ربما يعزى التعاون بين الحكومات إلى السعي للتغلب على ثاني أكبر ركود يمر به الاقتصاد العالمي لكن مستقبل المحادثات الاقتصادية العالمية لا يزال أمرا لم يحسم بعد.

وبكل المقاييس فإن الأزمة الاقتصادية التي ظهرت العام الماضي سارعت في تحول ميزان اللقوي من الدول الغنية، التي غرقت فى ركود عميق، إلى القوى الصاعدة التي قادت انتعاش الاقتصاد العالمي.

ومنذ أقل من أسبوعين أعلن قادة مجموعة الـ 20 وهي كتلة تضم كبريات الدول المتقدمة والنامية أن مجموعتهم تمثل المحفل الرئيسي لاجراء محادثات اقتصادية في المستقبل.

وجاء القرار بمثابة إشارة إلى النفوذ المتزايد للصين والهند والبرازيل ، والتي نمت سريعا نسبيا بالرغم من الركود العالمي . ويتوقع صندوق النقد الدولي نمو الاقتصاد الصيني بنسبة 5,8 في المائة هذا العام.

لكن في حين بدا أن بروز مجموعة العشرين يمثل انتصارا كبيرا لدول العالم النامي فإنه ترك الكثير من علامات الاستفهام التي أججت التوترات بين الدول النامية والدول الصناعية.

لكن لا تزال الدول الغنية ترغب في التماسك سويا فقد اجتمع وزراء مالية مجموعة السبع الصناعية الكبرى في اسطنبول وتعهدوا بمواصلة الاجتماع في المستقبل.

مجموعة الأربعة

وذكرت تقارير أن الولايات المتحدة اقترحت تشكيل مجموعة الأربعة ، وهي كتلة مكونة من الولايات المتحدة والصين واليابان ومنطقة اليورو التي تتألف من 16 عضوا من أجل تعزيز التعاون لمعالجة اختلالات العملة.

وطالبت البلدان النامية، التي اجتمعت ضمن مجموعة الـ 24 مؤخراً، بشغل مقعد دائم لها علي طاولة مجموعة ال20. بيد أن هناك ايضا خبراء اقتصاد مثل نيال فيرجسون من جامعة هارفارد الذي اقترح تشكيل «مجموعة ال2» التي تتألف من الولايات المتحدة والصين.

لكن وزير الخزانة الأميركي تيموثي جايثنر رفض تلك المناقشات ، وقال للصحافيين ان الرسالة المهمة التي تحاول القوى الكبرى توصيلها هي أنها سوف تتعاون بشكل أوثق في المستقبل. لكنه اعترف أنه لا يزال هناك بعض الغموض.

وقال جايثنر عقب اجتماع مجموعة السبع في مطلع هذا الأسبوع مازحا لم يكن هناك ابتكار لمجموعات (جديدة) اليوم.

وبمنأى عن مسألة المجموعات التي لم تحسم فإن المشكلة الرئيسية هي كيف يمكن إصلاح أكبر مؤسستين ماليتين في العالم وهما صندوق النقد والبنك الدوليين اللذان عقدا اجتماعهما السنوي في اسطنبول هذا الأسبوع.

مسؤوليات رئيسية

وقد منح صندوق النقد الدولي مسؤوليات رئيسية جديدة للحفاظ على الاقتصاد العالمي.وفي أبريل الماضي زادت مجموعة العشرين بمعدل ثلاثة أضعاف موارد الإقراض لصندوق النقد الدولي إلى 750 مليار دولار ومنحته الشهر الماضي دورا رقابيا جديدا لمساعدة القوى الكبرى للابقاء على التوازن بين اقتصادياتها.

ولا تزال البلدان النامية تعاني من تراجع تمثيلها بشكل كبير في كل من صندوق النقد والبنك الدوليين ، ولكنها زادت من نبرة مطالبها من أجل تحول أساسي في حقوق التصويت داخل المؤسستين الدوليتين.

وأكد وزير المالية البرازيلي جيدو مانتيجا أمس الأول أن المؤسستين الدوليتين غير مستعدتين لمواجهة تحديات الأزمة الاقتصادية الراهنة وأن التغيرات الهيكلية جاءت متأخرة كثيرا.

وأقرت اللجنة التوجيهية التابعة لصندوق النقد الدولي مقترحا تقدمت به مجموعة العشرين يقضي بضرورة العمل على منح مزيد من حقوق التصويت على الأقل بنسبة 5% لصالح القوى النامية بحلول يناير 2011. وتؤكد كل من البرازيل والهند والصين ودول ناشئة أخرى على رغبتها في تحويل نسبة 7% من الأصوات إليها مما يمنحها سلطة قرار متساوية مع الدول الصناعية الكبرى.

اتفاق غير رسمي

وهناك اتفاق غير رسمي بين الولايات المتحدة وأوروبا يتولى بموجبه أميركي رئاسة البنك الدولي بينما يتولى شخص من أوروبا رئاسة صندوق النقد الدولي. وترغب القوى الناشئة بشدة في وضع حد لهذه الممارسة.

وقال بيرنيس روميرو من وكالة أوكسفام للتنمية إن نسبة التحول ب5% أمر مخز. هذه عملية تجميل صغيرة في الوقت الذي يتطلب فيه الأمر إجراء جراحة في القلب في إشارة إلى الحاجة لتغيير كبير في عملية التصويت داخل المؤسستين الماليتين العالميتين بالنسبة للدول النامية. وأضاف بأن الدول الغنية لا تزال تتخذ القرارات بالنسبة لبقية دول العالم .

ومن المقرر أن يتم الاتفاق على تفاصيل أي إصلاحات لصندوق النقد الدولي العام المقبل لكن أوروبا بالأخص ترفض التخلي عن تأثيرها المفرط على الصندوق. وتملك بلجيكا حاليا أصواتا في صندوق النقد الدولي أكثر من البرازيل.

وألقى خلاف حاد بشأن حجم النفوذ الذي ينبغي أن تتنازل عنه الدول الغنية لصالح الدول النامية بظلاله على محادثات يجريها وزراء المالية لتوسيع دور صندوق النقد الدولي.

ويقول الصندوق الذي قدم قروضا تزيد قيمتها على 50 مليار دولار الى بلدان في شتى أنحاء العالم هذا العام انه يحتاج الى مزيد من الموارد للإشراف على انتعاش الاقتصاد العالمي ومنع حدوث أزمات مستقبلية.

لكن ذلك يتوقف على منح اقتصادات الأسواق الصاعدة حصة أكبر في المؤسسة. وتطالب دول نامية رئيسية بزيادة حقوق التصويت الممنوحة لها بشكل يتضمن قيام الدول المتقدمة بالتنازل عن سبع نقاط مئوية من حصتها لصالح الدول الناشئة.

مشكلة التمثيل

وقال جيدو مانتيجا وزير المالية البرازيلي أمس الأول نأمل أن تدرك الدول المتقدمة التي تحظى بتمثيل زائد أنها قد تلحق ضررا شديدا بالصندوق اذا حاولت منع أو تأخير اصلاحات نظام الحصص والتصويت.

وقال ان الصندوق يحتاج الى تغيير هيكل مجلسه لكي يمحو صورته كمؤسسة أميركية أوروبية في الأغلب ويصبح بحق مؤسسة متعددة الاطراف.

واتفقت مجموعة العشرين خلال قمة في بيتسبرج الشهر الماضي على تحويل خمس نقاط مئوية على الاقل من حصص التصويت لصالح الدول التي لا تحظى بتمثيل يتناسب مع حجمها مثل الصين.

لكن مطلب السبع نقاط المئوية يلقى مقاومة من الدول المتقدمة وبخاصة الدول الاوروبية التي لا ترغب في التنازل عن جانب كبير من نفوذها.

وحذر أندرس بورج وزير مالية السويد التي ترأس الدورة الحالية للاتحاد الاوروبي من أن أوروبا قد تصبح شحيحة في دعمها المالي للصندوق اذا خسرت نفوذها فيه.

وقال بورج المشاركة بنسبة كافية في عملية صنع القرار بالصندوق هي شرط أساسي لاستمرار دعم دافعي الضرائب للمساهمات المالية الكبيرة.

ومنذ عام واحد فقط كان الصندوق يحارب لاقناع الحكومات بأهميته لكن الأزمة المالية رفعت بشكل كبير الطلب على القروض والخدمات الاستشارية التي يقدمها الصندوق لدول تكافح لمواجهة عجز في الموازنة والحساب الجاري.

ومن شأن السماح للدول النامية الكبرى بدور أكبر في صندوق النقد الدولي أن يدر على المنظمة العالمية مساهمات جديدة بمليارات الدولارات.

احتياجات الصندوق

وقال دومينيك ستراوس كان رئيس الصندوق ان من المتوقع أن يحتاج الصندوق لمساهمات جديدة تصل قيمتها الى تريليون دولار لضمان استقرار الاقتصاد العالمي بما يجعل الدول تتوقف عن الاحتفاظ باحتياطيات هائلة من العملات الاجنبية بهدف تأمين نفسها.

لكن الصين والبرازيل وروسيا والهند تقول ان أي زيادة في مساهماتها يجب ربطها بتغييرات في حصص التصويت.

وقال يي جانج نائب محافظ البنك المركزي الصيني ان الصين ترى ضرورة تعديل المساهمات بشكل تلقائي لتتناسب مع حجم اقتصادات الدول.

وبالاضافة الى دور صندوق النقد الدولي كمقرض ملاذ أخير تريد مجموعة العشرين التي تدير التعافي العالمي أن يتأكد من تحقيق نمو متوازن عن طريق رفع تقارير للمجموعة عن سياسات الدول والتوصية بتعديلات.

وتريد الصين التي تملك أكبر احتياطي من النقد الاجنبي في العالم والتي تضررت أسواقها المالية بفعل تقلب التدفقات الرأسمالية أن تمتد أنشطة الاصلاح بالصندوق لما هو أبعد من ذلك.

وقال يي ان على صندوق النقد الدولي أن يشدد رقابته على تدفقات رؤوس الاموال العالمية وأن يشجع الاستقرارالنسبي لعملات الاحتياط الرئيسية.

(رويترز)