تعددت الإسهامات والإنجازات العلمية للحضارة الإسلامية في الأندلس وتنوعت آثارها وأشكالها وأنماطها وبرزت على هذا الصعيد الإسهامات العظيمة والإنجازات الباهرة التي حققها المسلمون في مجال الطب والاختصاصات الطبية.
دخل الإسلام ديار وفيافي الأندلس وأدخل مفاهيم ومبادئ شريعته السمحاء وعقيدته المحكمة إلى قلوب وعقول ساكني البلاد وزائريها، وانتشرت توجيهات وتشريعات الحث على التزود بالعلم والتفقه والتبحر والبحث عن الحكمة والتدبر في آيات الخلق وتوخي الإتقان والتعقل وحسن التدبير والأمر بالنظافة والطهارة الجسدية والمعنوية ومعالجة العلل والآفات والعاهات الجسدية والنفسية، في أرجاء المعمورة من بلاد وإمارات الأندلس المتعطشة للدخول في عصر جديد من النهضة العلمية على جميع الصعد وفي كل المجالات.
في خضم تلك الأجواء الحافلة بالسعي لكل ما يفيد العلم والتعلم والتزود بالمعلومات والاكتشافات العلمية، حقق العلماء والأطباء المسلمون قفزات هائلة في مجال الطب والطبابة، إذ برزت القواعد والأسس الأولى لتطور العلوم الطبية واختصاصاتها المتعددة وظهرت المعالم الأولية لما يعرف حاليا بالطب الحديث.
في البدء، تطورت المفاهيم الطبية والعلمية وانتقلت من مرحلة كانت تتسم فيها بالجمود والغرابة والقبوع تحت وطأة الكهانة والشعوذة والدجالة إلى فضاء المبادئ العلمية الرحبة والنشطة والمتحركة تحت لواء التحقق والتمحيص والتدبر والتجربة والدقة والاستدلال والاستبصار، ثم انطلقت، بعد ذلك، مدارس علمية تجريبية، أخذت على عاتقها تطوير العلوم والعلاجات والمفاهيم في شتى الفروع الطبية كالجراحة وطب العيون وطب الأطفال والأجنة والولادات والطب النفسي وعلم الحمية وعلم الصيدلة، كما اهتمت بتحديثها وتوسيع آفاقها وتنظيم دراستها والعمل بها.
اتسمت النهضة العلمية في المجالات الطبية في بلاد الأندلس بملامح عامة قاربت بشكل أو بآخر الملامح والسمات العامة التي سادت أجواء النهضة العلمية في الشرق الإسلامي، لكنها تميزت بتمتعها بفوارق ومظاهر خاصة ساهمت في طليعتها واتساع آثارها وشدة تأثيرها على بيئتها ومحيطها وعلى مسيرة العلوم الطبية في القرون الوسطى وما بعدها إلى حين تبلور الطب الحديث.
الملامح الخاصة لنهضة الطب والعلوم الطبية في الحضارة الإسلامية الأندلسية:
ـ كسر القوالب القديمة في المفاهيم والقواعد الطبية وتحليل القديم المتوارث من العلوم النمطية ومناقشتها وإخضاعها للتجربة.
ـ إزالة كل أجواء الكهانة والشعوذة وعناصر الدجالة والسحر والطقوس الغريبة عن مهنة وحرفة الطب والطبابة.
ـ تأسيس مهنة الطب وممارستها كحرفة وفن وعلم وتنظيم العمل بها والتدرب على أصولها وفروعها وتعلم قواعدها وآدابها.
ـ تطبيق النظريات الطبية بعد تحليلها وتمحيصها ومناقشتها، وإخضاع كل جديد فيها للتجربة، ورفض كل نمطية بالية أو آراء روتينية موروثة.
ـ تنظيم مهنة الصيدلة وإرساء الأصول العلمية لدراسة النباتات والعقاقير الطبية، وإبعاد الطقوس والشعوذة عنها.
ـ تنظيم الاختصاصات الطبية وتحديث أطرها، والتشجيع على التخصص في مهنة الطب.
ـ إرساء القواعد الأولى لما يعرف حاليا بعلم التغذية وإخضاع الأطعمة والأشربة للاختبارات والتجارب قبل تحديد الوصفات.
ـ تطوير الجراحة وتنظيم حرفتها ورفع مستواها وتأسيس علومها وتعليمها بعدما كانت بأيدي الحلاقين والمتطفلين والفضوليين.
ـ وضع الأسس الأولى لقواعد الصحة العامة وقوانين حفظ الصحة والوقاية من الأمراض.
ـ وضع أصول علم وظائف الأعضاء وعلم التشريح وعلم الأجنة وعلم التقويم أو التجميل الجراحي.
ـ إرساء مفهوم الاستشارة الطبية وتنظيم دور مجلس الأطباء في الحالات الصعبة أو الحالات المستعصية أو في حالات مرض الحكام والأمراء.
أهم الإنجازات والإسهامات الطبية العظيمة للأطباء المسلمين في الأندلس:
- ابتكار وتصميم أهم وأحدث التقنيات والأدوات الجراحية في ذلك العصر (أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي).
- فصل طب العيون عن الطب العام ورسم ملامحه التشريحية والتشخيصية والعلاجية الجديدة (أحمد بن يونس الحراني وأبو مروان عبد الملك بن زهر ومحمد بن أسلم الغافقي).
- تعريف العدوى بمفهومها العلمي المتداول في الطب الحديث وإثبات عدوى بعض الأمراض وتقديم وصف سريري للعدوى لأول مرة في تاريخ الطب (لسان الدين بن الخطيب وأبو جعفر بن خاتمة الأنصاري).
- إرساء قواعد وأصول علم المعالجة بالنباتات ودراسة خواص النباتات الطبية (سليمان بن حسان بن جلجل وأبو المطرف اللخمي وأبو جعفر الغافقي).
- وضع أسس وقواعد علم التوليد وطب الأطفال وتنظيم عمل القابلات وتحديد أطوار وتغيرات الأجنة (عريب بن سعيد الكاتب القرطبي).
- اكتشاف الأسباب التي تؤدي إلى الأمراض السارية أو المنتقلة عبر الاتصال الجنسي وطريقة علاجها (أبو زكريا يحيى بن إسحق).
إشكاليات الإحاطة بالإنجازات الطبية للمسلمين في الأندلس وحصر آثارها:
- لم يتبق من الآثار العلمية للحضارة الإسلامية في الأندلس إلا القليل، فقد أحرقت مكتبات بأكملها وهدمت معظم الصروح والقلاع والقصور والمستشفيات والدور الحاوية آنذاك على مخطوطات وآثار وشواهد تلك النهضة العلمية العظيمة، ولم يسلم من الحرق والتدمير والنهب والإهمال إلا القليل من المخطوطات التي تعرض في بعض المكتبات الإسبانية العامة كمكتبة «الإسكوريال» قرب العاصمة مدريد.
- تعاني معظم المخطوطات المحفوظة في أرشيفات المكتبات الإسبانية من كثرة التلف وبعضها موجود لكن بأجزاء غير متكاملة أو مفقودة أو محروقة!.
- شهد عصرنا الحاضر بعض المحاولات الخجولة في مجال ترميم أو جمع أو تحقيق ما يمكن ترميمه وتحقيقه من تلك المخطوطات العلمية المهملة.
- من الصعب جدا حصر العناصر الأساسية والعوامل الضرورية لفهم وتحليل آثار وأهمية الإنجازات الطبية في الأندلس لعدم اكتمال الدراسات حولها واستحالة تتبع خصائصها وركائزها ولتنوع آفاقها وامتداداتها ولطول الفترة الزمنية التي أشرقت فيها شمس الحضارة الإسلامية على أرض وديار الأندلس.
استشاري في أمراض الأنسجة والخلايا في هيئة الصحة بدبي
