اعتبر اقتصاديون أن إقامة سوق دين في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام والخليج على نحو خاص، يعد بمثابة مسألة حتمية، بل ويجب أن يكون جزءا من التطوير الاستراتيجي للمنطقة، وقدروا بأن تطوير هذا السوق سيحقق فوائد كبيرة في عدة مجالات، امتلاك سياستين مالية ونقدية نشطتين.

بحيث تنتفي الحاجة إلى الاعتماد المكثف على الإيرادات النفطية في تمويل الإنفاق الحكومي، بأن يلعب سوق الدين همزة الوصل بين الإيرادات النفطية وتمويل مشروعات البنية التحتية، إلى جانب إعادة توجيه حركة انتقال فوائض رؤوس الأموال من الخارج إلى الداخل، وتوفير بدائل لتمويل المشروعات إلى جانب التمويل المصرفي. ومبعث حتمية إقامة سوق دين بمنطقة الخليج، يعود في رأي الدكتور ناصر السعيدي رئيس الشؤون الاقتصادية لدى «سلطة مركز دبي المالي العالمي»، إلى نشؤ حاجة للاعتماد على سوق الدين في تمويل المشروعات التنموية والأشغال العامة، وبروز حاجة لأن يخدم سوق الدين كحلقة وصل بين الموارد النفطية والإنفاق الحكومي، الأمر الذي يقلل الاعتماد على الإيرادات النفطية لتمويل مشروعات البنية التحتية.

حيث إن هناك اعتمادا مكثفا على المصارف في تمويل معظم المشروعات، إذ يأتي تمويل مشروعات البنية التحتية والمشروعات الاستثمارية من القروض المصرفية المجمعة، ولكن المصارف ليست ممولا كفئا للتمويل الطويل الأجل، بحكم أن التمويل الطويل الأجل يؤدي إلى عدم التوافق بين الأصول والخصوم، بحكم أن المصارف تتلقي ودائع قصيرة الأجل.

كما أن قيام المصارف بتقديم التمويل الطويل الأجل، من شأنه أن يؤدي إلى عدم التوافق بين العملات، وذلك بسبب أن المصارف تتلقى العوائد بالعملات الأجنبية، وتقدم القروض بالعملات المحلية.

ورأى الدكتور ناصر السعيدي أن المسألة هنا غير قاصرة على مجرد امتلاك سوق دين، وانما كذلك أن يكون هذا السوق مقوما بالعملات المحلية، حيث إنه بالإمكان السيطرة على العملات المحلية، ولكن من غير الممكن السيطرة على العملات الأجنبية.

محدودية الدور

ووجه الدكتور ناصر السعيدي الانتباه إلى أن منطقة الخليج تعد المنطقة الوحيدة في العالم التي لا يلعب فيها سوق الدين دورا مهما في مجال التمويل، على صعيدي تمويل الشركات والحكومات، حيث يسهم سوق الدين بنسبة تبلغ 5% من إجمالي التمويل في منطقة الشرق الأوسط، وأنه على الرغم من أن تطوير سوق الدين يعد مسألة حتمية، فإنه لم يتم بذل الكثير من الجهد لتطويره، إذ إن نسبة الدين إلى الناتج المحلي في منطقة الشرق الأوسط تبلغ 3%.

ولفت الدكتور ناصر السعيدي الانتباه إلى أن دول الخليج لم تعتد استخدام أدوات الدين حتى وقت متأخر.

ومنذ عام مضى. وعندما أصابت الأزمة المالية العالمية منطقة الخليج، تبين أن معظم دول المنطقة لم تعتد اعتماد سياستين نقدية ومالية نشيطتين، حيث إنه لا يتوافر لديها حتى النظام الضريبي، فالمقصود من السياسة المالية، هو زيادة أو خفض الإنفاق الحكومي، وعندما حدثت تقلبات في الأسعار، وجدت الحكومات نفسها فجأة تواجه عجزا في موازناتها.

النفقات الحكومية

ولأول مرة، بدأت العديد من دول الخليج التفكير في التحول إلى سوق الدين لتمويل الموازنات الحكومية، وتمويل النفقات الحكومية، ومن ثم، فإن الفائدة الكبيرة المتحققة من جراء وجود سوق دين، هي بدء امتلاك أدوات للسياسة النقدية من جانب، وتعزيز قوة السياسة المالية من جانب آخر.

ورأى الدكتور ناصر السعيدي أن عدم استخدام سوق الدين يعود إلى امتلاك دول الخليج فوائض في الموازنات، فضلا عن امتلاكها القدرة على النفاذ إلى التمويل المصرفي، مشيرا إلى أن الحكومات في المنطقة صارت أكثر إقبالا على أسواق الدين خلال العام ونصف العام الذين شهدا تفجر الأزمة المالية العالمية، إذ أجبرت الأزمة الحكومات والشركات في المنطقة علي التوجه نحو سوق الدين.

السياسة النقدية

وقدر الدكتور ناصر السعيدي أن الأزمة المالية العالمية قد وجهت انتباه المصارف المركزية بالمنطقة إلى أهمية سوق الدين كأداة للإدارة النشطة للسياسة النقدية، فقبل تفجر الأزمة، لم يكن متاحا أمام المصارف المركزية بالمنطقة الأدوات التي تعينها على إدارة السياسة النقدية، إذ إنها لا تصدر أوراقا حكومية على غرار أذونات الخزانة الأميركية.

وبالتالي، لم يكن في وسعها شراء الدين لأجل ضخ السيولة في الأسواق، ومن ثم، فمن شأن تطوير سوق للدين أن يتيح للمصارف المركزية أدوات تعينها على الإدارة النشطة للسياسة النقدية، فهي لم تعد بحاجة إلى الإيرادات النفطية لزيادة الإنفاق الحكومي، إذ يعني اتباع سياسة مالية نشطة، الاعتماد بشكل متزايد على سوق الدين.

منافع كبيرة

ويقدر الدكتور ناصر السعيدي بأن هناك منافع ضخمة متحققة من جراء إقامة سوق للدين والذي ينبغي أن يكون جزءا من التطوير الاستراتيجي للمنطقة، وعدد هذه المنافع في التالي:

أولا: مع نمو أسواق المال في المنطقة، زادت تدفقات رؤوس الأموال إلى الخارج، إذ ان المنطقة تعتبر مصدرا صافيا لرؤوس الأموال، نظرا لفائض السيولة المتوافر في المنطقة، مع ذلك، هناك حاجة لإعادة توجيه هذه الأموال إلى المنطقة للمساعدة في بناء اقتصادياتها، ولعل الدرس الرئيسي المستخلص من الأزمة، هو أنه جرى استثمار الأموال في الخارج خاصة في الأسواق الأميركية والأوروبية.

ولكن عندما، تفجرت الأزمة، وجدت المنطقة نفسها أنها لا تمتلك إمكانية نفاذ إلى التمويل، وبالتالي، فإن الدرس الأكثر أهمية والمستخلص من الأزمة، هو ضرورة امتلاك الأدوات التي تمكن من اتباع سياستين نقدية ومالية نشطتين، فثمة فارق بين اعتماد خطاب ينشد اتباع سياسة نقدية نشطة، وامتلاك الأدوات المعينة على ذلك.

ثانيا: تتجه دول مجلس التعاون الخليجي إلى المزيد من التكامل على صعيد أسواق المال، ويعتبر تطوير سوق الدين أحد الأدوات الرئيسية التي يجب استخدامها بغرض تحفيز المزيد من انتقالات رؤوس الأموال داخل المنطقة.

كما أن المقترضين الخارجيين يمكن أن يضخوا الأموال إلى أسواق المنطقة، بحكم تمتعها بفوائض مالية، وبالتالي، بدلا من أن تقوم دول المنطقة بتوظيف فوائضها المالية في الخارج، سيأتي المقترضون وهيئات الإصدار من الخارج إلى المنطقة لإصدار السندات والصكوك، وهو ما يعزز نمو القطاع المصرفي والمالي في المنطقة.

البنية التحتية

ثالثا: تستثمر منطقة الخليج بكثافة في مشروعات البنية التحتية، ومن المقدر أن تبلغ قيمة هذه الاستثمارات علي مدي السنوات العشر أو الخمس عشرة المقبلة إلى 3 تريليونات دولار.

وهو ما يعني أنه من المتعين عدم الاعتماد على الإيرادات الحكومية السنوية أو التمويل المصرفي، بل يجب التوجه إلى سوق الدين لتوفير التمويل الطويل الأجل الذي يعد بمثابة الشكل المثالي للتمويل، سواء بالنسبة للمشروعات الحكومية أو مشروعات القطاع الخاص، هو ما يعني ضرورة العمل على تطوير سوق للدين سواء للحكومات أو للشركات، إلى جانب تطوير أسواق السندات القابلة للتحويل إلى أسهم.

تحولات جذرية

ورأى الدكتور ناصر السعيدي أن التحولات غير قاصرة على الإنتاج العالمي فحسب، من ناحية أن الأسواق الصاعدة صارت تنتج القسم الأكبر من الإنتاج العالمي، بل امتدت كذلك إلى أسواق الأسهم العالمية، وهو أمر لم يتم الإقرار به بعد، إذ ان التركيز تمحور دائما على المراكز التقليدية، كلندن ونيويورك وفرانكفورت وغيرها.

ولم يجر التركيز على حقيقة أن أسواق المال في الأسواق الصاعدة صارت في المرحلة الحالية تلعب دورا مهما في أسواق المال العالمية.

وطرح الدكتور ناصر السعيد سؤالا حول كيفية البناء على مثل هذه التحولات، وتطرق في جوابه على هذا السؤال إلى أن أسواق الدين ستكون حيوية ومهمة بالنسبة لمنطقة الخليج، بالنظر إلى أن أسواق الدين تحقق فوائد عديدة، من بينها، الإسهام في تنويع مصادر التمويل، بأن تكون هناك بدائل للتمويل إلى جانب الإقراض المصرفي وأسواق الأسهم، وتخفيض التكلفة الكلية للصفقات عبر امتلاك مصادر متنوعة ومتعددة للتمويل.

والأمر الأكثر أهمية بالنسبة لدول الخليج، هو أن أسواق الدين يمكن أن تحفز على اتباع سياستين مالية ونقدية نشيطتين.

الجغرافيا المالية

طرأت تغييرات على الجغرافيا المالية في العالم، ففي عام 1999، كانت الولايات المتحدة تستأثر على 46% من إجمالي الأسهم العالمية، فيما استأثرت بقية دول العالم المتقدم بما في ذلك أوروبا واليابان على حصة نسبتها 46%، بينما بلغت حصة الأسواق الصاعدة 8% فقط، منها، 3 .0 لمنطقة الشرق الأوسط، ولكن تبدلت الصورة كليا بعد مرور عشر سنوات، وبحسب أرقام يونيو 2008، تراجعت حصة الولايات المتحدة إلى أقل من 30%، كما تراجعت حصة بقية دول العالم المتقدم إلى 40%، فيما صعدت حصة الأسواق الصاعدة إلى 31% من أجمالي الأسهم العالمية، كما صعدت حصة منطقة الشرق الأوسط إلى 5 .1%.

سوق الدين الإقليمي

رصد الدكتور ناصر السعيدي حدوث تغيير كبير في هيكل سوق الدين بالمنطقة، إذ ان معظم إصدارات الدين خلال الفترة 2005 ـ 2007 كانت على هيئة سندات شركات.

ولكن بدءا من عام 2007، ظهرت إصدارات الدين السيادية، على غرار تلك السندات الصادرة في دبي وأبوظبي والبحرين وقطر، وهو ما يؤشر على اتجاه الحكومات بشكل متزايد إلى أسواق الدين لتمويل مشروعات البنية التحتية، وذلك بسبب أن الصكوك تمتلك مزايا تجعلها الأداة التمويلية الأكثر ملاءمة لتمويل الأصول الحقيقية.

دبي ـ مجدي عبيد