاجرين بالداخل بنحو 740 مليونا مقابل 214 مهاجرا دوليا. النموذج الاصلي للمهاجر هو شخص فقير يسعى للحصول على فرصة في بلد غني. لكن تقرير الامم المتحدة أشار إلى انه في حين أن نحو 70 مليونا من المهاجرين الدوليين انتقلوا من بلد نام الى بلد متقدم فإن اكثر من ضعف هذا العدد انتقل من بلد نام الى آخر أو بين بلدان غنية نسبيا.
وبينما تواصل الولايات المتحدة ومؤخرا أوروبا اجتذاب أعداد كبيرة من المهاجرين فإن بلدانا جديدة صارت وجهة لها من بينها كوستاريكا والمغرب وتايلاند. في بلدان الوجهة فإن الهجرة ينظر إليها على أنها مشكلة خلقها المهاجرون.
وشملت إجراءات مكافحة الهجرة غير القانونية في الولايات المتحدة الموانع المادية وإجراءات المراقبة التي تعتمد التكنولوجيا المتطورة على طول الحدود مع المكسيك. ودعا وزراء داخلية الاتحاد الاوروبي في يوليو الماضي لتعزيز وكالة مراقبة حدود الاتحاد الاوروبي. وحتى الهند شيدت سياجا على طول حدودها بأكملها مع بنغلاديش لإبعاد العمال المهاجرين.
وعلى النقيض من المفهوم الشائع فإن تقرير الامم المتحدة خلص إلى أن المهاجرين يدعمون الناتج الاقتصادي وينتجون بأكثر مما يكلفون. وفي بلدان تواجه تراجعا حادا في السكان خلال العقود المقبلة وبخاصة اليابان والقسم الاعظم من أوروبا فإن خبراء السكان يشيرون الى الهجرة كمورد محتمل لنمو السكان. كما ان القادمين الجدد يميلون أيضا لتكوين الاسر الكبيرة ليدعموا معدلات الولادة آلآخذة في التناقص على الأقل في الجيل الأول.
والمهاجرون بدون تصريح إقامة رسمي أو تصريح بالعمل يكونون عادة في خطر في بلدان العبور وحتى بعد الوصول إلى بلدان المقصد فوضعهم غير القانوني يجعلهم عرضة لعصابات المجرمين وأصحاب الأعمال معدومي الضمير الذين ربما يعرضونهم للمخاطر في موقع العمل أو لا يمنحونهم الاجور المتفق عليها. وتدرك الدول النامية الفوائد الجمة لتحويلات العاملين في الخارج.
وتظهر الابحاث ان التدفقات الكلية للدول النامية تعادل اربع مرات الرقم الكلي الرسمي لمساعدات التنمية التي تتلقاها. لكن نزيف العقول للأشخاص المتعلمين الذين يذهبون للخارج يؤثر سلبا في الداخل. في خضم الركود العالمي وارتفاع معدلات البطالة في غالبية الدول الغنية فإن معدلات الهجرة أظهرت علامات على التباطؤ.
وفي بعض المناطق يطرد المهاجرون. وتقول جيني كلوغمان كبير واضعي تقرير الامم المتحدة ان الكساد يتعين ان يتم استغلاله كفرصة لوضع اتفاق جديد للمهاجرين، اتفاق يفيد كلا من العاملين في الداخل والخارج بينما يحمي من إجراءات ردة حمائية. وتضيف ومع الانتعاش فإن كثيرا من الاتجاهات المؤكدة التي اكتسبت زخما على مدى نصف قرن الماضي ستعود الي السطح وتجتذب مزيدا من البشر وتحملهم على التحرك.
لكن ليس كل الهجرة حول العمل والفرص الاقتصادية. ففي يونيو ذكرت وكالة الامم المتحدة للاجئين ان ما يقدر بـ 42 مليون مواطن أجبروا على الفرار من ديارهم خلال عام 2008 وحذرت من ان الوضع يزداد سوءا منذ بداية 2009. فقد صار نحو 26 مليونا بلا مأوى داخل بلادهم نفسها بينما صار 16 مليونا آخرين لاجئين وباحثين عن اللجوء وهم الذين عبروا الحدود الدولية.
وقد صار تناول اللاجئين قضية سياسية في بعض الدول الغنية ومنها مناطق في أوروبا الغربية. وصارت باكستان على رأس دول الأزمة بلاجئيها الذين بلغ عددهم 1.8 مليون لاجئ، لكن الوضع ازداد دراماتيكية منذ شنت الحكومة هجوما شاملا في ابريل ضد طالبان. ووصف انطونيو جوتيريز مفوض الامم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين باكستان بأنها ربما كانت تشكل أكثر أزمات اللاجئين تحديا منذ أزمة رواندا عام 1994.ومن بين الدول التي تستضيف أعدادا ضخمة من اللاجئين سوريا (1.1) مليون، وايران 980 الفا .
وتتصدر المانيا اوروبا حيث يوجد بها 582.700 الفا. الصراعات والكوارث ربما كانت جزءا من الحالة الإنسانية، لكن ثمة مخاطر أخرى تلوح في الافق. فقد ذكر باحثون المان خلال مؤتمر الامم المتحدة للمناخ الذي عقد في وقت سابق من العام في بون بألمانيا انه بحلول عام 2050 فإن نحو 200 مليون شخص ربما صاروا في عداد المشردين وسيبحثون عن منازل جديدة بسبب الفيضانات والجفاف وثمة كوارث جديدة ستعزى إلي ارتفاع درجة حرارة الكون. وبحسب أحد التقديرات التي قيلت في المؤتمر فإن نحو 20 مليون شخص، غالبيتهم يتنقلون داخل بلادهم، اجبروا على ان يكونوا لاجئي المناخ عام 2008 بعد أن اسهم تغير المناخ في حدوث كوارث طبيعية.
( د ب أ)