أظهرت نتائج استطلاع أجراه «البيان الاقتصادي» حول مختلف القضايا المتصلة بالسوق العقاري وتناول في حلقته الثالثة (التشريعات والقوانين ذات الصلة بالسوق العقاري) بأن فكرة توحيد آليات التنظيم العقاري على مستوى الدولة تنال تأييداً واسعاً في السوق العقاري لاسيما وأن العديد من المطورين العقاريين يطورون مشاريع في مدن مختلفة في الدولة والحال ذاته ينطبق على عشرات من المستثمرين الذين يمتلكون عقارات في بعض تلك المدن. وبينما يتفق الجميع على أن الجهات المختصة لم تدخر جهداً في تنظيم القطاع في أغلب مدن الدولة إلا أن توحيدها من وجهة نظر الغالبية المؤيدة سيحقق هدفين الأول حماية مكتسبات الطفرة العقارية.

والثاني زيادة مكاسب وفرص نمو السوق العقاري الذي خرج معافى من آثار الأزمة العالمية. فعندما استطلع (البيان الاقتصادي) آراء عينة عشوائية مكونة من 500 شخص من المواطنين والمقيمين من ذوي المدخولات الشهرية المتباينة من مختلف مدن الدولة، حول مدى تأييدهم لتوحيد التنظيم العقاري على مستوى الدولة أجاب 95% بنعم في حين أجاب بكلمة لا 5% من العينة.

ورداً على سؤال حول ما إذا كانت القوانين العقارية الحالية تحمي حقوق أطراف التعاقد فقد أجاب 90% نعم و2% لا فيما قال 8% بأنهم لا يعلمون.أما فيما يتعلق بموضوعية التشريعات وعدالتها وتوازنها في حماية حقوق أطراف التعاقد فقد قال 90% بأنها متوازنة لكن 2% قالوا لا فيما ذكر 8% بعدم معرفتهم بذلك. إن أحد أهم الأسباب التي تجعل المستثمر يبقي على عقاره ولا يبيعه وجود بيئة تشريعية تحمي ذلك العقار. وتعد الإمارات واحدة من قلائل الدول التي طورت منظومة تشريعية مرنة لحماية السوق العقاري والمستثمرين.

وهذا ما يفسر إلى حد كبير عدم قيام الغالبية العظمى من المستثمرين في السوق العقاري بالإحتفاظ بإستثماراتهم العقارية وعدم التخلص منها مثلما حدث في أسواق عالمية متقدمة عقب إنتشار الذعر المبالغ فيه بسبب حدوث الأزمة العالمية.

ربما لن نجد أكثر من دولة الإمارات حرصاً في المنطقة وفي بعض الأجزاء من العالم في صياغة منظومة تشريعية متطورة لحماية الاستثمار العقاري فقد أصبح لديها مؤسسات للتنظيم العقاري تتولى قيادة السوق بالتعاون مع الجهات المعنية وهناك تشريعات صارمة كحساب ثقة تحمي المستثمرين وتحدد سقف زيادة الإيجارات وسجل عقاري للمطورين وللمشاريع وتسجيل مبدئي للعقارات وقوانين ولوائح أخرى للرهن والملكية المشتركة للشقق ونظام حازم للوسطاء وغيرها من التشريعات واللوائح التنفيذية التي تجعل من الاستثمار العقاري في الدولة جاذباً للإستثمار ومحمياً من تلاعب قد يقوم به بعض الطارئين الذين دخلوا من الأبواب الخلفية للطفرة العقارية.

ردع مطلوب

لقد كان السؤال الثاني الذي وجهناه للعينة العشوائية هو : هل نجحت التشريعات في قطع الطريق على الشركات المخالفة؟ وكانت الإجابات كالتالي:

85% نعم

5% لا

10% لا يعلمون

بالطبع فإن الكثيرين ممن إشتروا عقارات في بداية الطفرة - أوائل عام 2003 حتى 2006 - لم يشاهدوا عقاراتهم لأن الأخيرة لم تكن يوم وقعوا على عقود الشراء أكثر من صور براقة في (بروشورات) أنيقة و(كليبات متخيلة) مثيرة لما ستكون عليه تلك العقارات عندما تكتمل. لكن السنوات اللاحقة أظهرت بأن عملية الشراء على الخارطة سمحت بعدة أخطاء قبل أن يتدخل المشرع ليصدر قانوناً عالج عمليات البيع على الخارطة بحكمة متناهية. تلك الأخطاء كانت تسير في مسارين الأول عدم تحلي العديد من المستثمرين بادنى متطلبات الثقافة العقارية إذ كانوا يعتقدون بأن إستشارة المحامي قبل التوقيع على عقود الشراء مضيعة للوقت لكنهم عندما إكتشفوا مراوغة المطور الذي استثمروا لديه أصبحوا قلقين من ضياع أموالهم.

تقول أوتيفيا موليناري رئيسة مكتب موليناري للاستشارات القانونية في دبي بأن حجم طلبات الاستشارات القانونية المقدمة من المستثمرين سواء داخل أو خارج الدولة من الراغبين في الحصول على استشارات قانونية بشأن الدفعات المستحقة عليهم (مشتري العقار) في حالة تأخر إنجاز المشروع العقاري لفترة طويلة قد تمتد إلى سنوات في بعض الأحيان قد إزدادت في بداية العام الجاري فقط. كما تزايد حجم الاستشارات القانونية بشأن تأجيل أو إلغاء مشاريع عقارية من قبل شركات تطوير عقاري كان قد أقدم هؤلاء المستثمرون على شرائها من الخارطة.

وتضيف : عادة ما يتصل بنا المستثمرون للاطمئنان على أن العقار الذي أقدموا على شرائه من خلال المشاريع العقارية التي أعلن عنها سينجز في الموعد المقرر له وللتأكد بأن المطور لن يتجه لتأجيل أو إلغاء المشروع بفعل تداعيات الأزمة المالية العالمية وما تسببت به من نقص في السيولة لدى بعض المطورين. الصورة الآن تغيرت تماماً وعاد حجم الطلب على الإستشارات يتناقص وكأن شيئاً لم يحدث.

وأكدت موليناري أن المطورين الذين تعامل مكتبها معهم أبدوا تعاونا كبيرا وخاصة أن هؤلاء المطورين يحرصون على الحفاظ على سمعتهم في السوق على حد وصفها، وأكدت أن هؤلاء المطورين ممن تراجعوا عن تنفيذ مشاريعهم العقارية بفعل تداعيات الأزمة قاموا بإعادة الأموال التي تلقوها من المستثمرين.

بالإضافة إلى دفعهم فائدة على تلك الأموال كتعويض لهؤلاء المستثمرين، وأثنت موليناري على تعاون العدد الاكبر من المطورين العقاريين في دبي مع المستثمرين من عملاء مكتبها حرصا على سمعة تلك الشركات وسمعة سوق العقار في دبي وما حققه هذا السوق من إنجازات متميزة خلال السنوات القليلة الماضية.

كانت مؤسسة التنظيم العقاري التابعة لدائرة أراضي وأملاك دبي قد كشفت ف وقت سابق لـ «البيان الاقتصادي» تطبيق شروط جديدة تهدف إلى تنظيم عمليات بيع العقارات على الخارطة تطبيقا للقانونين 8 و13 لعام 2008.

وشددت المؤسسة على أن تلك الشروط ستطبق على شركات التطوير العقاري الحالية المسجلة في المؤسسة والتي لم تقم بالبيع على الخارطة، وكذلك على الشركات العقارية الجديدة في السوق. المؤسسة قالت لـ «البيان الاقتصادي» أن الشروط الجديدة ملزمة لجميع المطورين.وهنا تظهر قوة التشريع والحزم في حماية المستثمرين من بعض المطورين المتعثرين لأسباب من صنع أيديهم أو خارجة عن إرادتهم.

ومنعت الشروط الجديدة المطور العقاري الجديد من البيع على الخارطة إلا بعد امتلاكه لأرض المشروع ودفعه ثمنها بالكامل إلى جانب قيامه بإنجاز 20% من عمليات البناء وحصوله على الموافقات الأصولية اللازمة لعملية التطوير ليسمح له لاحقا بالبيع على الخارطة، على أن يقوم بربط مواعيد دفعات المشترين بنسب الإنجاز، وقد أرسلت المؤسسة حينها خطابات إلى كل شركات التطوير الحالية وألزمتها بأن لا تتقاضى من المشترين أكثر من 30% قبل البدء بأعمال البناء وضرورة ربط باقي الدفعات بنسب إنجاز المشروع، أما إذا لم يقم المطور الحالي بالبيع على الخارطة فإن الشروط الجديدة تسري عليه بالكامل.

بالطبع فإن هذا الحزم لا يتعارض مع عمليات البيع على الخارطة في المشاريع الحالية بل يدعمها ويرفع من وتيرتها كون أن الشروط ستقيد عمليات البيع على الخارطة بالنسبة للمطورين الجدد من خلال الارتقاء بأداء المطور الجديد نفسه وتشجيعه على الالتزام بالقوانين بما يرسخ ثقة المستثمرين فيه وبشركته وبمشروعه.

لقد كانت المؤسسة ترمي من وراء تلك العملية التنظيمية تحقيق مكاسب عديدة للسوق ولجميع العاملين فيه وأبرزها تقويض دور الوسطاء غير المحترفين وتوجيه المطورين إلى المستخدم النهائي وترسيخ مفاهيم الشفافية والوضوح والتعاون بين أطراف التعاقد.

ثقافة عقارية

الكلام ذاته تكرر على لسان محمد القواسمي- المستشار القانوني في قسم العقارات في التميمي ومشاركوه للاستشارات القانونية: ان حجم العمل لديهم في تزايد وخاصة المتعلق منه بالاستشارات القانونية المرتبطة بالنزاعات العقارية، وأضاف ان أحد أقسام مكتبهم وهو القسم العقاري القانوني يعمل فيه عشرة محامين يتعاملون مع قضايا النزاعات العقارية الناجمة في الكثيرمنها عن جهل المستثمر أو خطأ المطور.

هنا برز المشرع مجدداً فقد تأسست لجان لفض المنازعات وأخرى قضائية في المحاكم ومراكز للتوفيق بين المتنازعين. وقد أصبحت إجراءات التقاضي وفض النزاعات أسرع بفضل المحكمة. وأكد القواسمي أهمية وجود محكمة العقارات في دبي قائلا ان وجود المحكمة يمنح المستثمر ثقة أكبر بالسوق العقاري فوجود جهة تكفل حقوق ألمستثمر أمر مهم للغاية على حد قوله.

القواسمي رمى الكرة في ملعب المستثمر عندما أشار الى ان هناك نوعاً من الجهل لدى المستثمرين فيما يتعلق بكيفية وصول هؤلاء لحقوقهم القانونية، ودعا إلى ضرورة تعريف المستثمرين الأجانب بكيفية الحصول على حقوقهم القانونية في قضايا النزاعات أي من خلال استشارة محامين ومستشارين قانونيين والجهات المختصة بالدولة من أجل حل تلك النزاعات إن وجدت.

وهناك سوء فهم آخر يتعلق بدور مؤسسة التنظيم العقاري فالبعض يجهل بأن دورها تنظيمي وليس قضائي ولكن يجب الإشارة إلى انها عملت على فض النزاعات ودياً لتتشكل فيما بعد مظلة للتوفيق على شكل مركز نجحت اراضي دبي في تحويل مسار عشرات المنازعات الى التصالح بدل التقاضي. ولعبت الأخيرة دور الوسيط بين المطورين والمستثمرين للتوسط في حل النزاعات.

ربما يجب أن لا ننس بأن البعض من أولئك المشترين كان يستجيب لنواياه الطيبة فلم يكن يسأل حتى عن سمعة شركة التطوير التي ينوي الشراء منها لكن النوايا الطيبة لا تشفع لهم أمام مكر بعض المطورين الذين ربما يكونوا قد ضحكوا في البداية قبل أن يقفوا في طابور الإلتزام بالقانون ليتعهدوا أمام السلطات بالعمل على الإيفاء بالتزاماتهم.

لا حاجة للمزيد

توجهنا بسؤال آخر للعينة حول ما إذا كان السوق العقاري في حاجة إلى المزيد من التشريعات الآن؟ وكانت الإجابات كالتالي:

55% نعم

45% لا

5% لا يعلمون

قد تعكس الأغلبية التي صوتت بنعم عن رغبة بالمزيد من الطمأنينة عبر سن المزيد من التشريعات دون أن يعرفوا ماهية ونوعية التشريعات التي يجب ان تصدر. لكن من الواضح بأن السوق العقاري لا يعاني فراغاً تشريعياً. ويمكن أن نضع هذه الفرضية في إطار سؤال يقول : ما فائدة إغراق السوق بالمزيد من التشريعات اذا كان ما موجود يغطي كل المستجدات على الساحة العقارية.

كنت إستمع بعناية لما يقوله لي سلطان بطي بن مجرن مدير اراضي وأملاك دبي عندما كنت أساله عن ما تخفيه جعبة الدائرة من مسودات لتشريعات جديدة. فقد ذكر لي بأن الدائرة تجوب دول العالم لتطلع على تشريعات اسواقه العقارية والهدف هو الوقوف على كل المستجدات على هذا الصعيد والاستعداد لأي تطورات.

وعندما نجد بأن السوق بحاجة الى تشريع معين ليعالج قضية ملحة فأننا لن نتأخر في رفع المقترحات الى السلطات المختصة والتي بدورها بذلت كل أشكال الدعم لأي توجه تشريعي يخدم السوق والمستثمرين. يختم بن مجرن بأن السنوات القليلة المقبلة قد تشهد المزيد من التشريعات اذا ما إقتضت الضرورة وفي إطار خطة ثلاثية إستراتيجية تتعامل بمرونة عالية مع أي تطور يستدعي تدخل المشرع.

آليات القواينن

تحتاج القوانين لآليات تطبيق تؤدي الى تحقيق الهدف من وراء صدور التشريع لذلك سألنا العينة العشوائية حول ما اذا كانوا يعتقدون بأن آليات التنفيذ تتطابق مع روح القوانين؟ وقد كانت الإجابات التي حصلنا عليها كالتالي:

70% نعم

25% لا

5% لا يعلمون

استطلاع: مشرق علي حيدر