صعدت الإمارات إلى المرتبة الـ 33 على مؤشر تقرير سهولة ممارسة الأعمال 2010 الصادر عن البنك الدولي، والذي شمل 183 دولة، وقفزت الدولة 14 درجة مقارنة بالعام الماضي، كما جاءت في المرتبة الأولى إقليميا من حيث تفوقها في تسهيل التجارة البينية عبر الحدود.
واحتلت الدولة ممثلة بدبي التي اعتمدت من قبل التقرير المدينة المعيارية التجارية الأنشط في الإمارات المرتبة الأولى من جهة التجارة البينية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. كما احتلت المرتبة الرابعة عالميا من حيث سهولة دفع الضرائب، والسابعة من حيث سهولة تسجيل العقار.
وأكد عبدالله ناصر لوتاه أمين عام مجلس الإمارات للتنافسية أن حلول الإمارات في المرتبة 33 يعتبره البعض إجحافا، لاسيما بعد أن جاءت الدولة في المرتبة الثالثة عربيا من حيث سهولة ممارسة الأعمال هذا العام.
لكنه شدد على أن الهدف من التعاون مع البنك الدولي في هذا التقرير لا يهدف إلى الحصول على ترتيب أعلى للدولة بقدر ما يهدف إلى توفير البيئة الاستثمارية المثالية لأنشطة الأعمال والتطوير المستدام والمراجعة المستمرة لخطط العمل والاستراتيجيات الحكومية.
جاء ذلك على هامش ندوة بعنوان «ممارسة أنشطة الأعمال 2010» نظمتها الأمانة العامة لمجلس الإمارات للتنافسية أمس بالتعاون مع البنك الدولي ومؤسسة التمويل الدولية بهدف عرض سلسلة التشريعات الجديدة والإصلاحات التي قامت بها الإمارات والأسباب الكامنة وراء تقدمها الملحوظ في التقرير الصادر عن البنك الدولي والذي مكنها من تحقيق هذه النتائج، والتي رفعت من تصنيفها السابق في المركز 47 إلى المركز 33 من أصل 183 دولة تم تقييمها حول العالم.
وألقى عبدالله ناصر لوتاه الأمين العام لمجلس الإمارات للتنافسية خلال الندوة كلمة أكد فيها ضرورة توحيد وتنسيق الجهود بين الجهات الحكومية المحلية والاتحادية بهدف تعزيز بيئة الأعمال في دولة الإمارات.
حيث أشار إلى أن هذه النتائج الاقتصادية التي حققتها الدولة على المستوى العالمي وكان آخرها تقرير ممارسة أنشطة الأعمال 2010 الصادر عن البنك الدولي ليست نتيجة جهود بضعة أشهر فحسب، وإنما هي ثمار عملية تطوير وإصلاح مستمرة تشهدها جميع الجهات الحكومية الاتحادية والدوائر المحلية من خلال العمل على تجميع المعلومات الدقيقة وتحليلها ومن ثم تقديمها إلى البنك الدولي ومؤسسة التمويل الدولية لتقييمها.
معتبراً أن «دولة الإمارات تسعى بشكل دائم للريادة عبر المزيد من العمل والإنجاز، وأن الحكومة ممثلة بمجلس الإمارات للتنافسية تسعى لأن يكون مواطنو الدولة المستفيد الأول من الإصلاحات والتغييرات الإيجابية، وكذلك الأمر بالنسبة للكفاءات والمستثمرين في دولة الإمارات، وذلك عبر الوصول إلى الفهم التام لمتطلبات القطاع الخاص والمستثمرين الأجانب»، لافتاً إلى أن «أهداف مجلس الإمارات للتنافسية تتجاوز مسألة التصنيف وتعتبره مؤشراً اقتصادياً وليس غاية بحد ذاته».
وأوضح لوتاه أن النتائج المحققة كانت نتاج عمل مشترك ساهم فيه فريق عمل متكامل من الدوائر المحلية والاتحادية ما أسهم في إحراز تقدم ملحوظ لدولة الإمارات في مرحلة التجارة عبر الحدود (التجارة الخارجية) والتي تشمل تفاصيل التكاليف والإجراءات اللازمة لاستيراد وتصدير البضائع.
حيث يأخذ المؤشر بعين الاعتبار كافة الإجراءات الرسمية بدءاً من الاتفاق التعاقدي النهائي بين الطرفين وانتهاء بتسليم البضائع. كما كان لفريق العمل دور إيجابي فيما يخص مرحلة استخراج تراخيص البناء في دولة الإمارات بالإضافة إلى توفير البيانات الدقيقة المتعلقة بتسجيل الممتلكات العقارية فضلا عن خفض عدد الأيام والتكاليف والوثائق اللازمة للاستيراد والتصدير للتجارة عبر الحدود وتوفير بعض البيانات المتعلقة بتنفيذ العقود القانونية. وأخيراً قامت الكثير من الجهات الحكومية الاتحادية بتحويل العديد من خدماتها إلى خدمات إلكترونية (أتمتة الخدمات) ما ساهم في تسهيل إجراءات الأعمال.
أوقات الأزمات.. فرصة للإصلاح
يمكن أن تكون عملية إصلاح الإجراءات الحكومية صعبة وقد تستغرق وقتاً طويلاً، وخاصة إذا انطوت على إدخال تغييرات على الأطر القانونية. كما أن بعض الإصلاحات تقتضي إجراء مفاضلات سياسية صعبة.
ولا غرابة في أن معظم الإصلاحات التي سجلها تقرير ممارسة أنشطة الأعمال في 2008/2009 كانت موجهة نحو الحد من الأعباء الإدارية. إذ قام ما لا يقل عن 30 بلداً بتحسين إجراءات الحصول على تراخيص البناء، وتسجيل الملكية، أو التجارة عبر الحدود، في حين قام 61 بلداً بتسهيل النشاط التجاري وتأسيس الشركات.
ومقابل ذلك لم يقم سوى 8 بلدان بإصلاح قوانينها الخاصة بالضمانات أو المعاملات المكفولة بضمانات. وكذلك، لم يقم سوى 11 بلداً بإدخال تعديلات على الإجراءات الحكومية المنظمة للعمل والعمال؛ أدت إلى زيادة مرونتها في سبعة بلدان، بينما أدت إلى جعلها أكثر صرامة في أربعة بلدان. وغالباً ما يتطلب الأمر ضغوطاً خارجية للدفع بإجراء تغييرات تشريعية ملموسة.
ويمكن أن تمثل الأزمة الحالية فرصة سانحة في هذا السياق. تاريخياً، شكل الركود الاقتصادي أو الأزمات المالية حافزاً ودافعاً للقيام بالكثير من الإصلاحات. فأزمة شرق آسيا حفزت بلداناً كثيرة لإعادة هيكلة أنظمتها الخاصة بإشهار الإفلاس. وقامت بعض البلدان، مثل سنغافورة وتايلاند، بإصلاح قوانينها لتدعيم سبل حماية المستثمرين.
كما جرى إدخال إصلاحات في الفترة التي تلت انتهاء الأزمات على أنظمة إشهار الإفلاس في تركيا في 2003/2004، وفي كولومبيا في 1999، وفي الولايات المتحدة أدى الركود الكبير الذي عصف بالاقتصاد الأميركي في ثلاثينيات القرن العشرين إلى إصلاحات شاملة في أنظمة إشهار الإفلاس للمرة الأولى خلال 50 عاماً.
وفي العام الماضي، قام 18 بلداً بإصلاح أنظمتها الخاصة بإشهار الإفلاس، وفقاً لتقرير ممارسة أنشطة الأعمال. وربما يزداد هذا العدد في المستقبل نظراً لاضطرار البلدان للتعامل مع الأزمات التي تعصف بالأنظمة المالية والاقتصادية. وفي أوقات الكساد الاقتصادي، يتسم الحفاظ على الشركات التي تمتلك مقومات البقاء والاستمرار كمؤسسة عاملة وعلى الوظائف بأهمية خاصة. وكلما تسارع تحرير أصول الشركات المتعثرة وغير القادرة على البقاء، كلما سهلت إعادة تعبئة هذه الأصول والموجودات.
وكانت فرنسا وألمانيا من بين أوائل البلدان التي قامت بإصلاح أنظمتها الخاصة بإشهار الإفلاس استجابة للأزمة الراهنة. وفي منطقة أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى، بدأ العديد من البلدان مؤخراً في القيام بذلك.
وأصبح قانون الإعسار الجديد ساري المفعول في لاتفيا في يناير 2008. وفي ليتوانيا في يوليو، وفي ديسمبر 2008 أصدرت استونيا قانوناً جديداً لإعادة التنظيم ينص على إجراءات قانونية تمكن الشركات المتعثرة التي تقف على حافة الإفلاس من إعادة تنظيم نفسها، وإعادة هيكلة مديونيتها، واتخاذ تدابير أخرى لاستعادة سلامتها المالية وربحيتها. وتأتي هذه الإصلاحات في الوقت المناسب، فمتوسط معدل استرداد الدين بعد إشهار الإفلاس في المنطقة يبلغ ما نسبته 32 المئة، وهو يقل كثيراً عن المعدل السائد في البلدان المرتفعة الدخل في منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي والبالغ 69 في المئة.
ولكن رغم أن البلدان القائمة بالإصلاح تتبع اتجاهاً واضحاً في أجندة سياساتها، فإنها لا تتردد في الاستجابة لمستجدات الواقع الاقتصادي. فموريشيوس، التي تصدرت بلدان افريقيا جنوب الصحراء في الإصلاحات، أعلنت مؤخراً إصدار قانون إعسار جديد «بغرض الحفاظ على سلامة نظامها التجاري وقدرته على الاستمرار».
الاصلاح والنتئج
تعتمد البلدان الناجحة في تنفيذ الإصلاحات الواردة في تقرير ممارسة أنشطة الأعمال إصلاحات شاملة. فعلى مدى السنوات الخمس الأخيرة، قامت كولومبيا ومصر وجورجيا وجمهورية مقدونيا اليوغسلافية السابقة وموريشيوس ورواندا بتنفيذ ما لا يقل عن 19 إصلاحاً لكل منها، غطت 8 أو أكثر من المجالات العشرة التي يتناولها تقرير ممارسة أنشطة الأعمال. وهذا النهج الواسع يزيد من فرص نجاح الإصلاحات وتأثيرها. وتشير أبحاث أجريت مؤخراً إلى أن الإصلاحات في مجالات مختلفة عادة ما يكمل بعضها البعض.
ووجدت دراسة أنه بعد إجراء إصلاحات لخفض العوائق أمام دخول الشركات إلى الأسواق في الهند، فإن الولايات الهندية التي كانت لديها إجراءات حكومية أكثر مرونة في مجال توظيف العمالة قد شهدت انخفاضاً يزيد بنسبة 25 في المئة في عدد الشركات العاملة بالقطاع غير الرسمي، وتبين دراسات أخرى أنه عندما تفتح البلدان أسواق منتجاتها أمام المنافسة الدولية، فإنه كلما انخفضت تكلفة دخول الشركات كلما ارتفعت المنافع العائدة. ويتيح انخفاض العوائق الماثلة أمام الدخول للشركات إمكانية التحرك بسهولة أكبر نحو الصناعات التي تحقق أكبر النفع من انفتاح التجارة.
تراعي البلدان المنتظمة في تنفيذ الإصلاحات أهمية إدراج كافة الجهات المعنية. إذ إنها تشمل كافة الهيئات الحكومية ذات الصلة وممثلين عن مؤسسات القطاع الخاص المعنية، وتقوم بالإصلاحات في سياق مؤسسي على أعلى المستويات. فكولومبيا ورواندا شكلتا لجنتين معنيتين بإصلاح الإجراءات الحكومية ترفع تقاريرها مباشرة إلى رئيس الدولة أو رئيس الوزراء.
وشكل أكثر من 20 بلداً آخر، منها سوريا وبوركينا فاسو والهند وليبريا وجمهورية مقدونيا اليوغسلافية السابقة وفيتنام، لجاناً معنية بالإصلاح على المستوى الوزاري. وتشمل الإصلاحات في مصر ؟؟ جهة حكومية، كما تحظى بدعم من البرلمان. وتحافظ البلدان الناجحة في تنفيذ الإصلاحات على تركيزها بفضل ما تتمتع به من رؤية طويلة الأجل تساندها أهداف محددة. فماليزيا، على سبيل المثال، تستهدف.
أن تكون بلداً متقدماً تماماً بحلول عام 2020. ويتطلع ألفارو أوريبه، رئيس جمهورية كولومبيا، إلى إيجاد كولومبيا جديدة يكون سكانها، من الطبقة المتوسطة بدلاً الوضع الحالي الذي يعاني فيه 60 في المئة من السكان من وطأة الفقر. وتستهدف رواندا أن تصبح مركزاً للتكنولوجيا والتجارة في المنطقة. أما جمهورية قيرغيزستان فترغب في أن تصبح مركزاً إقليمياً للتفوق في مجال الإجراءات الحكومية في آسيا الوسطى، وتريد أذربيجان أن تصبح بوابة للمنطقة.
ويمكن لتحديد أهداف طويلة الأمد والمضي دون توقف على درب الإصلاح أن تساعد البلدان على استعادة عافيتها من الصدمات، بما في ذلك الأزمة المالية والاقتصادية العالمية الراهنة. وكما قال وزير الاستثمار المصري، الدكتور محمود محيي الدين «هذه الأزمة ليست مجرد أزمة اقتصادية. إنها أزمة في الفكر الاقتصادي. أزمة أربكت الكثير من البلدان القائمة بالإصلاح.... (لكن) أياً كانت الأزمة التي تواجهها، عليك أن تجعل الحياة أسهل بالنسبة لهؤلاء الذين يسعون ويعملون بجد لتهيئة فرص العمل، فهذا أقل ما يمكننا القيام به».
دبي ـ محمد بيضا
